في الواجهة

مركز دراسات: معركة مأرب وشبوة تضاعف أزمة الثقة بين حزب الإصلاح والسعودية

  • على حزب الإصلاح التوقف عن الهيمنة على الحكومة وإزالة الشبهة التي تظهر القوات العسكرية الحكومية كأنها جناح مسلح تابع للحزب وتطوير منظورات جديدة واقعية للصراع في اليمن بعيداً عن منظورات وعواطف ثورات الربيع العربي.

  • على السعودية الضغط باتجاه تقريب وجهات النظر وبناء الثقة بين حزب الإصلاح والأطراف اليمنية الأخرى المدعومة من التحالف، وخصوصاً المدعومين من دولة الإمارات، وذلك عبر التسريع في تنفيذ اتفاق الرياض

  • على السعودية الانتباه إلى أن سقوط مأرب أو غيرها من المناطق بيد الحوثي لن يمثل هزيمة لحزب الإصلاح بل هزيمة للمملكة ونقطة حاسمة لصالح إيران في اليمن وهو ما يستدعي من الرياض العمل لمنع مأرب من السقوط عبر القوة المحلية الوحيدة الجاهزة الآن.

مركز العربية السعيدة- حكيم محمد*:

ملخَّص تنفيذي:

يكثِّف الحوثيون هجماتهم في عمق محافظة مأرب، وعلى أطراف محافظة شبوة، وهما المحافظتان الغنيتان بالنفط، والواقعتان إلى الشرق من العاصمة اليمنية صنعاء. بالتزامن مع ذلك، تتراشق الأطراف المناهضة للحوثي، الاتهامات واللوم والتخوين، وهو ما يضاعف من أزمة الثقة التي يجني ثمارها الحوثيون.

ورغم أن حزب الإصلاح وحلفاءه العسكريين والقَبَليِّين يشكلون القوة الفاعلة الرئيسية في الدفاع عن هاتين المحافظتين، باسم الشرعية الدستورية للرئيس اليمني المعترف به دولياً عبد ربه منصور هادي، إلا أن الربح والخسارة في هذه المعركة الاستراتيجية -إذا نظرنا إلى الأمر من منظور الصراع الإقليمي- سوف يرتبطان في المقام الأول بالمملكة العربية السعودية التي تقول إنها تخوض الحرب في اليمن منذ 2015، بدعوى مواجهة النفوذ الإيراني ممثلًا في جماعة الحوثي.

ومع ذلك، وفي حال حدوث أية هزيمة شاملة في هذه المناطق لصالح الحوثيين، وهو أمر لم يعد من المستبعَد حدوثه، فإن قواعد وقيادات حزب الإصلاح لن يكونوا مستعدين، كما يبدو، لتصديق أن التحالف بقيادة السعودية قد فشل بالفعل في توفير الحماية اللازمة لمأرب وشبوة، بل سينحازون عاطفياً، تحت تأثير الصدمة، إلى رواية أخرى جاهزة ومبنيّة في جانب منها على المؤامرة وفرضية التواطؤ المقصود.

ومع أن الإصلاح لم يتبنَّ علناً هذه الرواية حتى الآن، إلا أن من السهل إدراكها والاحساس بها في التعليقات والأحاديث اليومية لأعضاء الحزب والمتعاطفين معه (على سبيل المثال، علَّق سيف الحاضري، وهو صحفي مقرَّب من حزب الإصلاح ومن نائب رئيس الجمهورية علي محسن الأحمر، على التطورات الأخيرة في مأرب وشبوة، عبر حسابه في “تويتر”، قائلًا: “لا يحتاج الأشقاء في المملكة منا إلى تعريفهم أين يكمن أمنهم القومي، فقد قرروا أن مصلحتهم في إضعاف الشرعية وشرعنة المليشيات. المشكلة الحقيقية في قيادتنا التي لم تحدد مسارها بوضوح أين تكمن مصلحتنا هل بالبقاء تحت عباءة السعودية، أم بتوسعة دائرة التحالفات التي تخدم حربنا مع إيران المحتلة).

في المقابل، سيكون لدى التحالف، والفصائل الممولة من الإمارات في اليمن، رواية معاكسة أساسها المؤامرة أيضاً، إذ سيجري فيها تحميل حزب الإصلاح والأجنحة العسكرية والقبلية المرتبطة به، المسؤولية عن الفشل والهزيمة (على سبيل المثال: تناقلتْ وسائل الإعلام تصريحات للقيادي في المجلس الانتقالي الجنوبي سالم ثابت العولقي، اتهم فيها حزب الإصلاح، في سبتمبر الماضي، بتسليم مديرية بيحان التابعة لمحافظة شبوة للمسلحين الحوثيين، واصفاً ذلك بالمؤامرة المفضوحة لتسليم شبوة للحوثي).

انطلاقاً من التطورات العسكرية الجارية في مأرب وشبوة، سنحاول إلقاء الضوء على العلاقة الملتبسة والمعقدة بين التحالف بقيادة السعودية وحزب الإصلاح اليمني.

موجز تاريخي:

في 21 سبتمبر 2014، استولى الحوثيون على العاصمة اليمنية صنعاء. كان حزب الإصلاح، ومعه التشكيلات العسكرية المرتبطة به، هو الطرف الذي وجد نفسه بمفرده وجهاً لوجه أمام زحف الحوثيين نحو صنعاء، لكن كثيراً من عملياته العسكرية الدفاعية كانت محرومة رسمياً من الغطاء القانوني للشرعية الدستورية التي يمثلها الرئيس الانتقالي في ذلك الوقت عبد ربه منصور هادي.

أعقب ذلك، حوادث اقتحام شهدتها صنعاء لمقرات حزب الإصلاح الذي كان مشاركاً بعدد من الحقائب الوزارية في الحكومة التي تشكَّلت بموجب “المبادرة الخليجية” لنقل السلطة، الموقعة بين الأطراف السياسية في نوفمبر 2011، إثر الانتفاضة ضد حكم الرئيس علي عبدالله صالح.

لم يمضِ سوى ثلاثة أشهر منذ سيطرتهم على صنعاء، حتى قام الحوثيون بفرض الإقامة الجبرية على الرئيس عبد ربه منصور هادي، الذي استطاع بعد أسابيع الفرار إلى عدن. مع اقتراب قوات الحوثيين من عدن، في أواخر مارس 2015، غادر الرئيس هادي إلى العاصمة السعودية الرياض.

في 26 مارس 2015، أطلق تحالف بقيادة السعودية، عملية عسكرية واسعة ضد الحوثيين، تحت اسم “عاصفة الحزم”، وذلك بناءً على طلب من حكومة هادي.

في 3 أبريل، أي بعد أسبوع من انطلاق العملية، أصدرت الأمانة العام لحزب لإصلاح بياناً أيدت فيه “عاصفة الحزم”، وهو الإعلان الذي عرَّض كثيرًا من كوادر الحزب وقياداته في صنعاء والمناطق الشمالية، للاعتقال والملاحقة الانتقامية من قِبَل المسلَّحين الحوثيين، بتهمة الخيانة ومساندة ما وصفوه بـ”العدوان الخارجي”.

السعودية والإصلاح – الاستثناء الضرورة:

يُعتبَر حزب الإصلاح، على نطاق واسع، وخلافاً لرغبته الحالية كما يبدو، بمثابة نسخة محلية من جماعة الإخوان المسلمين العابرة للحدود، والمصنفة من جانب حكومة الرياض في قائمة المنظمات الإرهابية، منذ العام 2014.

القائمة التي أعلنتها وزارة الداخلية السعودية، حينذاك، شملت الأحزاب والمنظمات التابعة لجماعة “الإخوان المسلمين” في المملكة وفي بعض البلدان، باستثناء حزب “التجمع اليمني للإصلاح”.

وفي نوفمبر 2020، أصدرت هيئة كبار العلماء، وهي المرجعية الدينية العليا في السعودية، بياناً وصفتْ فيه جماعة الإخوان المسلمين بـ”المنظمة الإرهابية” التي لا تمثل “منهج الإسلام، وإنما تتبع أهدافها الحزبية المخالفة لهدي ديننا الحنيف…”، حسب نص البيان.

في الواقع، لم يؤدِّ الموقف السعودي الرسمي المعادي لجماعة الإخوان المسلمين مباشرةً إلى تجميد التعامل مع حزب الإصلاح اليمني وحلفائه العسكريين المنضوين في إطار تشكيلات تابعة اسمياً للحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، والتي أعطت السند القانوني للتدخل العسكري بقيادة السعودية في اليمن.

ومثلما يتواجد الكثير من قيادات الإصلاح في العاصمة السعودية الرياض، بعد فرارهم من المناطق التي سيطر عليها الحوثيون، بين نهاية 2014 وبداية 2015، فإن بعض هؤلاء يشغل فعلياً مناصب وزارية في حكومة هادي، والبعض الآخر يتولى مهام إدارية وعسكرية ميدانية في كل من مأرب وأجزاء من تعز وفي محافظة شبوة.

في العلن، يرفض حزب الإصلاح الإشارة إليه كفرع يمني تابع لتنظيم الإخوان المسلمين، بل يؤكد بإصرار على طبيعته الخاصة كمؤسسة حزبية وطنية متحرِّرة عن الارتباطات السياسية والتنظيمية خارج حدود اليمن.

منذ بدء التدخل العسكري بقيادة السعودية في اليمن، أصبح حزب الإصلاح في بياناته أكثر حرصًا على نفي أية علاقة تنظيمية أو سياسية تربطه بالتنظيم الدولي للإخوان المسلمين.

بيد أن هذا الحرص لم يغيِّر بشكل حاسم من النظرة التي يحتفظ بها الآخرون تجاه هذا الحزب.

بالنسبة للمسؤولين السعوديين، فإنهم وإن لم يصدقوه تماماً، فهم على الأقل يتظاهرون بتصديق ما يقوله حزب الإصلاح عن نفسه. وهذا ما لا ينطبق على دولة الإمارات العربية المتحدة؛ العضو الثاني من حيث الأهمية في التحالف الذي تقوده السعودية في اليمن. إذ تتبنى الإمارات سياسة عدائية للغاية حيال جماعة الإخوان المسلمين والتنظيمات المرتبطة أو المتأثرة بنهجها الموصوم بالتشدُّد.

فخلافاً للسعودية، لم تستثنِ السياسة الإماراتية حزب الإصلاح اليمني. ويعتقد هذا الأخير أنه تعرض في السنوات الماضية للاستهداف الممنهج عبر تصفية كوادره في سلسلة اغتيالات دامية شهدتها عدن وبعض المحافظات الجنوبية على يد خلايا منظمة يقول الإصلاح إنها تتلقى الرعاية من دولة الإمارات.

في حين اقتصر التشديد السعودي عملياً على حظر أنشطة جماعة الإخوان المسلمين داخل المملكة، حيث شنَّت السلطات هناك حملات اعتقال واسعة طالت دعاة وناشطين سياسيين سعوديين يشتبه بعلاقتهم بالإخوان المسلمين.

لكن هذا لا يعني عدم تضرُّر علاقة الإصلاح بالسعودية على خلفية الاتجاه العام السعودي المعادي للإخوان المسلمين، والذي تجلَّى بوضوح في خطاب هجومي تقدِّمه بانتظام وسائل الإعلام الممولة حكومياً داخل المملكة.

لقد تضرَّرت العلاقة بالفعل. وعندما تفجرت الأزمة الخليجية في 2016، من خلال فرض حصار سعودي إماراتي بحريني على قطر، بمشاركة مصر، بدأ مناخ من الشك يسمِّم تصاعدياً علاقة حزب الإصلاح بالتحالف.

من هذا المنطلق نستطيع أن ننظر إلى خبر انتقال اثنين من القيادات العليا للإصلاح (محمد اليدومي رئيس الهيئة العليا للإصلاح، ورجل الدين اليمني المثير للجدل عبدالمجيد الزنداني عضو الهيئة العليا للإصلاح) من السعودية إلى تركيا، وذلك أواخر 2020 وبداية 2021، على الرغم من أن هذه الخطوة المتأخرة أحيطت بالتكتم في إعلام الحزب، ولم تنعكس على موقفه الرسمي الذي ظل ثابتاً في تأييده للتدخل العسكري بقيادة السعودية ضد الحوثيين في اليمن.

جذور العداء مع الإمارات:

لم يبرز العداء بين الإمارات وحزب الإصلاح إلى السطح من أول وهلة. استقبل الحزب التدخل بقيادة السعودية بالترحيب والمساندة دون تفريق بين الدول الأعضاء في التحالف.

وعندما قتل 45 جندياً إماراتياً في مأرب بضربة صاروخية انطلقت من صنعاء، في 4 سبتمبر 2015، كتبَ رئيس الهيئة العليا للإصلاح محمد اليدومي، في صفحته على “فيسبوك”، معزياً وشاكراً للإمارات بأشد العبارات لُطفاً، وقال إن “هذه الدماء الطاهرة التي سكبها جنود الإمارات والبحرين، ومثلهم جنود المملكة العربية السعودية، واختلطت بدم إخوانهم من الجيش والمقاومة الشعبية اليمنية، ستنبت حرية ونماء لليمن وشعبه”.

لكن في الفترة التالية لهزيمة الحوثيين من المحافظات اليمنية الجنوبية، وخصوصاً عدن، بمشاركة من كوادر الإصلاح والجماعات السلفية والانفصاليين الجنوبيين، وبإشراف وتنسيق لوجستي وغطاء جوي وبحري إماراتي، مرَّتْ علاقة الإصلاح بالإمارات بأول المنعطفات نحو التدهور والعداء. بدأ الأمر بتفضيل الإمارات للمقاتلين السلفيين والفصائل الجنوبية الانفصالية. وتجلى هذا الانحياز أكثر عندما ضغطتْ أبوظبي، كما قيل حينها، لإبعاد القيادي الإصلاحي نايف البكري من منصبه، بعد أشهر من تعيينه بقرار جمهوري محافظاً لعدن، على إثر جلاء الحوثيين منها عام 2015.

ومنذ الأشهر الأولى لانطلاق عمليات التحالف، أسهمت القوات الإماراتية أيضاً بكفاءة في صد الحوثيين عن مأرب، ودحرهم إلى خارج المحافظة وصولًا إلى مديرية نهم ومناطق أخرى متاخمة للعاصمة صنعاء من جهة الشرق.

إلى جانب عشرات الجنود والضباط، وفَّرت الإمارات في مأرب معدات عسكرية حديثة، بينها عدد من بطاريات الباتريوت. لكن اعتباراً من 2016، بدأت أبوظبي مسلسل سحب جنودها ومعداتها على دفعات كلما تزايدت الحملات الدعائية ضدها، التي كان يقف خلفها ناشطون محسوبون على حزب الإصلاح، رداً على ما اعتبروه مخطَّطاً ترعاه الإمارات لاستهداف عناصرهم في جنوب اليمن.

وفي يوليو 2019، سحبت الإمارات آخر جندي لها من مأرب، وهي اللحظة التي أعقبتها سلسلة طويلة من الهزائم والانكسارات لصالح الحوثيين الذين باتوا اليوم يطوّقون مدينة مأرب من ثلاثة اتجاهات.

وقد جاء المنعطف الثاني في علاقة الإصلاح والإمارات على خلفية الأزمة الحادة التي نشبت بين دول مجلس التعاون الخليجي؛ قطر من جهة، والإمارات والسعودية والبحرين من جهة أخرى، إذ أعلنت هذه الدول الثلاث في 5 يونيو 2017، سحب بعثاتها الدبلوماسية من الدوحة، وإغلاق كافة المنافذ معها.

كان لا بد أن تلقي تلك الأزمة بظلالها على الملف اليمني المعقَّد، وذلك بحكم العلاقة الخاصة التي تربط حزب الإصلاح الإسلامي بدولة قطر. طلب التحالف من القوات القطرية المشاركة في عملياته في اليمن، الانسحاب فوراً. وهو ما حدث بالفعل. وراحت قناة الجزيرة ووسائل الإعلام المدعومة من قطر، تغيِّر بصورة تدريجية من خطابها حول الحرب اليمنية.

رسمياً، لزم حزب الإصلاح الصمت. وأعلنت الحكومة اليمنية المدعومة من التحالف بقيادة السعودية، والتي يشارك فيها الإصلاح بنسبة كبيرة، تأييدها لقطع العلاقات مع قطر، دون أن يثير هذا الإعلان تحفُّظ الإصلاح عبر قنواته الرسمية.

أما جزء من ناشطي الإصلاح، فكان من غير الممكن ألا يظهر عليهم الانحياز لقطر. تلقائياً، وجد الإصلاح نفسه في وضع حرج بالنسبة للتحالف.

في ما بعد، بات من الممكن إعادة التنافر الذي راح تدريجياً يطبع علاقة حزب الإصلاح بالإمارات، إلى جذور بعيدة متشابكة ومنابع تاريخية أقدم من التدخل العسكري في اليمن.

في ما يلي تلخيص لأهم تلك الجذور والمنابع المفترضة:

أولًا: يرتبط العداء بين الطرفين بموقف الإمارات المناوئ لثورات الربيع العربي عام 2011، إذ كانت جماعة الإخوان هي القوة الأساسية المحركة والمستفيدة من تلك الثورات في تونس ومصر واليمن وليبيا، وهو الموقف الذي خلق نوعًا من القرب النفسي بين الإمارات وكثير من أنصار الأنظمة العربية التي هددتها الثورات أو أسقطتها بالفعل. ويفسَّر هذا الموقف أحياناً بأنه انحياز مبدئي من جانب الإمارات للدول والاستقرار ضد ما تعتبرها قوى الفوضى والتطرف التي تتحرك باسم الديمقراطية والحريات.

ثانيًا، يرتبط العداء أيضاً بسياسة الإمارات المناهضة لجماعة الإخوان بشكل عام، إذ دعمت أبوظبي إسقاط حكمهم في مصر في 2013. ويقال إن الإمارات تحاول ضبط هذه السياسة غير المتهاونة لتتفق مع اتجاه رئيسي صاعد في أمريكا والغرب ينزع لمكافأة الصرامة في التعامل مع حركات الإسلام السياسي.

ثالثًا، تتأثر العلاقة، ولا شك، بالتنافس الشرس بين الإمارات وقطر، والذي وصل إلى درجة العداوة السافرة. وبما أن قطر تستثمر سياسياً وإعلامياً في الموقف النقيض لموقف الإمارات، فإنها بذلك قد جعلت من نفسها داعمة رئيسية لثورات الربيع العربي وجماعات الإسلام السياسي، بما في ذلك حزب الإصلاح، في مواجهة الدول والأنظمة العربية التي تعتبرها الدوحة في منابرها الإعلامية أنظمة قمعية ديكتاتورية.

رابعاً: وهناك بالطبع علاقة الإمارات الفاترة بالرئيس عبد ربه منصور هادي، لأسباب كثيرة متراكمة، بعضها على صلة بالأسباب المذكورة في النقاط السابقة، ومنها أن هادي تسلَّم السلطة في اليمن نتيجة لأحداث ثورية جرت ضمن أجواء الربيع العربي، وبالتالي؛ فهو من وجهة نظر أبوظبي، غير المصرَّح بها، يخضع لنفوذ وهيمنة الإخوان المسلمين.

لا توجد بداية معروفة لهذا الفتور. ولطالما اتُّهِمت الإمارات بالحيلولة دون عودة هادي إلى عدن.

وكان من الصعب دائماً منع التأزم الذي يصيب علاقة الإمارات بحزب الإصلاح، من التأثير في علاقة الإمارات بالرئيس هادي. وأصبح أعداء حزب الإصلاح المدعومون من أبوظبي في جنوب اليمن، هم أنفسهم أعداء الرئيس هادي، وهو من أصل جنوبي.

بلغَ التأزم ذروته عندما خاضت قوات هادي، التي يقول الإماراتيون إن حزب الإصلاح يهيمن عليها، مواجهات خاسرة، خلال العامين 2018 و2019، أسفرت عن سيطرة كاملة لقوات المجلس الانتقالي الجنوبي على العاصمة المؤقتة عدن وعدد من المحافظات الجنوبية.

في 13 ديسمبر 2017، وفي محاولة أولى لاحتواء انعكاسات العداء المتفاقم بين حزب الإصلاح والإمارات ومجموعاتها المسلحة في جنوب اليمن، على عمليات التحالف، فقد رتَّبَ ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، لقاءً بحضوره بين نائب رئيس دولة الإمارات محمد بن زايد، وكل من محمد اليدومي رئيس الهيئة العليا للإصلاح، وعبدالوهاب الآنسي أمين عام الحزب، وذلك في العاصمة السعودية الرياض.

جرى اللقاء بعد 10 أيام تقريباً من مقتل الرئيس السابق علي عبدالله صالح، في صنعاء، على يد حلفائه الحوثيين، بعد معارك تمكَّن فيها الحوثيون من القضاء على أكبر تهديد داخلي لسلطتهم في صنعاء، وهو الأمر الذي أعطى ذلك اللقاء دلالة خاصة، مفادها أن الحرب في اليمن دخلتْ فصلًا جديداً أشد خطورة، ما يتطلَّب تعزيز الثقة بين أعضاء التحالف وشركائهم اليمنيين.

إلا أن الشقاق بين الجانبين لم يلتئم.

في نوفمبر 2018، وبإيعاز سعودي أيضاً، كما يبدو، توجه القياديان الإصلاحيان اليدومي والآنسي، إلى أبوظبي. وتناقلت وسائل الإعلام صورة تجمعهما مع محمد بن زايد.

وفيما حاول ناشطو الإصلاح إعطاء الانطباع بأن حزبهم في خطواته تلك إنما يتحامل على جراحه، ويقدم تنازلات قاسية من أجل أولوية قتال الحوثي، فإن خصومهم لم يكونوا يرون في تلك الخطوات إلا علامات ضعف وفقدان حيلة.

ميول “قطرية تركية” صاخبة:

مع مرور الوقت، راحت تتصاعد في الأوساط التابعة لحزب الإصلاح نغمة حادة لتيار مناهض للسعودية ومتعاطف مع قطر، تتصدَّر هذا التيار توكل كرمان الحائزة على جائزة نوبل للسلام، والمقيمة حالياً في تركيا. وكان حزب الإصلاح أعلن في فبراير 2018، تجميد عضوية كرمان في هيئة شورى الحزب على خلفية تصريحات مسيئة للمملكة العربية السعودية.

يضم التيار المشار إليه برلمانيين ورجال دين وناشطين مقيمين في تركيا، إلى جانب إعلاميين وصحفيين يمنيين مرتبطين وظيفياً بقناة الجزيرة القطرية، أو أشخاص يديرون قنوات فضائية يمنية ممولة من قطر (قناة يمن شباب، وقناة بلقيس التابعة لتوكل كرمان) أو ممولة من سلطنة عُمان وقطر (قناة المهرية).

يواظب هذا التيار، شبه المنشق عن الخطاب الرسمي للحزب، على إذكاء الشكوك حول الأهداف المعلنة للتحالف بقيادة السعودية، ويركز على ما يعتبرها أطماع الإمارات في الجزر والموانئ اليمنية، بل يعمل على بناء سردية مختلفة عن الصراع، تعيد تقييم أعمال التحالف منذ انطلاقه، مستخدماً في خطابه مصطلحات تلتقي أحياناً مع ما يقوله الحوثيون من أن التدخل السعودي أصبح مجرد “عدوان خارجي” على اليمن، (مثلًا: تصريحات ومنشورات لتوكل كرمان في مواقع التواصل الاجتماعي).

لكن كان من الواضح أن نبرة هؤلاء قد ارتفعت إلى أعلى مستوياتها بالتزامن مع تفاقم تلك الأزمة التي عصفت بالبيت الخليجي ابتداءً من العام 2017 وما تلاه، إضافة إلى التوتر اللاحق الذي ساد العلاقات بين السعودية وتركيا (حليفة قطر)، إثر حادثة اغتيال الصحفي السعودي جمال خاشقجي في قنصلية بلاده في إسطنبول، في أكتوبر 2018.

ولعل الأمل قد داعب خيال هذا الفصيل الإصلاحي (الإخواني كما يسمِّيه خصومه) في الحصول على تدخل أو مساندة تركية عسكرية تغنيهم عن الاحتياج للتحالف بقيادة السعودية. وتسرَّب مقطع فيديو في أغسطس 2020، يظهر فيه القيادي الإصلاحي في تعز عبده فرحان سالم، وهو يصف التحالف بـ”الأنجاس”، قبل أن يفصح عن أن الأتراك قد وعدوهم بتقديم مدرعات عسكرية وأسلحة.

منذ الربع الأول من العام الجاري، وبالتزامن مع المصالحة السعودية القطرية وإنهاء الحصار، حيث انضمت على مضض كل من الإمارات والبحرين إلى عملية المصالحة، لوحظ اعتدال متدرج في نبرة هذا الفصيل الموالي لقطر وتركيا داخل حزب الإصلاح، لكن هذا الاعتدال اقتصر فقط على الموقف حيال السعودية، أما التغير الذي طرأ على موقفه من الإمارات فلايزال طفيفًا جداً. وفي المقابل، لم يشهد الخطاب المعادي للإصلاح من جانب حلفاء الإمارات، أي تراجع ملحوظ، لاسيما من جانب المجلس الانتقالي الجنوبي الذي يطرح نفسه كنقيض وجودي لحزب الإصلاح في المحافظات الجنوبية.

وهذا ربما يعود جزئياً إلى فشل الإمارات وقطر في إعادة علاقتهما إلى وضعها الطبيعي. فمثلًا، لايزال يتفادى محمد بن زايد حتى الآن اللقاء بأمير قطر تميم بن حمد آل ثاني، ولم تتوقف تماماً حتى الآن الحملات الدعائية بين الدوحة وأبوظبي.

شكوك مسبقة تبحث عن براهين:

بحلول العام 2021، صعَّد الحوثيون من هجماتهم باتجاه مأرب، حيث سيطروا بالفعل على عدد من مديرياتها، آخرها حريب والعبدية والجوبة وجبل مراد. لكن المفاجأة كانت عندما استعادوا، في سبتمبر الماضي، السيطرة على 3 مديريات في شبوة دفعة واحدة، عين وعسيلان وبيحان العليا. وهي المناطق التي كانوا خسروها عام 2018.

وهكذا، وفي حال تمكَّن الحوثيون من بسط السيطرة الكاملة على مأرب، وهي ليست أهم معاقل حزب الإصلاح فحسب، بل هي آخر معاقل الحكومة الشرعية في شمال اليمن، وفي حال اقتربوا أكثر من مركز محافظة شبوة، فإن الخيط الرفيع الذي لايزال يربط حزب الإصلاح الإسلامي بالمملكة العربية السعودية، على أساس مصلحتهما المشتركة المتمثلة حالياً في مواجهة الحوثيين؛ حلفاء إيران، هذا الخيط قد ينقطع إلى الأبد.

ذلك أن قطاعاً واسعاً داخل حزب الإصلاح، مثلًا، سينظر إلى أية هزيمة شاملة في هاتين المحافظتين باعتبارها دليلًا نهائياً على مصداقية الشكوك والرؤى التي ظلت، عبر الناشطين المنشقين أو شبه المنشقين، تتحدث عن تواطؤ سعودي غامض مع مخططات إماراتية عدائية تسعى من خلالها أبوظبي لضرب الإصلاح، وتقسيم اليمن عبر تسليم الشمال للحوثيين، مع استكمال تسليم الجنوب للمجلس الانتقالي الجنوبي الانفصالي المدعوم إماراتياً، والذي استطاع أن ينهي أي وجود علني لحزب الإصلاح في عدن وعدد من المحافظات الجنوبية. ويُتَّهَم الانتقالي من قبل بعض ناشطي الإصلاح، بالعمل لصالح الحوثيين، وهي التهمة نفسها التي يرددها ناشطو الانتقالي ضد حزب الإصلاح.

ورغم ما يقوله ناشطو الإصلاح عن اتفاق مزعوم بين الانتقالي والحوثيين، فالجميع يعرف أنه لا توجد ضمانات من أي نوع تقضي بتوقُّف قوات الحوثي عند الخط الحدودي الذي كان يفصل بين دولتي الشمال والجنوب قبل اندماجهما في دولة واحدة عام 1990.

ولا بد أن توغُّل الحوثيين العسكري مؤخراً في مديريات مهمة على أطراف محافظة شبوة، التابعة سابقاً لجمهورية جنوب اليمن المستقلة قبل الوحدة، والمعقل الأكبر في الوقت الحالي لحزب الإصلاح في الجنوب (إضافة إلى سيئون في حضرموت)، يرسل رسالة مفادها أن جنوب اليمن كله سيكون عرضة للهجوم والاجتياح فور التغلب على الإعاقة العسكرية الأخيرة التي لاتزال تمثلها مأرب (الشمالية) في طريق الحوثيين حتى الآن.

فضلًا عن أن عبدالملك الحوثي تعهَّد، في سبتمبر الماضي، في كلمة متلفزة، بالسيطرة على كافة الأراضي اليمنية.

لكن، في مقابل رواية الإصلاحيين المذكورة، التي تفسِّر النتائج العسكرية الميدانية غير المرغوبة بمنطق المؤامرة، هناك رواية مضادة قائمة كذلك على تفسير النتائج ذاتها بمنطق المؤامرة أو الفشل شبه المتعمَّد أو الفساد.

هذه الرواية، على سبيل المثال، تقول بأن الانكسارات العسكرية المتوالية خلال العامين الماضيين، ابتداءً من مديرية نهم شرق صنعاء، مروراً بمحافظتي الجوف والبيضاء ومناطق واسعة من محافظة مأرب، وصولًا إلى أطراف شبوة، ما كانت لتحدث لو لم يكن حزب الإصلاح وقيادات الجيش المحسوبون عليه، هم الذين يديرون الملف العسكري في هذه الجبهات.

وتحاجج هذه الرواية بأن حزب الإصلاح بنى في مأرب جيشاً كبيراً وهمياً، وأن القيادات العسكرية المدنية المرتبطة بالإصلاح متورطة في الفساد وسرقة ميزانية الحرب المقدمة من التحالف أو من الإيرادات الحكومية اليمنية.

ينشر هذا الخطاب غالباً ناشطو المجلس الانتقالي الجنوبي، وبدرجة أقل ناشطون من أنصار الرئيس السابق علي عبدالله صالح المتواجدون في الساحل الغربي، حيث يتمركز طارق صالح (ابن شقيق صالح) بقواته التي أطلق عليها اسم “المقاومة الوطنية”.

في الآونة الأخيرة، قام وفد يمثل قوات طارق صالح بزيارة إلى مناطق سيطرة حزب الإصلاح في تعز. تعد هذه الخطوة، التي تهدف إلى تقريب وجهات النظر بين الجانبين المتخاصمين، بمثابة الاستجابة الأولى للخطر الذي تقرع نواقيسه انتصارات الحوثيين في مأرب وشبوة.

بعد أيام قليلة من تلك الزيارة، شهدت تعز عملية اغتيال طالت قياديًا إصلاحيًا محليًا. تباينت التفسيرات؛ هناك من حاول توظيف الحادثة لتعزيز جهود التنسيق بين قوات طارق والإصلاح، وهناك آخرون وظفوها لإجهاض التنسيق في مهده.

وفي 28 أكتوبر، دعا طارق صالح، بوضوح أكبر، إلى توحيد الجهود من أجل “استعادة الدولة”، وذلك عبر شراكة حقيقية مع القوى الفاعلة في إطار شرعية الحكومة المعترف بها دولياً.

بالنظر إلى ما سبق، فإن المعركة في مأرب وشبوة قد تكون هي الاختبار الأصعب، وربما الأخير، للعلاقة الهشة والمضطربة بين حزب الإصلاح اليمني والتحالف بقيادة السعودية، بل قد تكون هي الاختبار الأصعب والأخير للحرب التي يخوضها التحالف ضد النفوذ الإيراني داخل اليمن.

توصيات لحزب الإصلاح:

  • باعتباره المتضرِّر المباشر من أي تقدم عسكري يحرزه الحوثيون في مأرب وشبوة، على حزب التجمع اليمني للإصلاح اتخاذ تدابير عاجلة لإزالة شبهة الهيمنة على الحكومة المعترف بها دولياً، وكل ما يسهم في إظهار القوات العسكرية المرتبطة اسمياً بهذه الحكومة، كأنها جناح مسلح تابع للحزب.

  • دعم قنوات التواصل، التي بدأت مؤخراً، مع قوات طارق صالح في الساحل الغربي، وتقليل حدة السجال الإعلامي المتبادل مع المجلس الانتقالي الجنوبي ما أمكن.

  • تطوير منظورات جديدة واقعية للصراع في اليمن بعيداً عن منظورات وعواطف ثورات الربيع العربي وسردياتها المختصمة مع كل الأطراف، لاسيما أنصار النظام السابق الذين أصبح جزء كبير منهم يلتقي مع حزب الإصلاح في كون الجميع يواجهون اليوم عدوَّاً مشتركاً خطيراً يتمتع بوحدة القيادة والخطاب.

توصيات للتحالف بقيادة السعودية:

  • الضغط باتجاه تقريب وجهات النظر وبناء الثقة بين حزب الإصلاح والأطراف اليمنية الأخرى المدعومة من التحالف، وخصوصاً المدعومين من دولة الإمارات، وذلك عبر التسريع في تنفيذ اتفاق الرياض الموقَّع في 5 نوفمبر 2019، بين الحكومة الشرعية والمجلس الانتقالي الجنوبي.

  • تشجيع الإصلاح على تمييز نفسه بشكل أكبر عن خطاب وتوجهات جماعة الإخوان المسلمين في دول المنطقة، والتعامل معه وفقاً لما يقوله عن هويته السياسية والتنظيمية.

  • على المملكة العربية السعودية الانتباه إلى أن الهزيمة في مأرب أو في غيرها من المناطق، لن تظهر على أنها هزيمة لحزب الإصلاح، بل ستكون هزيمة لها، ونقطة حاسمة لصالح إيران في اليمن. وهو ما يستدعي من الرياض العمل لمنع مأرب من السقوط عبر القوة المحلية الوحيدة الجاهزة الآن.

  • كاتب ومحلل سياسي يمني، يقيم في صنعاء، ويكتب باسم مستعار لدواع أمنية.
اظهر المزيد

مواد ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى