فنون وثقافة

المسرحية السعودية “صخب بلا صوت” تفوز بجائزة مهرجان شرم الشيخ

اندبندنت عربية- يسري حسان:

في الدورة السادسة لمهرجان شرم الشيخ الدولي للمسرح الشبابي، التي اختتمت مساء أمس الأول، حصل العرض السعودي “صخب بلا صوت” على جائزة لجنة التحكيم الخاصة في مسابقة “مسرح الشارع والفضاءات غير التقليدية”، وهي واحدة من ثلاث مسابقات ضمها المهرجان ومنها “مسابقة العروض الكبرى”، و”مسابقة المونودراما”. وعرض “صخب بلا صوت” قدمته جوقة المسرح في الجمعية العربية السعودية للثقافة والفنون.

أما المهرجان الذي شارك في مسابقاته الثلاث 16 عرضاً مسرحياً، فحملت دورته اسم الفنانة القديرة سميحة أيوب، ورأس لجنته العليا الفنان محمد صبحي، ورأسه المخرج مازن الغرباوي، وتضمن إلى جانب العروض مجموعة من الندوات الفكرية وحفلات توقيع الكتب، واحتفاءً خاصاً بالمسرحين العراقي والتونسي، فضلاً عن ورشات في فن الممثل، وفن كتابة المسرح.

مسرح الشارع

مبدئياً فإن أبسط تعريف لمسرح الشارع أنه ذلك المسرح ذو السمة التحريضية، الذي يلغي المسافة بينه وبين الجمهور ويشركه في الحدث، ويستجيب لردود أفعاله. وهو بذلك يعد مسرحاً تفاعلياً، ويمكن تقديمه في الشوارع والساحات والحدائق وغيرها من الأماكن المفتوحة التي يتردد عليها الناس، ولا يعتمد في الغالب على ديكورات أو إضاءة، اللهم سوى بعض الموتيفات البسيطة إذا تطلب الأمر ذلك.

ووفق هذا التعريف فإن البداية الحقيقية لمسرح الشارع كانت في الولايات المتحدة الأميركية عام 1967 كرد فعل على الحرب في فيتنام، ثم انتشر هذا النوع في معظم أنحاء العالم. وإن ظهرت أنواع أخرى من مسرح الشارع قبل ذلك التاريخ بكثير، سواء في أوروبا أو في المنطقة العربية، ولكن بمواصفات وأهداف مختلفة، منها التسلية والإضحاك، فهي كانت عروضاً هادفة للربح، يقوم بها ممثلون جوالون، ومن هنا يمكن تسميتها بـ”المسرح في الشارع” وليس مسرح الشارع.

فضاء غير تقليدي

أما عرض “صخب بلا صوت” فهو لا ينتمي إلى أي من النوعين، مسرح الشارع، والمسرح في الشارع، وإن اجتهد صناعه في محاولة تصنيفه ضمن عروض الفضاءات غير التقليدية. فعلى الرغم من تقديمه فوق منصة مسرح مكشوف في مدينة شرم الشيخ، فقد سعى العرض إلى استغلال المساحة حول المنصة وأسفلها وأعلاها، متخففاً كثيراً من الديكورات (صممها البراء الشهري)، التي جاءت عبارة عن بانوراما بيضاء في العمق، عليها موتيفان يشيران إلى بيئة الصيد، وفوق المنصة منضدة عليها بعض أدوات المطبخ، فضلاً عن ثلاثة مقاعد، ما يشير إلى وجود بيت. وفي الحيز أسفل المنصة منضدة ومقعد، نعرف من سياق الأحداث أنها شرفة البيت، هذا كل ما في الأمر.

العرض هو نتاج ورشة عمل مسرحية شبابية لأعضاء نادي جوقة المسرح، خرجت بعمل درامي من إنتاج جمعية الثقافة والفنون في الرياض. وقد حصل في ملتقى الرياض المسرحي الأول للعروض المبتكرة على ثلاث جوائز في الإخراج والتمثيل والسينوغرافيا، وهو من تأليف محمد عيد وأحمد سلام، وبطولة أحمد سلام، وماسة، وعزيز الزريق، وخالد الحارثي، وإخراج تركي باعيسى، وألحان وغناء عبد الله خالد.

تجريد المكان والزمان

الزمان والمكان في “صخب بلا صوت” غير محددين تماماً، وإن كانت هوية الشخصيات معروفة (عربية)، وكذلك البيئة التي تدور بها الأحداث (بحرية). نحن في قرية عربية تقع على شاطئ بحر، يعمل أهلها في صيد الأسماك، لدينا أربع شخصيات أبو محمد شيخ الصيادين (محمد سلام)، وزوجته (ماسة) وشقيقها (عزيز الزريق) ومندوب شركة صيد أجنبية (خالد الحارثي). ينشأ الصراع من رغبة الشركة الأجنبية في استغلال منطقة الصيد التي يعمل فيها أهالي القرية، وإغرائهم بتزويدهم بمعدات صيد حديثة وإلحاقهم بالعمل لدى الشركة، وصرف رواتب تقاعد لكبار السن منهم.

يرفض شيخ الصيادين عرض الشركة الأجنبية، معتبراً نفسه مسؤولاً عن القرية وأهلها، ومدافعاً عن مصالحهم، وتسانده زوجته في البداية، بينما يقف شقيقها في صف الشركة، حالماً بالثراء والترقي. ولا يأتي رفض الشيخ هنا نتيجة عدم رغبته في مجاراة العصر، والنهوض بالقرية، كما يزعم مندوب الشركة، ولكن لعدم ثقته بنيات هذا الأجنبي الذي يحاول فرض الأمر الواقع، وقد سيطر بالفعل على منطقة الصيد واعتدى على أهالي القرية وقتل بعضهم. لكن الصراع ليس على منطقة الصيد فحسب، بل على الهوية نفسها، وهو ما يفطن إليه الشيخ مردداً عدة سطور من قصيدة أمل دنقل “لا تصالح”. وعلى الرغم من أن الصراع هنا غير متكافئ، فإن الشيخ يصر على موقفه ويرفض التسليم، حتى عندما انضمت الزوجة إلى شقيقها في الميل إلى عرض الشركة، نظراً إلى المعاناة التي يعيشها أهل القرية، وعدم قدرتهم على مقاومة المغتصب، وترمل نساء كثيرات جراء هذا الصراع، وفقدها هي نفسها ابنها الوحيد. يبقى الشيخ وحده متمسكاً بموقفه لأنه يرى ما لا يراه الآخرون، وكأن رسالة العرض ترمي إلى ضرورة التمسك بالهوية وبالأرض ومقاومة أطماع المغتصب مهما كانت مغرياته. هي قصة صراع تجمع بين العاطفة والمنطق والخوف، في مواجهة فاصلة لا تحتمل أنصاف الحلول.

هناك عديد من المشاهد تشير إلى وعي المخرج، وقدرته على إرسال إشارات دالة، ليس عبر الكلمة فحسب، ولكن عبر التشكيل بأجساد الممثلين، واستخدام الجسد بطريقة دلالية لا وظيفية. ومنها مشهد الصراع بين شيخ الصيادين، تناصره زوجته من جانب، ومندوب الشركة، يناصره شقيق الزوجة من جانب آخر، وكذلك المشهد الختامي الذي تغادر فيه الزوجة منطقة التمثيل مع شقيقها ومندوب الشركة، دلالة على تسليمها بالأمر الواقع، بينما يبقى الزوج وحيداً مواصلاً المقاومة رافضاً الاستسلام أو التصالح، ما يحيل الأمر إلى قضايا آنية، ويبرز رسالة العرض وموقفه. “صخب بلا صوت”، هل هو معادل لضجيج بلا طحن؟ ربما، فالعرض مفتوح على عدة تأويلات.

وبالنظر إلى أننا بصدد ممثلين هواة لا محترفين، فإن التمثيل هنا حقق الحد المطلوب وتجاوزه في كثير من الأحيان بخاصة الممثلة ماسة، التي جاء أداؤها طبيعياً في غير تكلف. واستخدمت جهازها الصوتي بشكل صحيح، مدركة أنها تعمل في فضاء مفتوح. وكذلك محمد سلام الذي لعب دور شيخ الصيادين، موظفاً جسده وصوته بشكل جيد، وإن بالغ قليلاً في بعض الأحيان، وعزيز الزريق في دور شقيق الزوجة الأقرب إلى البلاهة، وخالد الحارثي مندوب الشركة الأجنبية في مكره ودهائه.

ميزة عرض “صخب بلا صوت” أنه لا يدعي أكثر مما يعرف، بمعنى أنه لم يلجأ إلى حيل وألاعيب حداثية تعمل على تغريب موضوعه وطمس هويته. هو عرض يقاوم محو الهوية، ويدعو إلى فكرة التمسك بالأرض، ولذا جاء شكله متسقاً مع موضوعه، ولم يكن مطلوباً منه أكثر مما قدم، بخاصة أنه قبض على ألف باء المسرح من حيث الدراما والخط الواضح، وانضباط حركة الممثلين، وفهمهم طبيعة الشخصيات التي يؤدونها، ونجح في توظيف الفضاء الذي يعمل به، واستغله بشكل جيد.

اظهر المزيد

مواد ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى