مقالات رأي

الخروج من فخ “ستوكهولم”

قبل ثلاثة أعوام ذهبت الحكومة الشرعية بقيادة الرئيس هادي إلى التوقيع على اتفاق “ستكهولهم” برعاية الأمم المتحدة مع جماعة الحوثي، التي انقلبت على مؤسسات الدولة في سبتمبر 2014. ضَمن الاتفاق لجماعة الحوثي البقاء في مدينة الحديدة، واحتفاظها بالميناء الذي تُهرب عبره الأسلحة، وتستفيد منه ماليا لتغذية حربها. كما أن المدينة تُمثل نقطة الاتصال الوحيدة للانترنت “الكيبل البحري” التي تسيطر عليها الجماعة، بينما تبقى النقاط الأخرى في عدن والمهرة تحت سيطرة الشرعية، وبتحرير الحديدة كان بإمكان الشرعية استعاده قطاع الاتصالات الذي يمثل مصدر رئيسي لتغذيه حربها.

 ان اتمام الاتفاق بتلك السرعة، منع القوات المشتركة من استعادة المدينة، بعد أن سيطرت على أجزاء منها، وتقريبا كانت بحاجة إلى أسبوع أو اسبوعين للوصول إلى الميناء؛ فيوم توقيع الاتفاق لم تكن تبعد القوات كثيراَ عن الميناء الاستراتيجي، “كانت القوات المشتركة قد توغلت في حي 7 يوليو؛ الذي يبعد عن الميناء بعض كيلو مترات فقط”، وبالتالي قطع شريان جماعة الانقلاب وراعيها الاقليمي في طهران، ويُظهر الفيديو الذي بثه التحالف للقاء قيادي من حزب الله مع القيادات العسكرية العليا لجماعة الحوثي أثناء معركة الحديدة مدى الخطر الجسيم الذي ارتكبته شرعيه الرئيس هادي بالتوقيع على الاتفاق بتلك الصورة السريعة، وعدم أخذ الوقت الكافي في المفاوضات لفترة أطول لتمكين وصول القوات المشتركة إلى الميناء، أو على الأقل خروج المليشيا من المدينة بشكل نهائي، حيث شرح القيادي في حزب الله لقيادة المليشيا أهمية الساحل الغربي من باب المندب إلى سواحل الحديدة بالنسبة لإيران ومشروعها في المنطقة.

لماذا وقع هادي على الاتفاق بتلك السرعة؟

هناك ثلاثة أسباب رئيسية أدت إلى إسراع هادي وحلفائه في حزب الإصلاح، إلى توقيع الاتفاق بوقت وجيز، أعطى الفرصة لجماعة الحوثي للبقاء بالمدينة. فهادي مازال مسكون بصراع “أحداث 86″، وفي ذهنيته من غير المقبول أن تُسيطر قوات فيها من أبناء مناطق “يافع، والضالع” على مدينة الحديدة، وهذا ضيق أفق من الرئيس كون القوات المشتركة متعددة الانتماء المناطقي، صحيح ان قوات العمالقة جزء منها من أبناء يافع والضالع؛ لكن جزء آخر ومهم ينتمي للصبيحة، وقليل من أبين ومناطق أخرى، وهذه القوات ليس معها مشكله مع الرئيس هادي، فمثلا قوات اللواء الثاني عمالقة الذي يمثل قوة ضاربة يسمى اللواء السابع مشاه وهو تصنيف يتبع الشرعية تقريبا. كما أن “النخبة” التهامية لا تبادل الرئيس هادي الخصومة، وتبقى الجزء الثالث والأخير من القوات المشتركة والمتمثل بحراس الجمهورية، والتي تعامل معها الرئيس بكونها محاولة لإعادة أبناء عفاش إلى السلطة، وهي مخاوف قد تكون مشروعة فيما لو أن هادي محافظ لمحافظة وليس رئيس جمهورية. فقوات حراس الجمهورية ابتدأت بقوات محدودة تم تجميعها من مختلف المحافظات الشمالية من حلفاء صالح الذي اغتالته جماعة الحوثي، وتمكنوا من الفرار من مناطق سيطرة الجماعة. إجمالا مخاوف الرئيس وخصوماته السابقة ساهم إلى حد ما في التسليم بمنطق أن هذه القوات لا يُفترض أن تدخل مدينة الحديدة مالم تعلن صراحة ولائها له، ومثَّل هذا خطأ جسيم دفع الرئيس ثمنه بعد ثلاث سنوات، بتقدم الحوثي إلى مشارف مدينة مأرب، طبعا تأثير الإصلاح على الرئيس هادي في الدفع بالتوقيع بتلك السرعة كان واضحا، وكانت حسابات الإصلاح الجناح التابع لقطر “السبب الثاني” هي الأساس كون الصراع القطري الإماراتي كان في أوجه. والقوات المشتركة كانت بدعم اماراتي وسعودي، وبدخولها مدينة الحديدة كانت ستكون معادل موضوعي لقوات الإصلاح في الشمال التي تسيطر على مفاصل الشرعية عسكريا رغم فارق حجم القوة بين الطرفين لصالح الإصلاح، ونشير هنا إلى أهمية الفاعلية العسكرية “المعادل الموضوعي” في هزيمة الحوثي عسكرياً وليس قياس حجم القوة كأفراد، فكشوفات المناطق العسكرية التابعة للإصلاح تضم مئات الآلاف إسمياً، لكن الاسماء الوهمية تتجاوز الثلثين وهذا بحسب وزير الدفاع المحسوب على نائب الرئيس الراعي الرسمي للإصلاح. وكذلك معركة مأرب الأخيرة أكدت ذلك فالمنطقتين العسكريتين الثالثة، والسابعة المسجل في كشوفاتهما أكثر من 250 ألف، تبخرت في معركة مأرب، ولم يتبقَ إلا ألوف قليلة وقوات القبائل المأربية التي تقاتل الحوثي.

لقد شنت جماعة الإصلاح حرب اعلاميه مصاحبة لحملتها في قيادة الشرعية، فقد شيطنت القوات المشتركة، ووصفتها بقوات الارتزاق التابعة للإمارات، وغير ذلك من التُهم، بل انها انخرطت في توصيف وضع اليمن بأنه سيتحول إلى المجاعة فيما لو دخلت القوات المشتركة المدينة بحجة أن مخازن الغذاء العالمي ستدمر في الصدام المسلح، وهي تعلم علم اليقين أن جماعة الحوثي قد لغمت الميناء وخزان صافر، ومخازن برنامج الغذاء، وستقوم بتفجيرات لها فيما لو تقدمت القوات المشتركة.

السبب الثالث الضغوط الأممية من حدوث مجاعة، وكارثة انسانية فيما لو امتد الصراع إلى الميناء رغم علمها المسبق بأن جماعة الحوثي من لغمت المخازن والميناء. هذه الأسباب الثلاثة وغيرها شكلت خطة الاسراع في توقيع الاتفاق، وحالت دون تحرير مدينة الحديدة، والضغط على الحوثي في صنعاء.

ما بعد الاتفاق؟

لقد طوق الاتفاق القوة الوحيدة التي كسرت جماعة الحوثي على مسافه طولها قرابة 200 كيلومتر، وحد من تقدمها وهي كانت في عز توهجها وحماستها، وبقت القوات على مشارف الحديدة وعلى طول الساحل الغربي لمدة تتجاوز الثلاث سنوات من الاتفاق، لكن رُبَّ ضارة نافعة. إن توقيف المعركة جعل من القوات المشتركة تتضاعف فبينما كانت ألوية العمالقة بشكل رئيسي ثلاثة في معركة الساحل بقيادة أبو زرعة المحرمي، وحمدي شكري، وعبدالرحمن اللحجي، كبرت هذه القوات خلال فترة الثلاث سنوات إلى ثلاثة أو أربعة أضعاف على الاقل، فأصبحت قوتها من 10 إلى 15 لواءً تقريباً بحسب معلومات من مقربين من العمالقة، ونفس الشي حدث مع حُرًّاس الجمهورية، وبدرجة أقل مع القوات التهامية، حيث انضم الآلاف إلى القوات المشتركة لما اكتسبوه من شهرةً وزخماً كبيراً كونهم كسروا أسطورة الحوثي العسكرية أنه لا يُهزم، فعلى سبيل المثال انضمت قوات أبو العباس “جماعه سلفيه” التي دخلت في قتال عنيف مع قوات محور تعز المحسوب على الإصلاح، انضمت كأحد ألوية حُرًّاس الجمهورية “اللواء العاشر”. كما إن قرابة نصف قوات اللواء ٣٥ الذي مثل أسطورة تحرير ريف تعز في المسراخ والصلو والضباب، وهو لواء ضخم قد تسرب أفراده للانضمام لِحُرًّاس الجمهورية بعد العملية الجبانة التي نالت من قائد اللواء في بيته الشهيد عدنان الحمادي. إجمالاً تحولت ألويه القوات المشتركة من 10 أو 12 لواء، إلى ما يقارب 25 إلى 30 لواءً تقريباً بعد ثلاثة أعوام من اتفاق ستوكهولم. وبذلك ستتمكن هذه القوات من الاحتفاظ بالساحل، وكذلك المشاركة في معارك الشرق في شبوة ومأرب والجوف والبيضاء.

 بالنسبة لجماعة الحوثي، استثمرت الاتفاق بتوجيه قواتها في البداية لاقتحام الضالع وفشلت، ومن ثم باتجاه البيضاء ومأرب، ورافق هذا التوجه خيانات من قيادات عسكريه تتبع الشرعية إما بالحياد مما يحدث في نطاقها العسكري كما حدث في انتفاضة حجور، ولم تُحرك المنطقة العسكرية الخامسة ساكناً رغم قربها من المنطقة، أو بتسليم مواقع عسكريه كما حدث في منطقة العود، مما جعل قوات الحوثي تتقدم باتجاه مريس والضالع، لكن القوات الجنوبية استطاعت صدهم باتجاه دمت.

بعدها تحولت معركة الجماعة باتجاه نهم والجوف ومأرب، حيث تم تسليم نهم ومحافظه الجوف من قبل قوات محسوبة على “علي محسن”، وبعض التقارير تشير إلى دفع قطر أموالاً كبيرة لقيادات عسكريه مقابل تسليمها نهم والجوف، واستمر مسلسل التسليم إلى مديريات شبوه عسيلان وبيحان وعين، مما مكًّن جماعة الحوثي من اسقاط مديريات مأرب الجنوبية العبدية والجوبة وجبل مراد، والوصول إلى جبال البلق الشرقي على مشارف مدينه مأرب .

بعد ثلاث سنوات من ستكهولهم، اكتشف هادي، أنه لم ينال من خصومه في الانتقالي كما زًيّن له الإخوان ذلك، وإنما كادت أن تسقط شرعيته بسقوط مدينه مأرب، كما اتضح له أن ألوية العمالقة والقوات المشتركة لا هم مع الانتقالي ١٠٠٪، ولا هم أيضا معه ١٠٠ ٪، وهذا على الاقل ينفي تُهم الإخوان من أن هذه القوات موجهة ضده، فهذه القوات لم تشارك مع الانتقالي في معاركها مع الشرعية في أبين أو شبوة، وكان الدور السعودي حاسم في الضغط على هادي لتغيير أدوات المعركة تدريجيا بتحويل جزء من القوات المشتركة إلى شبوة لاستعادة مديرياتها الثلاث، ومن ثم مديريات مأرب والبيضاء وصولاً إلى الجوف.

اظهر المزيد

مواد ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى