تقارير

التوسط في وقف إطلاق للنار في الصراع الاقتصادي في اليمن

  • على مبعوث الأمم المتحدة أن يعترف بأن المسائل الاقتصادية في جوهر الصراع ويتعامل معها بنفس الطريقة التي يسعى فيها إلى التوصل لهدنة عسكرية

  • مبادرات الحكومة لانتزاع السيطرة على الاقتصاد من الحوثيين نزعت إلى الارتداد عليها

  • يصعب تخيل توصل الطرفين إلى هدنة عسكرية دائمة إذا أخفقا في التوصل إلى هدنة اقتصادية بموازاتها

مجموعة الأزمات الدولية:

بموازاة المعارك الدائرة في اليمن للسيطرة على الأرض، فإن الطرفين المنخرطين في الحرب ضالعان أيضاً في معارك للسيطرة على أجزاء رئيسية من اقتصاد البلاد. ويتسبب هذا الصراع الاقتصادي بمعاناة كبيرة للمدنيين. ولذلك ينبغي على المبعوث الأممي الجديد أن يجعل من التوصل إلى هدنة اقتصادية مهمة محورية.

الاستنتاجات الرئيسية

ما الجديد؟

لقد تعثرت الجهود التي قادتها الأمم المتحدة للتوسط في وقف لإطلاق النار في اليمن بشكل متكرر بسبب المواجهة بين المتمردين الحوثيين والحكومة المعترف بها دولياً بشأن الجهة التي تملك صلاحية السيطرة على السلع، خصوصاً الوقود، الذي يدخل ميناء الحديدة على ساحل البحر الأحمر. ومع تصاعد الصراع تحاول الأمم المتحدة جاهدة تحقيق تقدم.

ما أهمية ذلك؟

لقد أصبح الاقتصاد جزءاً لا يتجزأ من جهود الأطراف لتعزيز مواقعهم وإضعاف خصومهم. وقد غذى الصراع الاقتصادي القتال على الجبهات وأعاق محاولات صنع السلام. إلا أن الدبلوماسيين العاملين على وقف الحرب غالباً ما تجاهلوا هذه القضية.

ما الذي ينبغي فعله؟

إن اليمن بحاجة لوقف إطلاق نار اقتصادي بنفس القدر الذي يحتاج فيه وقف إطلاق نار عسكري. وبالتنسيق مع الجهات الفاعلة الأخرى في الأمم المتحدة، ينبغي على مبعوث الأمم المتحدة الجديد إطلاق مسار وساطة لتحديد اللاعبين الرئيسيين في الصراع الاقتصادي والشروع في وضع الأرضية لهدنة اقتصادية حتى مع استمرار إطلاق النار.

الملخص التنفيذي

اليمن عالق في أولويات متداخلة تحدّت جهود الوساطة. ففي الشمال، تستعر المعارك الدموية للسيطرة على محافظة مأرب بين الحكومة المعترف بها دولياً برئاسة عبد ربه منصور هادي والمتمردين الحوثيين الذين أطاحوا به في عام 2015. تمنع حكومة هادي دخول الوقود إلى ميناء الحديدة الذي يسيطر عليه الحوثيون، كما أدت معركة شد حبال حول الريال اليمني إلى انهياره في المدن التي تسيطر عليها الحكومة اسمياً. تشكل هذه الأزمات جزءاً من الصراع على الاقتصاد – لنسمّه صراعاً اقتصادياً – ضاعف أزمة اليمن الإنسانية، وسرّع من تشظيه السياسي والترابي، وأعاق صنع السلام. حتى الآن، نزعت جهود الوساطة إلى التعامل مع المسائل الاقتصادية على أنها قضايا تقنية أو سعت إلى معالجتها على أنها “إجراءات بناء ثقة” توضع في خدمة الحوار السياسي. ينبغي على مبعوث الأمم المتحدة الجديد أن يعترف بها على أنها في جوهر الصراع وبالتالي التفاوض على وقف إطلاق نار اقتصادي في الوقت نفسه، وبنفس الطريقة، يسعى إلى التوصل إلى هدنة عسكرية.

الصراع الاقتصادي يضع حكومة هادي في مواجهة مع المتمردين الحوثيين للسيطرة على موارد البلاد الطبيعية، والتدفقات التجارية، والأعمال والأسواق. وتلعب المؤسسات التابعة للدولة وغير التابعة لها التي تيسّر أو تعرقل التجارة، مثل المصارف، وسلطات الجمارك والهيئات الناظمة الأخرى، إضافة إلى الأجهزة الأمنية للطرفين، أدواراً داعمة. وتتمثل ميزة الحوثيين في هذا الصراع في سيطرتهم المتزايدة على المناطق والمراكز السكنية؛ وميزة الحكومة اليمنية في سلطتها القانونية الدولية.

تعود جذور الصراع الاقتصادي إلى المرحلة الانتقالية السياسية الفاشلة في البلاد، التي بدأت عام 2012 وانهارت في وجه التمرد الحوثي في عام 2014ـ، وأطلقت العنان لسبع سنوات من الحرب الأهلية والتدخل الأجنبي. لم يتقدم الصراعان الاقتصادي والعسكري بنفس الإيقاع. فقد تم تحديد بعض أوجه الصراع الاقتصادي خلال المراحل الأولى للحرب عبر التوصل إلى هدنة غير رسمية، قادها التكنوقراط وساعدت في حماية المؤسسات الاقتصادية التي كانت قائمة قبل الحرب والتي ظلت مركزية إلى درجة كبيرة حتى مع انقسام البلاد من نواحٍ أخرى. انخرط موظفو الخدمة المدنية في صنعاء في حوار مع القادة السياسيين على طرفي الصراع وسمح الطرفان بهدوء للمصرف المركزي بالاحتفاظ بمستوى من الحيادية. على كل حال، لم يكن المقصود من الهدنة أن تكون أكثر من إجراء مؤقت، ولم تستمر بالفعل.

منذ انهيار الهدنة الاقتصادية خلال عامي 2016 و2017، أصبح الصراع الاقتصادي أكثر حدة وأكثر ارتباطاً بالصراع العسكري. وتتمثل أكثر ملامحه وضوحاً في انقسام المصرف المركزي إلى سلطتين متنافستين في صنعاء وعدن، في صراع قوة للسيطرة على التدفقات التجارية والضرائب المترتبة على الوقود بشكل خاص، والانخفاض الحاد في قيمة الريال في المناطق الخاضعة للسيطرة الاسمية للحكومة. وقد دفع انخفاض قيمة الريال إلى ارتفاع أسعار الضروريات المستوردة مثل الأغذية والوقود إلى أن أصبحت تتجاوز قدرة كثير من الناس. ونتيجة لذلك، تدور في اليمن رحى ما تقول الأمم المتحدة إنها إحدى أكبر الأزمات الإنسانية في العالم. مع نهاية عام 2021، كان قد قتل في الحرب نحو 377,000 يمني، طبقاً لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي. ومن بين هذا العدد، قتل الأغلبية ليس في القتال على الجبهات، أو بسبب القصف أو الضربات الجوية، بل بسبب الجوع والأمراض التي يمكن منع الإصابة بها، والأغلبية الساحقة منهم من الأطفال والنساء.

وقد أحدثت تكتيكات الطرفين في الصراع الاقتصادي أثراً عكسياً في كثير من الأحيان. فمبادرات الحكومة لانتزاع السيطرة على الاقتصاد من الحوثيين نزعت إلى الارتداد عليها، بشكل رئيسي لأن الحوثيين يسيطرون على المراكز السكنية الرئيسية في اليمن وبالتالي على أكبر أسواقها. وقد صارع الدبلوماسيون لإقناع الحكومة بحماقة أفعالها، جزئياً لأن الاقتصاد يشكل أحد المصادر القليلة المتبقية من النفوذ المتصوَّر الذي يتمتع به الرئيس هادي وحلقته الضيقة. بالنظر إلى طبيعة الرهانات – أي بقاء الحكومة بحد ذاته – من غير المرجح أن تتراجع الحكومة عن الحرب الاقتصادية دون الحصول على تنازلات رئيسية من الحوثيين، الذين يعتقدون أن لهم اليد العليا في الصراع ولذلك لا يرون سبباً للمهادنة. لكن بتأخير التوصل إلى تسوية أكثر من هذا، تخاطر الحكومة بخسارة المزيد من الأرض للحوثيين.

لقد حيرت التكتيكات الاقتصادية التي اتبعها الطرفان سلسلة من المبعوثين الأمميين الذين كُلفوا منذ عام 2015 بإنهاء الحرب. بصرف النظر عن محاسن ومساوئ المقاربة، فإن جهودهم ظلت مركزة على النواحي السياسية والعسكرية للصراع بينما اعتبرت الصراع الاقتصادي حبكة جانبية، حتى عندما كانت مرتبطة بشكل جوهري بقضايا سياسية محورية تقسم الطرفين. اتفاق ستوكهولم، الذي منع حدوث معركة للسيطرة على الحديدة، تحاشى معالجة القضايا الاقتصادية المهمة بدلاً من تسويتها. وقد تعثرت جهود بذلت لاحقاً لتسوية أزمة مأرب والحصار المفروض على الحديدة على نحو مماثل في معالجة تنازلات اقتصادية مقترحة مهمة بعمق على أنها “إجراءات بناء ثقة”.

ينبغي أن تتغير هذه المقاربة. ففي حين أن الأبعاد الاقتصادية للصراع اليمني ليست العقبات الوحيدة أمام السلام، يصعب تخيل توصل الطرفين إلى هدنة عسكرية دائمة إذا أخفقا في التوصل إلى هدنة اقتصادية بموازاتها. المبعوث الأممي الجديد، هانز غروندبيرغ، الذي استلم مهام منصبه في أيلول/سبتمبر، ينظر في الكيفية التي يمكن لمكتبه فيها أن يعالج الصراع الاقتصادي. ولديه نماذج مفيدة يمكن أن يتبعها. في ليبيا، على سبيل المثال، أطلق مكتب مبعوث الأمم المتحدة مساراً منفصلاً للقضايا الاقتصادية التي تقع داخل إطار الجهود الأوسع لتسوية الصراع. ينبغي على غروندبيرغ استعارة صفحة من هذا الكتاب، وأن يؤسس مساراً رسمياً لمعالجة التحديات الاقتصادية التي أصبحت متداخلة مع أصعب القضايا السياسية التي يختلف الطرفان بشأنها. وسيتمثل الهدف الملموس في التوصل إلى اتفاق يتعهد فيه طرفا الصراع بالتوقف عن العمل لإلحاق الأذى ببعضهما بعضاً اقتصادياً والتعاون لمصلحة اليمنيين العاديين الذين هم في أمس الحاجة للفرص الاقتصادية وخدمات أفضل.

في مطلع عام 2022، تصاعد الصراع على مأرب. ودون تقدم بشأن الاقتصاد، من غير المرجح أن يتمكن غروندبيرغ من وقف إطلاق النار. الكثير من نفس هذه العقبات التي تمنع التوصل إلى اتفاق والتي أعيت الوسطاء في مساعيهم للتوصل إلى وقف إطلاق نار عسكري سيعيق جهودهم للتوصل إلى هدنة اقتصادية. وحتى مع وجود دعم دولي – الذي ينبغي للجهات الفاعلة الخارجية بالتأكيد تقديمه – يواجه المبعوث مهمة شاقة. لكن من شبه المؤكد أن هذه المهمة ستكون أكثر عسراً دون جهد مخلص يسمح للوسطاء بتحقيق فهم أفضل ومعالجة القضايا الاقتصادية المرتبطة بشكل جوهري بالجهات السياسية الفاعلة في الحرب الأهلية في اليمن. بعد مرور سبع سنوات على هذا الصراع الوحشي، آن الأوان لمحاولة الاضطلاع بهذه المهمة التي تأخر الوقت أصلاً على معالجتها.

عمان/القاهرة/عدن/صنعاء/نيويورك/بروكسل، 20 كانون الثاني/يناير 2022

اظهر المزيد

مواد ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى