مقالات رأي

عام بايدن الأول

ظروف داخلية قاسية وامتحانات خارجية عسيرة

  مضى يومان مذ انقضى العام الأول لإدارة الرئيس الديمقراطي جو بايدن في البيت الأبيض، واكتظت وسائل الإعلام الأميركية والعالمية بالتحليلات السياسية حول أين أصابت الإدارة وأين أخفقت. كل ينظر من زاوية اهتماماته ومصالحه إلى السياسة الخارجية الأميركية وأثرها على السياسة الدولية.

أكثر القراءات تناولت محدودية ما جرى، وأعادت ذلك إلى وصول الإدارة إلى سدة الحكم في ظروف تعيش فيها أميركا حالة انقسام سياسي غير مسبوق في التاريخ الحديث. فقبل أسبوعين من مراسم تنصيب الرئيس في الكونغرس، نهب الغوغاء من مؤيدي الرئيس السابق دونالد ترمب مبنى الكونغرس وعاثوا فيه فساداً.

تحديات داخلية

وقضت الإدارة عامها الأول وهي تحاول كبح جماح تفشي وباء كورونا ومتحوراته وآخرها “أوميكرون”، وربما كان تركيز الإدارة خلال الأشهر الماضية على تجاوز عثرات تمرير البرنامج الاقتصادي للرئيس في الكونغرس المعروف بـ”بايدنوميكس”، هو الأهم على المستوى الداخلي، الذي يستهدف الاستثمار في البنية الأساسية الأميركية المتقادمة، وتعزيز شبكة الأمان الاجتماعي من خلال رفع الضرائب على الأفراد والشركات ذات الدخل المرتفع. وقد وُجِه جُهد الإدارة بمعارضة شديدة من الجمهوريين وبعض الديمقراطيين، إلا أن المعارضة الجمهورية أظهرت قيادةً غير مرئية للرئيس السابق الذي بات منذ اليوم الأول متربصاً بهذه الإدارة يعد لها أنفاسها من منتجعه الخاص في “مارالاغو” في مدينة “بالم بيتش”، بولاية فلوريدا.

ومن أجل قراءة السياسة الخارجية لإدارة بايدن في عامه الأول في البيت الأبيض، تجدر بنا الإشارة إلى أن السياسة الخارجية ما هي إلا انعكاس للسياسة الداخلية لأي دولة. ومن هنا فإن الوضع الداخلي الأميركي كان له الأثر الأكبر على قدرة هذه الإدارة على إنفاذ رؤيتها التي تحدث الرئيس بايدن عنها بإسهاب خلال حملته الانتخابية. والتي برزت أيضاً في البرنامج الانتخابي للحزب الديمقراطي، الذي لاحظ كثيرون أثر تيار الديمقراطيين “التقدميين” عليه.

ووضعت غالبية التقييمات، أداء عام 2021 للإدارة الحالية على الساحة الدولية متوسطاً، تماماً مثلما جاءت استطلاعات الرأي الأخيرة حول شعبية الرئيس في أميركا. فالإدارة لم تتمكن من قطع شوط في تنفيذ أولوياتها في السياسة الدولية، إلا أن مراقبين لاحظوا أنه خلال الأشهر القليلة الماضية، برزت علامات “الواقعية السياسية”، فكما يقول المثل “إن حسابات الحقل لم تتطابق مع حسابات البيدر”، ووجدت بعض التقييمات أن رؤية بايدن ليست عقائدية، بل براغماتية تنطلق من سنوات خبرة طويلة من العمل في الكونغرس مع الجمهوريين ورفاقه الديمقراطيين على السواء.

تأثير أوباما

وحتى نفهم أداء إدارة الرئيس بايدن في السياسة الخارجية، ينبغي أن نستوعب وقوعها تحت تأثير إدارة الرئيس السابق باراك أوباما من جهة، وتأثير إرث إدارة الرئيس ترمب من جهة أخرى. فغالبية أعضاء إدارة أوباما انضموا إلى الإدارة الجديدة، بالتالي بدا واضحاً حضور أوباما في مجمل السياسة الخارجية والداخلية في الأشهر الأولى.

الرئيس بايدن بباعه الطويل، وخبرة أكثر من 44 عاماً في أروقة الكونغرس ورئاسة لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ، وعمله نائباً للرئيس أوباما، أشار في أكثر من مناسبة إلى أنه لم يكن يوافق على كل قرارات الرئيس أوباما، ومنها مثلاً عملية تصفية بن لادن في “ابوت آباد” في باكستان في عام 2011. كما أشار بوب وودورد في كتابه الأخير “الخطر المحدق” أن بايدن في موضوع أفغانستان، لم يكن يوافق على الكيفية التي تلاعب بها القادة العسكريون بالرئيس أوباما، لإرغامه على زيادة عديد القوات بدلاً من خفضها كمقدمة لسحب القوات الأميركية من أفغانستان. ولكن حين اتخذ بايدن قرار الانسحاب كان مصيباً، لكن أدوات التنفيذ كانت كارثية بكل المقاييس وتحديداً بالنسبة إلى حلفاء أميركا الذين يسعى الرئيس لترميم تحالفاته معهم.

إرث ترمب الثقيل

أما إدارة ترمب فكان إرثها ثقيلاً على إدارة بايدن، وما زالت أصداؤها حاضرة، فلم تترك شيئاً إلا وفعلته في السياسة الخارجية تحت القيادة المباشرة للرئيس السابق ومقربيه، في قطيعة مع القيم المؤسسية للسياسة الخارجية الأميركية. وكانت “المقايضة” وليست المُثل الأميركية هي العنوان الرئيس للإدارة السابقة، فيما أدت نتائجها إلى زيادة الفجوة والجفوة بين أميركا وحلفائها في أوروبا، وتخلت عن قيادة أميركا التقليدية للمؤسسات الدولية.

ويجمع مراقبون كثر على أنه في حال سعت الإدارة الجديدة لاستعادة نفوذ أميركا على الساحة الدولية بعيداً عن الطريق التي سلكها ترمب، فإنه يتوجب عليها التركيز على ملفات ثلاثة، هي: فرض منافسة قوية على الصين التي تسرع الخطى للتتويج على عرش الدولة العظمى الأولى في العالم. والتعامل الحازم مع تصعيد روسيا في أوكرانيا. وإنهاء تطلعات إيران العسكرية النووية بكافة السبل. ولن يتأتى ذلك إلا من خلال إعادة بناء وتعزيز الثقة مع شركائها في حلف شمال الأطلسي، وهي مهمة صعبة مع الإدارة الحالية، إذا ما أخذنا بعين الاعتبار أن ما كان يشكل في الماضي قاعدةً للتوافق بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي، مثل موضوع تعزيز العلاقات عبر الأطلسية، بات اليوم كرات ساخنة يتقاذفها الساسة من الحزبَين في ملعب الكونغرس الذي صار مكاناً للتمترس وليس المساومات السياسية.

ومن أجل استعادة الشراكة القوية عبر الأطلسية ينبغي أن تكون أميركا قوية، كما قال وزير الخارجية بلينكن، في آخر إيجاز صحافي له في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، حين أشار إلى أن خطة “إعادة البناء بشكل أفضل” الاقتصادية تستهدف الاستثمار في التعليم والبحث العلمي والتنمية في قطاعات البنية التحتية، إذ كانت الولايات المتحدة في ما مضى سباقة في كل هذه المجالات ولم تعد كذلك، وعودة الريادة الأميركية ليست مهمة بالنسبة إلى الداخل الأميركي فحسب. ولكن بالنسبة إلى مكانتها في العالم.

على المسرح الدولي

وكان الرئيس بايدن، في 4 فبراير (شباط) الماضي، في خطابه الأول حول رؤيته للسياسة الخارجية في مقر وزارة الخارجية، بعث برسالة مباشرة لحلفائه بأن “أميركا عادت لقيادة العالم الحر”، وعادت لممارسة القيادة عبر الدبلوماسية. وأنه سيعمل على ترميم تحالفات أميركا والانخراط معاً لمواجهة التحديات في العالم.

في الملف الأول من قائمة التحديات الثلاثة التي واجهت الإدارة الديمقراطية كانت الصين التي اتبع فيها الرئيس بايدن نهج سلفه، وهي سياسة أميركية متفَق عليها بين الحزبين، من حيث استهداف عدم احترام الصين لحقوق الإنسان وقمعها الجماعي للأقلية المسلمة من إثنية الإيغور في إقليم شينغيانغ، وكبح تطلعاتها للتدخل في شؤون تايوان، مع مواصلة الإبقاء على زيادة التعرفة الجمركية على الواردات الصينية التي فرضها ترمب. وتسعى الإدارة خلال العام المقبل بعد تحقيق مزيد من الاستقرار الداخلي، إلى الدخول في منافسة شرسة ضد خطط الصين التوسعية في العالم مثل مبادرة “الحزام والطريق”.

أما في الملف الروسي، فإن إدارة ترمب كانت في حال غزل سياسي غير معلوم العواقب مع الرئيس فلاديمير بوتين. وجاءت الإدارة الحالية لتعيد المقاربة التقليدية للسياسة الأميركية تجاه روسيا ما بعد انهيار الاتحاد السوفياتي. ومن هنا فهي تعمل في هذا الملف بشكل لصيق مع حلفائها لكبح جماح التطلعات الروسية التي تستغل انشغال أميركا داخلياً، لإعادة رسم خطوطها الحمراء في مناطق جوارها الحيوي زمن الاتحاد السوفياتي التي سبق لحلف شمال الأطلسي أن تمدد إليها ولا ينوي التراجع عن ذلك.

وترى روسيا أن هذه هي اللحظة الملائمة لإعادة تصويب العلاقات مع أميركا وحلفائها الأوروبيين، فيما يرى حلفاء أميركا في أوروبا أن سلوك الإدارة لردع روسيا وإجبارها على العودة عن سياستها التصعيدية في أوكرانيا يشكل اختباراً لصدقيتها لإعادة بناء تحالفاتها الأوروبية. وأمام هذا الخيار الصعب، أقر بايدن خلال مؤتمره الصحافي منذ يومين بأن بوتين سيغزو أوكرانيا، فالرئيس الروسي بنظره هو شخص “يحاول العثور على موقعه في العالم بين الصين والغرب”. مضيفاً أنه يعتقد أن بوتين “يختبر الغرب وحلف شمال الأطلسي، ولكنه سيدفع ثمناً غالياً على ذلك”.

ويبقى الملف الإيراني هو الاختبار الأكبر لهذه الإدارة في كيفية العمل مع الشركاء الأوروبيين والإقليميين. فالسياسة الأميركية لهذه الإدارة تتلخص في العودة إلى الاتفاق النووي الذي انسحبت منه الإدارة السابقة. كما أن بايدن كان دائماً ضد وضع “الحرس الثوري” على قوائم العقوبات الأميركية كمنظمة إرهابية، وغير متحمس لاستخدام القوة العسكرية لردع إيران. ويشعر حلفاء أميركا في منطقة الشرق الأوسط بالقلق المتزايد من البرنامج النووي الإيراني، ويرفضون عودة أميركا إلى الاتفاق النووي، ويطالبونها بالضغط على إيران لوقف سياساتها المزعزعة للأمن والاستقرار في المنطقة وأهمية وقف برنامجها للصواريخ الباليستية. وأقرت الإدارة أخيراً بعد مفاوضات غير مباشرة مع إيران في فيينا، أن طهران لم تقدم أي شيء بنّاء في المفاوضات حتى اللحظة، وأن الوقت ليس متاحاً إلى ما لا نهاية.

ويشهد الموقف الأميركي تراجعاً في محاولاته لإعادة طهران إلى الامتثال لبنود خطة العمل الشاملة المشترك، وطُرحت أخيراً فكرة التوصل إلى اتفاق مؤقت يوقف أنشطة إيران النووية، لزيادة الاعتقاد لدى الإدارة بأن طهران باتت على بعد أسابيع من الحصول على أول قنبلة نووية. ومع الأسف فإن إصرار الإدارة على ممارسة الدبلوماسية مع حكومة الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي المتطرفة في طهران يترتب عنه إحساس متزايد في إيران بأن الولايات المتحدة لن تستخدم القوة ضدها. حيث خلص تحليل نشرته مجلة “فورين أفيرز” في الشهر الماضي، بعنوان “خط أحمر لإيران؟”، إلى أن أميركا لا تريد الحرب، ولكنها لا تريد إيران نووية أيضاً. وهذه معضلة حقيقية، تزيد من شهية إيران العدوانية في المنطقة.

ويرى الكاتب بريت ستيفنز في مقال نُشر قبل يومين في “نيويورك تايمز” بعنوان “لا يزال بمقدور بايدن إنقاذ رئاسته!”، إن ثمة خطورة في أن تؤدي سياسات بايدن إلى عالم لم يعد فيه خصوم أميركا يخشونها، وحلفاؤها لا يثقون بها.

إجراءات العودة

ومن أجل تقديم صورة أشمل لعام بايدن الأول في البيت الأبيض، لا يمكننا تجاوز موضوعات مهمة مثل عودة أميركا إلى اتفاقية باريس للتغير المناخي، وتعزيز العمل ضمن حلف شمال الأطلسي. وتفعيل الدبلوماسية الأميركية في المحافل الدولية، مثل العودة إلى منظمة الصحة العالمية، وكلها ملفات انسحبت منها الإدارة السابقة.

وكان الانسحاب الأميركي من أفغانستان هو العلامة الفارقة للعام الماضي، فبعد 20 عاماً من التواجد العسكري قرر بايدن طي صفحة انخراط أميركا في حروب لا نهاية لها، وقد اعتبر قرار الانسحاب “نجاحاً استثنائياً”. إلا أن القرار على الرغم من صواب منطقه، قُوبل بمعارضة من شركاء أميركا في حلف شمال الأطلسي الذين شاركوا بقواتهم في أفغانستان خلال العقدين الماضيين والذين اعتبروا أن الانسحاب الأميركي غير المنظم قد فُرِض عليهم على الرغم من رسائل الاعتراض التي سبق وبعثوا بها إلى البيت الأبيض. بالتالي شكّل الانسحاب في نظرهم خطوة أميركية لم تراع مصالح الشركاء ولا الأمن الدولي.

وخلال المرحلة التالية للانسحاب من أفغانستان، بدأت أوروبا جدياً بالتفكير في بناء قوتها الموحدة التي سيكون بمقدورها قيادة مهمات خارجية دون الاضطرار للركون إلى القوة الأميركية. ويرى عديد من المحللين الأميركيين أن القرار كان صائباً واعتبروه خطوةً شجاعة من الرئيس الذي رفض كل المقترحات المقدَمة من قادته العسكريين لتأجيل الانسحاب، او اعتماد شكل من أشكال الخفض التدريجي. فيما يصر محللون آخرون على أنه يترك فراغاً استراتيجياً ستملأه الصين. وعلى الرغم من فرضية صوابية القرار، إلا أن آليات تنفيذه كانت كارثية، فمشهد تشبث آلاف الأفغان بالقوات المغادِرة وطائرات الشحن C-12 والأفغان يتساقطون منها، ذكّر كثيرين بأحداث انسحاب أميركي كارثي سابق من سايغون في 1975.

النظرة إلى الشرق الأوسط

من جهة أخرى وضمن الملفات التي تعنينا نحن في الشرق الأوسط، كانت سياسة إدارة أوباما الشرق أوسطية تنطلق من فرضية إشكالية قامت على التغيير في المنطقة ونشر الديمقراطية وربطها بالتعويل على حركات الإسلام السياسي وتحديداً الأخوان المسلمين، ومن هنا ساد القلق دول المنطقة من توجهات مشابهة لإدارة بايدن نظراً للخط السياسي الذي عبّر عنه برنامج الحزب الديمقراطي الذي كرر توجهات نشر الديمقراطية والدفاع عن حقوق الإنسان، مع إبراز موقف من الحرب اليمنية غير منسجم مع التحالف العربي والحكومة اليمنية.

وافترضت بعض التوقعات أن بايدن سيعمل على خفض مبيعات الأسلحة لدول المنطقة، وتقليص التواجد العسكري الأميركي فيها مع الإبقاء على قدرات محدودة لمكافحة الإرهاب، وأنه سيحاول إبقاء المنطقة ضمن الاهتمامات الثانوية، وألا تولى اهتماماً أكبر مما تستحق، والتهرب من قضايا الشرق الأوسط واللجوء إلى استراتيجية “القيادة من الخلف”، وعدم تكرار أخطاء أوباما في تقديم الدعم والتحريض على التغيير في المنطقة. لقد أدت هذه التصريحات إلى زيادة التوتر في المنطقة ووجد البيت الأبيض خلال العام الذي انقضى أنه أمام قوى إقليمية شرق أوسطية مهمة ذات نفوذ ووزن يفرض نفسه على المنطقة والعالم، ويجب أن تضعها أميركا في نفس ميزان حلفائها الأوروبيين.

ويؤكد الكاتب جاك ديتش في مقال في العدد الأخير من مجلة “فورين بولسي” عن مصدر مهم في الإدارة، أن أميركا غسلت يدها من سياسة تغيير الأنظمة التي ميّزت سنوات الرئيسين السابقين جورج دبليو بوش وأوباما. وأضاف المصدر ذاته، أن ثلاث إدارات متتابعة وضعت أهدافاً ضخمة في هذه المنطقة الملتهبة من العالم، فكانت الغايات أكبر بكثير من الأدوات التي استُخدمت لبلوغها.

هنا يبرز منظور الواقعية السياسية لدى رئيس يتعاطى بالسياسة في واشنطن مذ كان شاباً في التاسعة والعشرين من عمره، وعرف حتماً منطقة الشرق الأوسط والتحالفات التي احتفظت بها أميركا وجدواها السياسية بالنسبة إلى موقعها القيادي في العالم.

السفير الأميركي المتقاعد روبرت فورد، الباحث في معهد الشرق الأوسط، أكد على أن التحدي الإيراني يشكل أبرز التحديات التي تواجه أميركا في المنطقة، وأن “على واشنطن العمل مع حلفائها التقليديين في المنطقة لمقاومة توسع النفوذ الإيراني، ولا يمكن للإدارة القيام بذلك دون الاعتماد على السعودية وتركيا”. كما برزت خلال الفترة الماضية أهمية الحليف المصري الجوهرية في مواجهة تحديات الاستقرار في غزة، وتوجهات الإدارة للتعاطي مع استحقاقات السلام بين الإسرائيليين والفلسطينيين والاستقرار في حوض النيل، وحماية الملاحة الدولية في البحر الأحمر.

مقال “فورين بولسي”، الذي سبقت الإشارة إليه، يؤكد أن الإدارة تتوقع أن تفضي الاتصالات السرية الجارية بين الرياض وطهران إلى مراجعة الأخيرة لتوجهاتها العدوانية تجاه دول المنطقة، وهذا دليل آخر على المكانة المتزايدة للسعودية في الإقليم والعالم. ولكن حقيقة المؤشرات القادمة من طهران وعدوانية النظام الإيراني التي تقوم على فكر عقائدي توسعي، وضعف الخطاب السياسي الأميركي وتردده يرشح دخول المنطقة في حرب مع إيران. فهل ستكون أميركا إلى جانب حلفائها؟

وفي الموضوع اليمني، بعد إعلان الرئيس بايدن في خطاب السياسة الخارجية في الرابع من فبراير الماضي، عن جهود إدارته لإنهاء الحرب في اليمن، فقد شهدت الأشهر الماضية كثيراً من الجهود النبيلة، وتقدمت الأمم المتحدة بمشروع “الإعلان المشترك”، فيما تقدمت السعودية بمبادرتها الشاملة لوقف الحرب والتوصل إلى سلام مستدام. وبعد جهود أميركية متواصلة ووساطة عمانية تحقق العالم والولايات المتحدة من أن الحوثيين لا يرغبون في السلام، وأنهم يُستخدَمون ورقة بيد طهران تستقوي بها لفرض أجندتها التوسعية في المنطقة وتحقيق مصالحها على طاولة المفاوضات النووية. وما زالت المبادرات مطروحة أمام الحوثيين وما زال السلام ممكناً في اليمن، إن هم أوقفوا إعاقته وانخرطوا مع الجهود التي بدأها المبعوث الأميركي هذا الأسبوع مجدداً في المنطقة.

وفي الأخير فإن تقييم العام الأول للإدارة الديمقراطية في البيت الأبيض، يشير عند محللين كثر إلى أن واقعية بايدن ستكون هي السائدة حتى في كل الملفات التي قيل فيها الكثير وأثارت اللغط. ويظل الرهان أمام بايدن مقروناً بالانتخابات النصفية للكونغرس في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، التي ستبين ما إذا كان الأميركيون سيقفون مع رئيسهم وحزبه، وستشكل حكماً على سياساته الداخلية التي يوليها الناخب الأميركي الأهمية القصوى. فهل ستكون “الواقعية السياسية” كافية لقيادة بايدن الولايات المتحدة الأميركية في عالم من الأمواج المتلاطمة، عالم خطير وسريع التغير يضع أميركا ومستقبلها في المحك، ووضع داخلي صعب ومنقسم على نفسه وبحاجة إلى إصلاحات جوهرية لاستعادة الهيبة الأميركية؟

سيحاول بايدن أن يكون “رئيس الوسطية” لاستعادة اللُحمة الداخلية في أميركا، وأن يصغي لأصوات مَن انتخبوه لاعتداله ونظرته لتوحيد الأمة الأميركية قبل أن يترك بصمةً في السياسة الدولية.

نقلاً عن موقع “اندبندنت عربية”.

اظهر المزيد

مواد ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى