مقالات رأي

الطريق الأجدى لأمريكا لمكافحة الإرهاب في اليمن

على الرغم من أن اتفاق السلام النهائي في اليمن لم يتحقق بعد، إلا أنه من المتوجب على صانعي السياسة الأمريكيين أن يفكروا بالفعل في برنامج لمكافحة الإرهاب مبني على أدوات مدنية؛ ويجب أن يكون بناء بعض مظاهر الحوكمة الفعالة بعد الحرب أحد أهم تلك الأولويات في أدبيات ذلك البرنامج؛ فالحرب التي استمرت ثمانية أعوام، لم تبقِ شيئا يذكر على صعيد التنمية ومؤسسات المجتمع، وكذلك يجب عليها الذهاب نحو تطوير التدخلات التي تستهدف التخفيف من التطرف العنيف وأن يكون إعادة دمج المقاتلين على رأس أولويات سياسة الولايات المتحدة.

ومن غير المرجح أن يؤدي استئناف العمليات العسكرية الكبيرة ضد الجماعات الإرهابية في اليمن إلى مواجهة التهديد بشكل مستدام وقد يؤدي بالفعل إلى تعطيل أي سلام هش يمكن تحقيقه.

إن الولايات المتحدة الأمريكية مطالبة بإعادة النظر في آلية مكافحتها للإرهاب والجماعات الراديكالية فعلى مضي أكثر من ربع قرن من الزمان كانت أدواتها تتسم بالعنف، ولا تخلف غير الأحقاد والضغينة ضد المجتمع الأمريكي قبل الإدارة الأمريكية التي أهم سماتها هو التعاقب والتغيير الدائم لرموزها، وإذا كنا سنسير في استلهام أهداف التنمية المستدامة في طريق تحقيق السلام فيجب الانتباه إلى مسألة خطيرة جدا، أي يجب أن ننظر أبعد مما ننظر إليه الآن، فالجماعات الإرهابية هي نتيجة تخلف علمي وثقافي واجتماعي، وهنا يجب تغذية هذا الاتجاه –أي تغذية الجانب العلمي والثقافي والاجتماعي- هذا اذا أردنا تحقيق تنمية مستدامة من شأنها أن تقضي تماما على الإرهاب وتستأصله من جذوره، أليست أمريكا قد تذرعت بمكافحة الجماعات الراديكالية عندما أرسلت طائرات بدون طيار إلى اليمن منذ عشر سنوات وأكثر، ثم فجأة نسيت أو تناست مكافحتها للجماعات الراديكالية وتبنت دعم شركائها الأمنيين في المنطقة العربية والذين يقاتل معهم وفي صفوفهم الجماعات الراديكالية نفسها التي تذرعت بهم الولايات المتحدة، وكما أشارت د. أنيل شلين الباحثة بمركز كوينسي الأمريكي للأبحاث في بحث لها بعنوان “حرب اليمن بالأرقام” فالسلاح الذي منحته امريكا لشركائها الأمنيين صار بأيدي تلك الجماعات الراديكالية ذاتها وبعد انتهاء الحرب ستتحول هذه الجماعات بلا شك من أجل ثأرها القديم مع أمريكا مستخدمة في حربها الجديدة سلاحا أمريكيا؟

هنا يجب الانصراف إلى مشاريع وآليات أجدى للحد من تدفق أجيال جديدة تحمل ذات التوجه الراديكالي بدلا من خوض الولايات المتحدة لحروب طويلة ضد الإرهاب لن تخلف سوى الكثير والكثير من المآسي والآلام والدماء والأحقاد والضغائن. ومن تلك الأساليب مثلا التي يجب على الولايات المتحدة الأمريكية التحول نحوها: إضافة مادة المسرح المدرسي إلى المنهج التعليمي للتلاميذ في المدارس وغيرها من المواد الفنية والثقافية وكذلك الرياضية فهذه التوجهات تكبح تماما التطرف وتحد منه تماما لأنه إذا لم توجد هذه الأدوات فالأجيال القادمة بديهيا ستتوجه نحو التطرف والانضمام إلى تيارات الجماعات الراديكالية أو كما تصفها الولايات المتحدة على الأقل. كذلك بإمكانها تغذية ودعم بناء المؤسسات في اليمن بكل أنواعها الاجتماعية والفنية والثقافية والإعلامية والاقتصادية ودعم المشاريع الثقافية والفنية وتقديم منح للباحثين والأدباء ودعم مسابقات مغرية تشجع على الانخراط في التوجهات الثقافية والفنية وبناء مؤسسات رياضية ودمجها في أنشطة المنطقة العربية وكذلك احتواء المتميزين في هذه الاتجاهات في السياق الدولي، وتشجيع المبدعين والأخذ بيد المجتهدين، وتقديم الدعم السخي لهم وتقديم منح تعليمية مغرية لكل مجتهد ومثابر من أبناء اليمن.

وبالمناسبة أيضا فتكلفة هذه التوجهات أقل بكثير مما تتكبده الولايات المتحدة من خسائر عظيمة فيما لو اختارت طريق الحروب واستخدام الأسلحة مثلا!

باختصار، فإن حملة الضربات المميتة ضد القاعدة في شبه الجزيرة العربية أو الجماعات الإرهابية الأخرى في اليمن لن تفعل الكثير، لتحقيق الأهداف الأمنية الأمريكية والإقليمية.

السؤال المطروح على الولايات المتحدة في اليمن وأماكن مماثلة هو ما إذا كانت مستعدة للاستثمار في بناء المؤسسات والتدخلات التي يقودها المدنيون والتي من شأنها أن تحمي البلاد حقا من تجدد التهديدات الإرهابية. طالما أن الجواب لا، فإن خطر تجدد العنف – والحرب الدائمة – لا يزال قائما.

اظهر المزيد

مواد ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى