فنون وثقافة

“السيدات أولاً”.. قصة قصيرة

“الشارع”- نبيلة العبسي:

قتلته بلا شفقة رغم أنه حاول مرارا الهرب منها بعد أن شعر برغبتها في الخلاص منه.

كان يتحجج بأنه تناول الطعام  مع اصدقائه، ينام وعيناه مفتوحتان، لا يمشي أمامها مقنعاً إياها بأنه مؤمناً بمقولة “السيدات أولاً”.

كان يناقشها بأن يطويا صفحة النزاع بينهما، وعندما يشعر بفشله يرسم خطط للنجاة في ذهنه، وعلى الورق يضع طرق الخلاص منها وأن يتغدى بها قبل أن تتعشى به..

تارة يرميها من على جبل، وتارة يقطع أوصالها ويضعها في أكياس، ثم يمزق أوراقه ويرميها في النار..

كان يريد نهاية بلا أثر، لا دماء ولا جثة تشير له، تلاحقه في الأحلام، يشم رائحتها الجيران،

يبتسم وهو يفكر بذلك الاختفاء الغامض.. تسأله عن سر ابتسامته..؟

أفكر بموضوع رواية، أتخيل تفاصيلها، انسجم مع بطليها، فلا تستغربي لو رأيتني بحال عجيب أو على وجهي ابتسامة غبية..

– وعمّ يدور موضوع الرواية؟

– جريمة قتل غامضة لا أحد يتوصل للجاني لشدة ذكاءه، أريده شخصية استثنائية، يعيش في النور لكن لا يرى حقيقته أحد لملامحه البريئة وسلوكه المهذب..

أريده ممداً على رمل أحد الشواطئ سعيدا بلا مسؤوليات ولا قلق..

– ناقصه أن يعيش مع أسد ويلاحق الحشرات مثل تيمون وبومبا.. ردت عليه بتهكم.

– تسخرين من بطلي الذي سيدهشك بأفعاله..!

بطل من ورق قادر أن يجوب الأماكن ويخترق الأبواب المغلقة، قادر على قراءة الأفكار، أخف من النسيم أو لابساً طاقية الإخفاء..

– هذه أفكار مستهلكة، فقد مل الناس من الأبطال الخارقين..

– لا أريد رضا القارئ، أريد أن أحرر عقلي مما يدور بداخله، أن أرتب تلك الأفكار التي تجول في عقلي كحيوان مفترس قلق يريد الانقضاض على سجانه.

– يبدو كأنه فيلم رعب؟

– لا أحب العنف، أريده خلاص هادئاً ، في العمق لكن بدون ضجيج..

-لا يوجد خلاص هادئاً، حتى الجسد عندما يرحل ينتفض إعلانا بقرب الرحيل..

– بل يوجد وسأثبت لك ذلك مع الأيام..

لم يكن يعلم بالطريقة لكنه أراد أن ينهي ذلك الاستجواب، راقبها وهي تمضي ثم عاد ليغرق في أفكاره مرة أخرى..

ذلك الحب الذي كان بينهما أصبح أطلالاً ويجب إكرامه بالدفن لكن ماذا يدفنا فيه..؟

جثتيهما أم ذكرياتهما أو رغباتهما..؟

تلك النظرات التي كانت ترمقه بها لم تكن نظرات كراهية فقط بل فيها مشاعر كثيرة ممزوجة بالخيبة، الخيبة التي تأتي بعد ثقة كبيرة ثم تتهاوى مرة واحدة بعد أن تآكلت العلاقة من الداخل وفجأة أصبحت أثراً بعد عين..

ولهذا لا غرابة بأن يسود الصمت بينهما حتى عندما كان يناديها بـ يا حبيبتي، كانت تراهن نفسها بأنه قد نسى أسمها ولذا يغطي نسيانه بأي نداء لطيف وأن كان بارداً كالثلج..

– قاطعته واخرجته من عالمه تسأله: ماذا تريد على العشاء..؟

-مجرد رؤيتك حبيبتي يشعرني بالشبع فأنا مكتفٍ بك..

– بلؤم ردت وهي تشير بالسكينة التي كانت بيدها:

 وأنا لا أكتفي منك لذا اتمنى بأن أضعك في مكان آمن لا يصل له أحد ولا يراك غيري..

– ما رأيك لو أعد الطعام وترتاحين اليوم؟

– لا مانع مادام ذلك سيخرجك من جو التوتر الذي تعيشه هذه الفترة؟

وفي سرها تضحك عليه وعلى خوفه، هي لا تريد قتله بطريقة مألوفة بل تريد أن يعيش في رعب مستمر بأنها تعد خطة قتله، تريد أن تقتله بالوهم، ظلت لفترة تغذي هواجسه لتكبر وتصبح وحشاً يفتك به..

تمارس الإيحاء لتخدع عقله كل يوم، ليبدأ عقله البناء على تلك الايحاءات كأنها قضايا مسلم بها..

فيبدأ في فقد اتزانه يوماً بعد يوم.. وها هو اليوم ينظر لها بريبة كأنها ستدس له السم في طعامه أو شرابه..

ظل يكتب طول الليل والنهار، محاولاً الوصول إلى الختام بأسرع وقت وها هو أخيراً وصل للنهاية..

لم يرد أن يكون رحيلها مراً، فأعطاها قطعة حلوى مسمومة انتقاما منها، دسه لها بين الحروف في السطر الرابع في الفصل الأخير، بعد أن نثر الورد المجفف من الصالة إلى غرفة النوم وأشعل الشموع..

كم يحب القارئ نهايات مثل هذه ورود وشموع ورقصة فالس على ضوئها وحب يدوم للأبد..

إلا يعلمون أن نهاية وضع بائس يستحق أيضاً احتفال رومانسي كالبدايات..!

ليت القتل سهلاً في الواقع كما هو في الكتب، نحن نقرأ عن الحروب في كتب التاريخ.. مجرد وقائع وأحداث وناس تموت وناس تحتفل بالنصر ومعارك تدوم سنوات..

نقرأ عنها وننتشي بقصص البطولات والنصر ولا أحد يذكر اولئك الذين ماتوا من أجل أن يخلد الملك أو الخليفة، ولا أحد يعرف اسمائهم وكيف عانت عائلاتهم من بعدهم..!

نام تلك الليلة وهو يشعر بالسعادة كأنه تخلص من حمل اثقل كاهله..

ولكنها لم تنم يأكلها الغيظ وهي ترى نفسها جثة هامدة في روايته وترى تلك الابتسامة التي تعلو وجهه معلنة انتصاره..

وعندما غلبها النوم أخيراً حلمت بأنها أخذت الحاسوب المحمول وكسرته بعد أن تخلصت من النسخة الورقية التي جهزها ليرسلها للناشر حرقاً وبهكذا لن يكون هناك دليل على نجاحه بقتلها..

استيقظ من النوم وهي تنظر له بابتسامة وبصوت ناعم قالت له: حجزت اليوم في مطعمنا المفضل لتناول العشاء احتفالاً بانتهاء روايتك..

ارتدي ثياب سهرة مناسبة.. أريده يوما مميزا

وبعد أن انتهيا من تناول العشاء، أتى النادل بالتحلية وكانت حلوى تشبه تلك التي وصفها في روايته..

ابتسمت بخبث وهي تلاحظ أثر الصدمة عليه وقالت:

-هل تعلم لمَ أحب هذا المطعم؟

– بسبب شرائح اللحم الطرية

نظرت إليه وبعينيها نظرة وحش يتربص بفريسته، وردت عليه بلؤم وهي تمسك السكين:

لأن السكاكين هنا مذهلة.. واستطردت هل سمعت عن القتل الأبيض؟

– هل تقصدين القتل بالسلاح الأبيض ؟

– لا، هذا من الماضي..

 القتل الأبيض هو القتل بدون استخدام أداة قتل معروفة يجرمها القانون..

– مثل؟

– وئد النفس مثلاً ودفعها للانتحار بخلق شخصية تتهاوى تحت الضغوط ولا تتحملها فلا مفر أمامها إلا الهروب بالانتحار..

لو تابعت الأخبار ستجد شباباً في عمر الزهور ولديهم من الشعبية الكثير.. يتابعهم الملايين حباً أو كرهاً، ويعيشون بدول تحترم حقوق الإنسان بعيدا عن أوطانهم الأصلية، لكن تأثير المتابعين وهجومهم السلبي وغضب الأهل على تمردهم ونفسيات هشة لم تتحمل كل هذه الضغوطات الناجمة عن الإشاعات والتهديدات فقرروا وضع نهاية لبؤسهم..

وهناك أيضاً المخدرات وبالذات العقاقير المصنعة الممزوجة من مادة مخدرة واخري كيميائية، تجعل متعاطيها في عالم آخر وقد تدفعه إلى الانتحار من شدة الاكتئاب أو من خلال أثرها على الجهاز العصبي فتضعه تحت تأثير الهلاوس السمعية والبصرية..

– واضح أن لديك معلومات كثيرة عن هذا الموضوع..

– تدرك شغفي بالجانب النفسي وتعمقي به..

ساد الصمت برهة قبل أن يغادرا الطاولة ويعودان إلى البيت وكل منهما برأسه الف هاجس وهاجس..

راقبت تعابير الفرح على وجهه في حفل توقيع نسخ روايته الجديدة، كان كأنه يوقع على شهادة موتها، وليس على روايته، نظرة الانتصار بدت في عينيه حين ألتقت بعينيها، ابتسمت له ابتسامة صفراء ثم واصلت جولتها في الرواق، سمعت رأي النقاد ورأت الحماس في وجوه المعجبين والمعجبات لتلقي نسخهم الممهورة بإمضائه الأنيق..

كل هذه الأضواء سلطت على جنازتها، وحدها من شمت رائحة احتراق جثتها غيظاً، هناك بين دفتي الغلاف الفاخر تنام حيث انتهت رحلتها مسمومة وسط قهقهات زوج مجنون، ودفنت بطريقة غير لائقة، لم يحضر أحد مآتمها لأنهم لا يعرفون بموتها..

تسير بين الناس وبكامل أناقتها، لكن من منهم قادر على معرفة كنه تلك العلاقة الممزقة التي تم دفنها بصمت، شعورها بذلك القيد الذي يجعلها مجرد تمثال بارد يقتلها، كانت تريد له نفس النهاية، أن يموت كل يوم ألف مرة، يقتله البرود والإهمال وسوء الظن..

وفكرت لماذا أيضاً لا تقتله على الورق كما فعل هو..؟

رغم صعوبة الكتابة إلا أنها الحل الأمثل ليس شرطاً أن تكتب رواية لتخفي جريمتها..

يكفيها أن تكتب قصة قصيرة أو حتى قصة قصيرة جداً..

أليس هذا أفضل .. سيكون قتلاً مباغتاً لن يجد فرصة للهرب أو حتى للمناورة..

ما أن تبدأ القصة حتى تنتهي بالضربة القاتلة.. لن يجد فرصة ليترنح.. وسيسقط مرة واحدة وللأبد ..

وبعد انتهاء الحفل اقترحت عليه أن يتناولا الطعام في مطعم البرج احتفالاً بهذا الإنجاز العظيم..

– لماذا تحديداً مطعم البرج؟

– لما له من ذكريات جميلة قضيناها هناك بداية زواجنا..

ألا تحن لتلك الأيام عندما كنا كطائرين محلقين وكانت رغبتنا الشديدة في التحليق بالفضاء تدفعنا للذهاب للبرج، كي نعيش ذلك الشعور بالارتفاع فاردين أجنحتنا لا يمنعنا من الانطلاق إلا الجاذبية..

– نعم، أتذكر ذلك الشعور وهو كشعوري اليوم وأنا أحلق عالياً من السعادة..

ولكني لم أعد أحب المرتفعات فلنذهب للاحتفال في فندقنا المفضل ويمكننا أخذ جناح خاص بنا نستعيد به أيامنا الجميلة..

كان واقفاً في شرفة الغرفة يتأمل القمر والسماء المزينة بالنجوم، وانحنى ليرى تفاصيل الفناء بمسبحه الرائع، وتلك الحفلة الكلاسيكية المقامة حوله حين شعر بيدين قويتين تدفعانه للأسفل، مد يداه في الفراغ رغم يأسه من إيجاد شيء يتشبث به أثناء سقوطه بعد أن دفعته إلا أن غريزة الحياة أبت أن تنتهي حياته بدون عمل شيء.. أي شيء وإن كان محاولة الإمساك بالهواء، وبدأت تلك اللحظة كأنها دهر قبل وصوله للأرض، يرافقه ذلك البريق الشرير في عيناها وكأن الشيطان متلبس فيهما، كان يصرخ عالياً غير مصدقاً بأنها عادت من الموت لتنتقم..!

– ماذا حدث؟

ألم يصفق النقاد لموتها ولروايته الذي أذاب فيها عمرها وظل هو ذلك المتفرج المستمتع بوجعها وبموتها البطيء إلى أن ذابت كشمعة أدركت بعد فوات الأوان أن ذلك الفتيل الذي احتضنته هو من قضى عليها..!

كان صراخه مدوياً:

قتلتني.. قتلتني..

 كل من سمعه هرع ليعرف مصدر ذلك الصراخ قبل سماعهم دوي الاصطدام، استيقظ من كابوسه والممرضات والطبيب حوله، يمسحون عرقه محاولين تهدئته، متمتمين: لقد عاد له الكابوس مرة أخرى ونحن من اعتقدنا بأن طيفها قد أستكان ورحل..

اغمض عيناه بعد أن سمع طبيبه يقول لهم: ثواني وسيعود إلى عالمه الخاص وسيهدأ بعد أن يتذكر أنه من قتلها أولاً.

اظهر المزيد

مواد ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى