مقالات رأي

تأثير الحرب على الأبحاث الاجتماعية والإنسانية

خلال العقود الماضية عملت مراكز الأبحاث الغربية التي تنفذ أبحاثاً في العالم الثالث على تطوير ما أسمته البحث (أو التقييم) السريع بالمشاركة ( (Participatory Rapid Appraisal (PRA، حيث توفد باحثين أجانب لتنفيذ أبحاث في دول العالم الثالث، ليست لديهم معارف واسعة حول المجتمعات التي يدرسونها، وينفذون كل بحث خلال يومين أو ثلاث أو أسبوع فقط. وفي إطار انبهار مسؤولي دول العالم الثالث وبعض باحثيها بكل ما هو أجنبي (وأمريكي بشكل خاص)، تحول منهج التقييم السريع بالمشاركة إلى موضة، وباتت كل المؤسسات البحثية في العالم الثالث، بما في ذلك اليمن، تعتمد هذه المقاربة المنهجية، بل وتفاخر بها، على حساب الأبحاث التي تعتمد مقاربات منهجية رصينة وعميقة. بل أصبحت المؤسسات البحثية تطلق على مناهج البحث الرصينة تسمية منهجيات البحث التقليدية، وبات غير المتخصصين هم سادة البحث. وتحضرني حالة إحدى الباحثات الأمريكيات في اليمن، والتي نالت شهرة كبيرة، رغم أنها مجرد ممرضة، وليست باحثة متخصصة.

في ظل الحرب القائمة تراجعت جودة الأبحاث في العلوم الاجتماعية والإنسانية في اليمن بشكل مريع، وبرزت ما يمكن أن أسميه بالبحث المرتجل “casual research”  ركزوا  (casual not causal research)، هذه الأبحاث المرتجلة تنفذها مؤسسات تصف نفسها بأنها مراكز أبحاث أو مصانع أفكار  Think tanks، وهي ليست كذلك على الإطلاق، بل هي مجرد مكاتب خدمات وفي أحسن الأحوال مكاتب علاقات عامة يجيد القائمون عليها اللغة الانجليزية، ويرتبطون بعلاقات جيدة مع مؤسسات دولية وأمريكية وأوروبية، ويوكلون مهمة تنفيذ “الأبحاث” لأشخاص غير متخصصين في الأبحاث الاجتماعية والإنسانية، ينفذونها عن بعد، من خارج اليمن، وأحياناً يقتصر دور هؤلاء على تلفيق مادة ميدانية  empirical data، ثم يتم تسليمها لناشطة أمريكية لا تعرف عن اليمن سوى اسمها لتكتب تقرير البحث. فيأتي المنتج أقرب للمقال الصحفي منه للبحث، رغم مئات ألاف الدولارات التي أنفقت عليه. ولو أخضع هذا المنتج للتحكيم الأكاديمي لما وافقت أي مجلة محترمة على نشره، لكنه ينشر على مواقع مكتب الخدمات الذي نفذه، والأغرب من هذا كله أن حكومتنا (الشرعية) تتعامل مع هذه المكاتب الخدمية، ولا تتعامل مع المؤسسات الأكاديمية اليمنية.

وحتى لا أكون مجحفاً، لابد من أن أشير إلى أن هناك عدداً من مراكز البحث، في الداخل والخارج، استطاعت مقاومة الظروف التي ولدتها الحرب، وتمسكت بمعايير البحث الاجتماعي الرصين وأخلاقياته.

من صفحة الكاتب في “فيسبوك”.
اظهر المزيد

مواد ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى