تقارير

الفقر يأكل اليمنيين.. التسوّل وسيلة أخيرة لتأمين المأكل

العربي الجديد ـ محمد راجح ــ عدن

تترصد الخمسينية أم خالد الخارجين من أحد المطاعم الشهيرة الواقع في منطقة الشابات في خور مكسر، جنوب عدن. تحمل بيدها علبة أدوية فارغة تستخدمها للتسول، وتلح على الخارجين من المطعم لوضع بعض النقود فيها. إلى جانب هذه المرأة، التي تؤكد لـ”العربي الجديد” أنها تتسول لتوفير قيمة العلاج لزوجها المريض والمقعد في البيت بعد أن كان يعمل في صيد الأسماك، تنتشر مجموعة كبيرة من المتسولين.

يتمدد الفقر في اليمن بلا توقف على شكل جوع وأمراض وحرمان وبطون تسعى لتفادي المجاعة، في ظل غياب الخطط الاقتصادية أو الآمال التي يمكن الركون إليها للخروج من نفق الأزمات. وتزداد حدة المشكلة مع ارتفاع أسعار الغذاء وتدهور قيمة العملة المحلية.

في الواقع، أصبح التسول ظاهرة، لا بل مهنة للعديد من الناس، خاصة من قذفتهم البطالة خارج سوق العمل خلال سنوات الحرب. ويتكدس عدد كبير من المتسولين في عدن وصنعاء ومدن يمنية أخرى في المولات وأمام المطاعم بدرجة أساسية.

ويلفت محمد عبده، الذي يتسول يومياً وسط مدينة صنعاء، في حديث لـ”العربي الجديد”، إلى أن الفقر المدقع هو الذي دفعه للتسول، إذ يعيل أسرة مكونة من 9 أفراد، منهم ثلاثة أطفال يرافقونه في التسول.

ارتفاع كلفة المعيشة

ووصلت نسبة الفقر وفق تقديرات رسمية إلى نحو 80 في المائة، مقارنة بنحو 49 في المائة في آخر عام قبل الحرب التي اشتعلت في اليمن عام 2015، في حين يعاني أكثر من 20 مليون شخص في البلاد من انعدام الأمن الغذائي، ويحتاج 17 مليون شخص إلى مساعدات لتلبية احتياجاتهم اليومية، وفق الأمم المتحدة.

وباتت كلفة الأغذية الأساسية أعلى من أي وقت مضى في اليمن، مع تدهور الاقتصاد وفقدان العملة نسبة كبيرة من قيمتها في ظل بروز تحديات عديدة فرضت المزيد من التعقيدات على استيراد الغذاء، وهو ما يهدد بوقوع ملايين الأشخاص في البلاد التي تعاني من فقر مدقع، في براثن الجوع الشديد.

يقول الخبير الاقتصادي ياسين القاضي، لـ”العربي الجديد”، إن التلكؤ في حل مشكلة رواتب الموظفين المدنيين المعلقة منذ نهاية العام 2016، يراكم مضاعفات الفقر وتبعاته القاتمة على المجتمع والدولة في اليمن، ما يصعب التعامل معها مستقبلاً في حال إحلال السلام في البلاد.

ويرجح القاضي أن توقف صرف رواتب الموظفين المدنيين يأتي في طليعة الأسباب التي أدت إلى توسع دائرة الفقر في اليمن، حيث يدمر ذلك مصدر الدخل الوحيد الذي كان متاحاً لنحو مليون موظف مدني يعيلون أسراً يقدر عدد أفرادها بملايين الأشخاص، إضافة إلى تشغيل سلسلة من الأعمال التي كانت تستفيد من هذا المورد المتبقي الذي يذهب معظمه لباعة الأغذية والخضروات ومختلف المحال التجارية والمهن الإنتاجية والتعليم والصحة.

تشير المعلومات المتاحة للبنك الدولي إلى أن الاقتصاد اليمني استمر في الانكماش في عام 2021، متأثراً بعدم استقرار الاقتصاد الكلي، وتصاعد الأعمال العدائية، والأمطار الغزيرة والفيضانات، التي ألحقت أضراراً بأماكن الإيواء والبنية التحتية.

ويؤكد البنك الدولي في أحدث تقاريره عن اليمن أنه بسبب ذلك، دمرت سبل كسب العيش، فيما ظل حجم إنتاج النفط أقل كثيراً من مستويات ما قبل الصراع، على الرغم من التحسينات الطفيفة التي شهدتها السنوات الأخيرة.

تصاعد البطالة

يشرح البنك الدولي أن النشاط الاقتصادي في اليمن يعاني من الأعمال العدائية، وتوقف الخدمات الأساسية (الكهرباء والاتصالات)، والنقص الحاد في المدخلات، وهو ما تفاقم بسبب الازدواج الضريبي والتشوهات الناجمة عن قرارات السياسة غير المنسقة من قبل السلطتين المتناحرتين في البلاد. في المقابل، تسببت الحرب في أوكرانيا في زيادة أسعار السلع الأساسية، وهو ما فاقم التهديدات التي تواجه اليمنيين في الوصول إلى الغذاء في ظل الظروف الاجتماعية والاقتصادية المتردية بالفعل.

ويرى الناشط الاجتماعي هيثم عبادي، في حديث مع “العربي الجديد”، أن الكثير من الناس في اليمن يعانون من البطالة، في مقابل تنامي الاحتياجات المعيشية وارتفاع كلفتها، بينما من تبقى في سوق العمل لا يحصل على الأجر الكافي الذي يمكنه من التعامل مع احتياجاته وأسرته من الغذاء، وتضافر ذلك مع عوامل أخرى، ما تسبب بصدمات حادة في المجتمع اليمني.

وبسبب الحرب وتبعاتها وتدمير سبل العيش، فإن الإنسان والاقتصاد في اليمن يواجهان ليس أزمة بل أزمات مركبة على مختلف الصُعد، بحسب عبادي، ومن أبرزها الأزمة الاقتصادية الثلاثية في الطاقة والسيولة وسعر الصرف التي قادت إلى اتساع فجوة الفقر وتعميق الحرمان في بلد كان حتى قبل الأزمة الجارية ضمن البلدان الأشد فقراً في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

الخبير في الاقتصاد الاجتماعي صابر مهيوب يؤكد لـ”العربي الجديد”، أن تفكك مؤسسات الدولة ساهم في انهيار خطط وسياسات مكافحة الفقر والبطالة والتصدي لبعض الظواهر مثل التسول وعمالة الأطفال، وهو ما يتطلب ضرورة العمل على إعادة بناء مؤسسات الدولة وفق مبادئ الحكم الرشيد والتخصيص الكفوء للموارد وتجاوز هذا الوضع المقلق، وهو المدخل الطبيعي للتغلب على تلك الأزمات، ويلفت إلى نقطة مهمة في هذا الصدد، تتمثل بالأزمات الطارئة أخيراً في الغذاء وتعقيدات التوريد إلى اليمن وتدهور الإنتاج المحلي وتناقص المخزون السلعي، وانعكاس ذلك على ارتفاع الأسعار وصعوبة وصول المزيد من اليمنيين إلى الغذاء وتلبية ما أمكن من احتياجاتهم منه، وهو ما يهدد بانتقال التفكك من مؤسسات الدولة إلى المجتمع.

تراجع المساعدات

حسب خبراء اقتصاد، لا تزال الأوضاع الاقتصادية في تدهور مستمر، فيما الأزمة الإنسانية الحادة قائمة ومتوسعة، إذ أدى انقسام المؤسسات الاقتصادية بين طرفي الصراع، والقرارات غير المنسقة المتعلقة بالسياسات، إلى تفاقم الأزمة الاجتماعية والاقتصادية. وتؤكد التقاريرالرسمية أن هناك تراجعا حادا وسلبيا في الناتج المحلي الإجمالي بمكوناته الزراعية والسمكية والصناعية والخدمية، وارتفاعاً قياسياً في معدلات التضخم والبطالة والفقر، وبذلك تكاد تكون كل أسرة يمنية قد اكتوت بنار الحرب والصراع.

ويشهد اليمن أسوأ أزمة إنسانية طاولت معظم المناطق، وتجلت في قرابة 4 ملايين نازح يعيشون أوضاعاً مأساوية في مخيمات النازحين. ويضيف مسؤول سابق في الحكومة اليمنية، متحدثا لـ”العربي الجديد”، أن هناك ما هو أخطر من كل ذلك مع دخول ملف الأزمة الإنسانية في حالة سبات تام وتجاهل ولامبالاة من المانحين، ويلفت إلى أن المجتمع الدولي يتراخى في دعم خطط الاستجابة الإنسانية السنوية لليمن في ظل استمرار الحرب والخلافات، وخير دليل على ذلك حجم التعهدات المتواضعة لتمويل مشاريع الإغاثة الإنسانية للعام 2022.

اظهر المزيد

مواد ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى