فنون وثقافة

مات قبل النشر.. الروائي محمد سعيد سيف: أنا أحمر

علي سالم المعبقي- “يمن سايت”:

أجريت هذه المقابلة المصورة مع كاتب “شارع الشاحنات”، الروائي محمد سعيد سيف، يوم 3 سبتمبر 2020، وبعد أقل من 3 شهور، وتحديداً عند حوالي الساعة الثالثة فجراً من يوم 19 نوفمبر 2020، أيقظ سيف زوجته طالباً منها أن تعد له الشاي وتعطيه سجائر. لبت الزوجة الطلب، ثم عادت للنوم. وعندما استيقظت مرة أخرى عند صلاة الفجر، وجدت زوجها جثة هامدة، حسبما تنقل عنها منى الشيباني، ابنة شقيق الراحل سيف.

لحظة وصولنا إلى الموقع الذي حدده لنا عبر الهاتف -مدرسة الإصلاح في قرية الهويشة الأجروم من منطقة “بني شيبة غرب”، مديرية الشمايتين في محافظة تعز- بدا محمد سعيد سيف، نحيلاً، مبتسماً، يحمل بيده كيساً بلاستيكياً يحوي أوراقه وكراساته، تماماً كما رأيته أول مرة في مطلع تسعينيات القرن العشرين، في كلية الآداب جامعة صنعاء؛ وكأن الزمن بقي ثابتاً، وما تغير هو المكان فقط.

في تلك الكلية التي تفردت، في تلك الفترة عن بقية كليات جامعة صنعاء، بحديقة وارفة، وقع الطالب في كلية التربية، قسم لغة إنجليزية، محمد سعيد سيف، في حب طالبة تنتمي إلى طبقة ثرية، ولأنه حب من طرف واحد فقد انتهى بالإخفاق، تاركاً ندبة في وجدان الكاتب الشاب، لكنها ندبة واحدة في حياة مليئة بالندوب والآلام. حسبما يروي سيف.

بوهيمية ثقافية

خلف الطاولة الوحيدة لمقهى صغير يقع أمام مدرسة الإصلاح الأساسية الثانوية التي يعمل فيها معلماً لمادة اللغة الإنجليزية، جلس سيف يرشف الشاي ويدخن السجائر محاولاً سرد حياة لم يتوقع على الأرجح أن يأتي من يحاول نبشها.

من دون أن يدع الذكريات الأليمة تطفئ ابتسامته المعهودة، يقول سيف: “منذ الطفولة وحياتي كلها شقاء وتعب ومشاكل نفسية ومادية”، مؤكداً أن كتاباته تجسيد لحالة الشقاء التي عاشها.

تقدم تجربة سيف، الكتابية والحياتية، مثالاً للكيفية التي تؤثر فيها الأفكار على بعض الأشخاص اللادينيين في شكل يجعلهم يتلاقون مع أتباع الديانات في نفي الجسد والتسامي على الحياة المعاشة، بل معاداتها أحياناً.

يتحدث سيف عن نوبات اكتئاب داهمته في مراحل مختلفة من حياته، مشيراً إلى أن تلك النوبات لم تكن ترفاً خالصاً، بل نتيجة صعوبات معيشية شديدة القسوة. وثمة بين معارفه من يشير إلى البوهيمية الثقافية بوصفها عاملاً إضافياً يدفع بعض الكتاب إلى حياة التشرد والعبثية.

من أصدقاء سيف الذين قاربوا حياة البوهيمية، الشاعران عبدالله قاضي وتوفيق سيف القباطي ، والأخير مات قبل عام أعزب.

في أواخر ثمانينيات القرن العشرين مزق سيف مخطوط روايته “على باب الشمس” التي كانت جاهزة لتنشر مسلسلة في صحيفة “الثورة” اليومية. “شعرت بعدم جدوى العالم والكتابة، فمزقتها”؛ يقول سيف الذي تمكن خلال العقد الماضي من أن يعيد كتابة “على باب الشمس”، إضافة إلى رواية ثانية بعنوان “حكايات أبي زيد الصغيرة”، سلمهما إلى دار “أروقة للنشر”، حسب قوله.

تلكما الروايتان، إضافة إلى ثالثة بعنوان “إنسان الظل”، تركها قبل مماته شبه مكتملة، كانت ثمرة انتقاله بعد تخرجه من الجامعة عام 1994، إلى القرية التي وإن استقر فيها وتزوج، بيد أن جذر الشقاء متمثلاً بالمعاناة الاقتصادية، وما يترتب عليها من مشاكل عائلية، ظل نشطاً يولد نوبات اكتئاب، ويستدعي طيوف الانتحار.

يشكو سيف الذي انفصل عن زوجته الأولى، وتزوج بثانية، من عدم قدرته على التكيف مع محيطه. مشيراً إلى مضايقات ظلت تطارده في تعز ثم في صنعاء، واستمرت أيضاً في القرية، وإن “كانت هنا أقل حدة”.

في وقت متأخر من إحدى الليالي، شعر سيف بحالة بؤس وإحباط، فكان أن قاده طيف الاكتئاب إلى إغلاق غرفته من الداخل، وصب الكيروسين على جسده وإشعال النار فيه، إلا أن زوجته تمكنت في اللحظات الأخيرة من إنقاذه.

يقول سيف وآثار الحروق مازالت ظاهرة على أجزاء من جسده: “حاولت الانتحار مرتين: الأولى معنوياً بتمزيق الرواية، والثانية مادياً بإحراق نفسي. نجحت في الأولى، وأخفقت في الثانية”.

أنا أحمر

على غرار نساك وزهاد الديانات الذين يكرسون حياتهم للعبادات، تاركين ملذات الحياة، كرس محمد سعيد سيف نفسه للكتابة والقراءة. لكنه وبخلاف رجال الدين كان يأمل أن يستمتع بالحياة توازياً مع متعة الكتابة، إلا أنه وجد نفسه بلا خيارات. لم يكن أمامه سوى أن يضحي بالكتابة من أجل الحياة، أو الاستمرار في الكتابة والقراءة على حساب متع الحياة، فكانت الكتابة خياره الوحيد.

في سنته الجامعية الأولى (1981/1982)، فاز سيف بجائزة القصة القصيرة في المسابقة الأدبية لجامعة صنعاء في دورتها الأولى. كانت تلك “سنة رائعة” كما يصفها، وكذلك كانت السنة الثانية. إلا أن هذا الوضع لم يدم طويلاً، فسرعان ما تعثر مساره التعليمي ليقضي أكثر من 10 سنوات قبل أن يحصل على درجة الليسانس.

ذلك الكاتب الشاب الذي نشرت قصصه منذ عام 1978 صحف ومجلات يمنية وعربية شهيرة مثل “الكلمة” و”اليمن الجديد” و“الأقلام” العراقية، لم يكن على الأرجح يفتقر لذكاء يؤهله لمواصلة دراسته؛ لكنها مشاكل نفسية واقتصادية حالت دون حضوره المحاضرات ودخول الاختبارات.

علاوة على الحب من طرف واحد، أخفق سيف أيضاً في أول تجربة له لخوض انتخابات اتحاد طلاب اليمن. “لم أحصل حتى على صوتي”؛ يقول سيف الذي يعتقد أن جهاز الأمن الوطني (المخابرات)، حينها، كان وراء التلاعب في الانتخابات بهدف إسقاطه. معتبراً ما حصل اعتداءً على حقه الطبيعي.

في تلك الفترة كان سيف قد شرع في كتابة روايته الأولى “شارع الشاحنات”، التي نشرتها مجلة “اليمن الجديد” الصادرة عن وزارة الإعلام والثقافة، في حلقات مسلسلة ما بين عامي 1985 و1986، وفي 2004 فقط، صدرت في كتاب، مدمجة بمجموعته القصصية “تحولات الجدار”.

عندما تفجر صراع الرفاق داخل قيادة الحزب الاشتراكي الحاكم في عدن، في ما بات يعرف بمقتلة 13 يناير 1986؛ كان محمد سعيد سيف في محافظة البيضاء الشمالية ضمن الفريق العامل في التعداد السكاني.

شكلت أحداث 13 يناير صدمة لليساريين اليمنيين والعرب، ومنهم سيف الذي استقطبه أثناء دراسته الثانوية الفرع الشمالي للحزب الاشتراكي المعروف حينها بـ”حزب الوحدة الشعبية اليمني (حوشي)”، وفق ما يقول؛ أما صدمته التالية فجاءت من مسؤوله المباشر في التعداد، الذي اكتشف أن سيف غير قادر على حصر الحد الأدنى من السكان والمساكن، فطلب منه تسليم السجلات والعودة إلى صنعاء.

في ليالي صنعاء الباردة وجد سيف أو “العصفور” -كما يناديه أصدقاؤه، كناية على نحول جسده- وجد نفسه محاطاً بمشاعر الإحباط والفشل، “فتذكرت الأستاذ محمد عبدالرحمن المجاهد، رئيس تحرير صحيفة “الجمهورية”، الذي سبق أن شجعني أثناء توليه إدارة المركز الثقافي، فقررت السفر إلى تعز”؛ يقول سيف.

استجاب رئيس التحرير لفكرة عمود يومي يكتبه محمد سعيد سيف، بعنوان “نافذة”. إلا أن هذه الفرصة لم تكن برداً وسلاماً على الكاتب الممزق نفسياً ومعيشياً، بل جلبت له أيضاً عداوات من خارج الأسرة وداخلها.

في مقاله الأول تناول سيف ارتفاع تعرفة الكهرباء الأهلية في قريته، وهي محطة صغيرة مملوكة لزوج عمته (شقيقة والده)؛ حماسته الثورية التي لازمت حياته لم تدعه يفرق بين قريب وبعيد، أو بين فساد صغير وفساد كبير، مدفوعاً بقول الشاعر محمود درويش: “اضرب عدوك لا مفر (…). لكن هؤلاء كانوا أهلي مش أعدائي”؛ يستدرك سيف وهو يضحك.

في 1988، أي بعد أقل من سنتين على أحداث 13 يناير، التي انتهت بمقتل عدد من قيادات الحزب الاشتراكي، بينهم مؤسس الحزب عبدالفتاح إسماعيل؛ نشر سيف مقالاً تناول قصيدة عبدالفتاح إسماعيل: “الكتابة بالسيف”.

لكن ذلك المقال الذي يصفه سيف بالأدبي، تسبب في إيقاف كاتبه عن الكتابة، ومنعه من دخول مبنى الصحيفة، تنفيذاً لتعليمات أصدرها محمد الزرقة، رئيس مجلس إدارة مؤسسة سبأ للصحافة والنشر، حينها، الذي يقول سيف إنه كان يترصد بعموده واضعاً خطوطاً على بعض فقراته، ثم يتصل برئيس التحرير المجاهد، قائلاً: مش قلت لك أحمر!”، في إشارة إلى أن سيف كان شيوعياً.

بعد شهرين من التشرد، أعطاه سكرتير التحرير حينها عز الدين سعيد أحمد، مبلغ 2000 ريال مصاريف سفر إلى صنعاء، لمقابلة حسن اللوزي، وزير الإعلام والثقافة حينها، الذي يقول سيف إنه أبدى تفهماً لمشكلته، وسمح له بالعودة للكتابة، شرط أن يتجنب الخوض في القضايا السياسية الحساسة.

بؤساء الجمهورية

ولد سيف قبل نحو عامين من قيام ثورة 26 سبتمبر 1962، التي أطاحت بنظام الأئمة الزيديين الذين حكموا شمال اليمن لأكثر من ألف سنة. شكلت الجمهورية الوليدة المثال الوطني الذي تفتح عليه وعي الطفل محمد سعيد سيف، المعروف عنه منذ الصغر نهمه للقراءة.

تنتمي عائلة سيف إلى جيل من الآباء حرصوا على تعليم أبنائهم، على الرغم من فقرهم وافتقارهم للتعليم. عندما كان محمد في سن السادسة أخذه والده إلى عدن، ليلتحق هناك بكلية بلقيس، وهي مدرسة أهلية شهيرة تخرجت منها شخصيات تبوأت لاحقاً مراكز عليا في الدولة، مثل الراحل عبدالعزيز عبدالغني الذي شغل رئاسة الحكومة لأكثر من مرة.

ومع انتصار ثورة 14 أكتوبر، وخروج الاستعمار البريطاني من عدن، في 30 نوفمبر 1967، فرضت الجماعة الثورية اليسارية التي تسلمت السلطة، قيوداً على الحريات السياسية والاقتصادية، توجت بصدور قانون التأميم الذي تسبب بتعطل القطاع الخاص، ما اضطر يمنيين كثراً إلى مغادرة عدن، بينهم والد محمد الذي سافر إلى السعودية تاركاً ولده محمد في رعاية عمه في تعز.

أثناء تصويرنا لقطات لمسقط رأسه، قرية الهويشة، أشار سيف بيده إلى ما يشبه الحصن، قائلاً: هناك كان يتحصن جدنا أثناء مقاومته عساكر الإمامة الذين كانوا يداهمون القرية لجمع الجبايات من المزارعين، متفاخراً بانتمائه إلى عشيرة مهيوب سعيد، وهي نبرة بدت طارئة على الكاتب الذي ظل أممياً يواظب أثناء دراسته الجامعية على اقتناء منشورات دار التقدم التي كان يوزعها مجاناً القسم الثقافي السوفيتي الواقع في جامعة صنعاء.

إلا أن التدقيق في حياة سيف يظهر أن هذا الكاتب الموجوع بالكتابة حد الفناء، ليس مبدئياً فحسب، بل يبدو زاهداً ماركسياً يجد في الشقاء والتعاسة ما يشبه المتعة والافتخار.

فخلافاً لمثقفين كثر تواءموا مع النخب العسكرية القبائلية الحاكمة، وساروا في ركاب الانقلابات الطائفية والجهوية؛ بقي سيف بائساً من بؤساء الجمهورية المغدورة، إلا أن فقره المزمن لم يدفعه إلى التخلي عن أحلامه الكبرى.

يقول سيف: “على الرغم من التحولات التي شهدها العالم، ومنها سقوط الاتحاد السوفيتي، إلا أنني مازلت على يقين بأن المستقبل للاشتراكية”.

الكاتب الذي لمع نجمه في ثمانينيات القرن العشرين كأبرز كتاب القصة القصيرة، ظل منسياً منذ مغادرته صنعاء في تسعينيات القرن العشرين، وهي واحدة من مفاعيل المركزية التي طالت المشهد الثقافي أيضاً.

عندما علمت بمحاولة انتحار محمد سعيد سيف كنت أعمل حينها على تحقيق حول فساد صندوق التراث والتنمية الثقافية، فهالني ألا أجد اسم سيف وغيره من الكتاب المتعبين في حياتهم، ضمن قوائم المستفيدين من مساعدات الصندوق التي ظلت تذهب إلى كبار المسؤولين في وزارة الثقافة ومثقفين وإعلاميين موالين.

مقابل مثقفين كثر اصطفوا وراء المليشيات الحزبية المتناحرة، ظل سيف ينشط مدنياً عبر “لجنة المخفيين قسراً”، وثقافياً من خلال مجموعة أطلقها عام 2018، عبر تطبيق “واتساب”، باسم “منتدى محمد عبدالولي”، نسبة إلى الروائي اليمني الطليعي الذي قضى في سبعينيات القرن العشرين، بحادث تفجر طائرة يكتنفه الغموض.

هل دفعته إلى الموت؟

كان مقرراً أن تأتي هذه المقابلة على جزأين: الأول يتناول حياة الكاتب محمد سعيد سيف، والثاني يناقش أعماله الأدبية، إلا أن ما حدث هو أن السماء تلبدت في ذلك اليوم، وكادت أن تمطر. ولأنني قدمت إلى قرية سيف على متن دراجة نارية يقودها الصديق عبدالجبار حسن قائد، مدير مكتب الإرشاد الزراعي في منطقة العزاعز؛ فقد اضطررنا إلى إنجاز الجزء الأول، على أن أعود في يوم آخر لإنجاز الجزء الثاني.

إلا أن انشغالي في تلك الفترة بعمل ميداني لمجلة زينيت، حال دون عودتي إلى المنطقة بسرعة وجيزة. لذلك فقد صدمت حين علمت بوفاة محمد سعيد سيف، وسيطر عليَّ شعور بالذنب، حتى إنني اقتنعت أن الروائي سيف ما كان ليموت لو لم أجرِ معه هذه المقابلة التي صممت من دون قصد لتكون بمثابة رثاء وتحية وداع لكاتب لم يتوقع بعض أصدقائه القدامى أنه مازال حياً.

زاد هذا الشعور عندما علمت أن سيف وزع قبل مماته سيرته الذاتية مكتوبة، وكأنه رمى بذلك إلى تصويب ما ذكره أمام الكاميرا. هو الكاتب الملتبس في حياته ونشره، فعندما نشرت روايته “شارع الشاحنات”، مسلسلة في مجلة “اليمن الجديد“، ثم ضمن منشورات إتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين، تداخلت بعض حلقاتها مع نصوص لكاتب آخر.

 وعندما تبحث عبر محرك “جوجل” عن اسم محمد سعيد سيف، ستعثر على مقالة في “ويكيبيديا “، تشير إلى أن لمحمد سعيد سيف رواية مترجمة إلى الإنجليزية، بعنوان “انتظار”، والصحيح أنها قصة قصيرة نقلتها إلى الإنجليزية سلمى الجيوسي، ضمن كتاب بعنوان الأدب العربي.

مات عصفور السرد اليمني محمد سعيد سيف قبل أن ترى هذه المقابلة النور أو تنشر روايتاه. مات صامتاً كما عاش؛ من دون احتفاء يذكر؛ حتى من قبل نادي القصة (إل مقة) الذي كان سيف من أوائل الذين بلوروا في تسعينيات القرن العشرين فكرة تأسيسه.

اظهر المزيد

مواد ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى