البروكروستيون الجدد
بلطف وكرم، يقدم لضحاياه العشاء والمأوى. طعامٌ فاخر وسرير دافئ وسكينة جاهزة للبتر عندما يتمكن، وذلك الغريب الطارق على باب قاطع الطريق يذهب بكل حماسٍ وغباءٍ لحتفه، وهو يعتقد بأنه كان على الطريق السليم الذي أوصله للسعادة..
وما إن يستلقي الضيف على السرير، متخماً بشعارات الطيبة والسعادة والأخوة، حتى يشد المضيف وثاقه، يتأمله ملياً هل حجمه يناسب السرير أم لابد من إعادة قولبته..؟
إذا كان حجمه أكبر من السرير، يقص من أطرافه، وإذا كان أصغر، يشد رجليه بقوة، حتى يتلفهما، فتصل بذلك قدماه إلى حافة السرير..
بروكروست قاطع الطريق، تم تأسيسه لمغالطة القوالب الجاهزة، فسريره دائماً على حق، والخطأ يكمن في الأطراف طولاً أو قصراً، ولكن هناك حل في نظره بإعادة تهيئة الأجساد لتصبح مناسبة لماهية السرير ..
وذلك ما تفعله الأحزاب مع أعضائها، ليخلقوا في أذهانهم تصورات مسبقة عما يجب أن تكون عليه آراؤهم، وهم بدورهم ينقلونها للعامة كأنها تحليلات وتفسيرات موضوعية..
نراهم مع الثورة وضد الدولة عندما لا تكون الدولة تحت أيديهم، ومع الدولة إذا كانت بقرةً حلوباً لهم، حينها تصبح الثورات والمقاومة حينها تمرداً..
يصنعون من الحبة قبة، ومن القبة حبة، يصنعون عدواً وهمياً ويتغاضون عن عدوٍ واضح وظاهر للعيان، يرون العدو الوهمي خلف الجدران المغلقة وفي عقول الناس وضمائرهم ولا يرون العدو الذي بينه وبينهم خطوة وحاجز من قماش..
يقاتلون العدو الوهمي بخطوةٍ استباقية في شارعٍ مظلم، ولا يجرؤون على الذهاب إلى العدو الحقيقي في المكان الذي يعلن به عن تواجده نهاراً جهاراً..
يقولون بأنهم حزب سياسي وطني لا شريك له، ويتناسون بأن الأحزاب السياسية لا أذرع عسكرية لها، وإن وجدت ما هي إلا ميليشيات قد توحشت من طول انتظار معارك حقيقية، فيلجأون للأسواق من أجل تحقيق نشوة يثبتون بها قدرتهم على خلق انتصارات مزيفة، وإن بخطف الأبرياء وقتلهم..
يقول لهم الحوثي: نحن العدو..
يقولون: لا.. عدونا الأمن والأمان..
يقول لهم طارق: أنا في المخا..
يقولون: لا نريدك، نريد شبحك..
نقول لهم: حرروا البلاد واقضوا على التمرد..
يقولون: نحن مقيدون..!!
هم وطنيون لا يبيعون الوطن، إلا لمن يدفع أكثر ولمن سيمكنهم من السلطة، ولكن هنيئاً لهم تلك العقول المقولبة التي تدافع عنهم، وتقاتل معهم من أجل وطنٍ لم يعد موجوداً إلا على الخارطة المقولبة في أذهان الحزب وأتباعه..
وطنٌ لهم فقط، ولا وجود للآخرين به، إلا لو كانت قوةً إقليمية قادرة على تهيئة وطنٍ يناسبهم، ولو بتقطيع أطرافه..