مقالات رأي

السعودية عاجزة، لا متآمرة

بعد مرور خمس سنوات على التدخل السعودي في اليمن، دون أن تسفر عنه نتيجة ذات أهمية، أصبح لدى كثيرين قناعة بأن السعودية ليست جادة، أساساً، في حربها مع الحوثيين، وأنها، في الواقع، لا ترى فيهم خطراً حقيقياً عليها. وهذا الرأي يستند إلى واقعة تاريخية هي أن السعودية كانت الداعم الرئيسي للمعسكر الملكي في الستينات، إبّان الحرب بين الملكيين والجمهوريين، وأنها لم تتخل عنهم- أي الملكيين- إلا بعد أن أيقنت أن قضيتهم ميؤوس منها. وبطبيعة الحال هذا ادعاء غير صائب، وليس من الصعب تفنيده.

لقد كانت السعودية، فعلاً، هي الراعي الرسمي للثورة الملكية المضادة منذ مطلع الستينات إلى نهايتها، لكن ذلك لا يعني أنها تتعامل مع الحوثيين بنفس الطريقة، أو أن من المحتمل أنها ستتعامل معهم في المستقبل هكذا، وذلك بالنظر إلى السياق التاريخي الذي تأسس عليه الموقف السعودي من “الإمامة” في ذلك الحين، وإلى الظروف التي تحكم علاقتها مع الحوثيين في الوقت الحالي.

لا جدال في أن الحوثيين حركة “إمامية”. ولكن هناك فرقاً بين “الإمامة”، التي ساندتها السعودية في الماضي، وبين المشروع الإمامي الذي يتبناه الحوثيون الآن. لقد كانت “إمامة” الأربعينات والستينات حالة متقدمة من الناحية السياسية مقارنة بالحالة الحوثية، فهي لم تصل إلى الحكم عن طريق الشحن الطائفي وتهييج الأنصار باسم المظلومية الدينية، وإنما وصلت عبر مصادفات تاريخية خدمت الإمام يحيى كقائد عسكري في حربه التحريرية مع الأتراك، وهذا الأمر خفف قليلاً من طابعها الديني لمصلحة طابعها السياسي، كما إنها لم تكن مرتبطة باستقطاب إقليمي أو دولي تمثل السعودية جزءاً فيه. أما الحوثيون فهم حركة نشأت نشأة طائفية خالصة، ومنذ ظهورها وحتى سيطرتها على الدولة كان “العداء الأيدولوجي” هو المحرض لتحركاتها، والعنصر الأساسي الذي تعتمد عليه في حشد الأنصار وتعبئة المقاتلين، كما إنها مرتبطة، منذ بداياتها، بمحور إقليمي معاد للسعودية عداءً وجودياً.

 من هنا، فإن السعودية لا تستطيع، بأي حال من الأحوال، أن تتبنى مع الحوثيين سياسة مشابهة لسياستها مع “إمامة” الستينات، أو أن تنظر لهم كأصدقاء محتملين، ذلك مخالف لطبيعة الأشياء. والحوثيون بدورهم لا يستطيعون أن يتعاملوا مع السعودية إلا باعتبارها عدواً، فقد كانت ولا زالت، في نظرهم، هي المغذي الفكري والأيدولوجي للأطراف التي لم تقم دولتهم إلا بعد الإطاحة بها، ومهادنتها، يعني ببساطة، التخلي عن واحد من أهم المبادئ التي قامت حركتهم عليها، وهذا يستحيل نظرياً، فضلاً عن استحالته من الناحية العملية.

ومما يجب الأخذ به في هذا السياق أن السعودية في مطلع الستينات لم تكن قد اعتادت بعد على وجود نظام حكم في اليمن غير الحكم الملكي الإمامي، لذلك فمن الطبيعي أن تنظر إلى قيام الجمهورية بعين الريبة، لا سيما أن الجمهورية كانت، إلى حد ما، مشروع عبدالناصر ومعه التقدميون العرب، الذين كانوا يعتبرون السعودية من البؤر الرجعية التي يجب تصفيتها إن أمكن. وهذا ما يفسر تغير الموقف السعودي تدريجياً منذ انسحاب الجيش المصري من اليمن في 67، إلى أن انتهى الأمر باعترافها بالنظام الجمهوري في العام 70. وليس الأمر كذلك في الوقت الحالي، فقد أصبحت الجمهورية الآن هي الحالة الطبيعية التي يمكن أن يمثل غيابها مصدر قلق وإزعاج بالنسبة للسعودية، وخصوصاً إذا ترافق غيابها مع صعود جماعة أصولية مرتبطة بمحور إقليمي معادٍ.

وعلى ذلك، فإن تعثر التدخل السعودي، لا يعود إلى أن السعودية متواطئة مع الحوثيين، أو إلى أنها تتآمر على الجمهورية، فذلك أمر غير منطقي، وغير ممكن، وإنما يعود إلى عجز سعودي حقيقي. وهو عجز كان بوسع المراقب أن يتنبأ به منذ البداية.

لا يمكن تحرير بلد ما من سيطرة جماعة، لا سيما إذا كانت هذه الجماعة منظمة تنظيماً عسكرياً فاشياً، كما هو الشأن مع جماعة الحوثي، إلا بواحدة من طريقتين: إما التدخل العسكري الذي يتضمن تدخلاً برياً واسعاً، وهذا يحتاج إلى إمكانيات عسكرية كبيرة، وإما تقديم الدعم والسلاح لجماعات داخلية تتولى هي أمر الحرب، وهذا يتطلب وجود جماعات تحرر وطنية أولاً، لا جماعات مصطنعة اصطناعاً. وكلا الأمرين كان مفقوداً في تعامل السعودية مع المسألة الحوثية، فلا هي دخلت بقواتها وحسمت الحرب، إذ من الواضح أنها لم تكن قادرة على ذلك، ولا هي اكتفت بتقديم الدعم لجماعات تحرر وطنية، إذ إن هذه التشكيلات لم تكن قد وجدت أصلاً، وكان لا بد من مرور وقت حتى تتبلور ضد الحوثيين حركات مقاومة شعبية يمكن بعد ذلك دعمها وتسليحها. وبالتالي، فليس من الغريب، والحالة هذه، أن يقود التدخل السعودي إلى هذا الوضع المريض الذي يبدو أنه مرشح للاستمرار لسنوات طويلة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى