تجتهد الدول في حماية أمنها الداخلي والوطني والقومي، وتعيّن لإدارة هذه الوظائف كفاءات على مستوى عالٍ من المهنية والاحتراف، وتدعم تلك الإدارات بأجهزة ظاهرة وخفية، جامدة ومتحركة لا ترى بعضها بالعين المجردة، والبعض منها ينفذ من بين الأسطح الملساء والجدران الصماء.. تقوم إدارات تلك الدوائر بوظائفها على أكمل وجه، وتغطي مساحاتها الأمنية المرسومة في خرائطها وبرامجها الحية والميتة.. أمن آخر لا يقل أهمية عن الأمن العام والأمن السياسي والأمن الوقائي والأمن المركزي.. ألا وهو الأمن المعيشي الأوسع والأكثر احتياجاً اجتماعياً وشعبياً.
الأمن المعيشي هو حاجة المواطن للعيش بحرية وكرامة وأمان، لا يعتدي عليه أحد أو ينتهك حقه بالحياة، طالما لم يقترف جرماً يقيد حقه بالحرية، أو يستوجب حداً شرعياً مغلظاً عليه يسلبه حقه باستمرار الحياة، أو استحقاق دين مادي يستوجب سداد دين للغير يحرمه من ممتلكاته وأمواله المحرزة لصالحه قانوناً وعرفاً، فلا يجوز لأي كان أن يعتدي على حق إنسان بالاستمتاع بالأمن المعيشي، ولا يجوز لأحد أيٍّ كان أن ينازعه أو يهدده أو يقلق سكينته ويؤثر على سلامة أمنه المعيشي، فحقوق الأمن المعيشي كثيرة، تختلف من شخص لآخر، بحسب طبيعته ووظيفته في الحياة، لأن الناس متساوون في أشياء عامة، ومختلفون في التخصصات والمزايا المكتسبة من الحياة. وفي العموم يستوجب على الدولة راعية الأمن العام بأشكاله وتسمياته الوظيفية، أن تقوم بواجبها في توفير الأمن المعيشي لرعاياها، وضمان سلامتهم ورعايتهم، وتوفير احتياجاتهم المعيشية بما يؤمن لهم الاستمرار والاستمتاع بالحياة صحياً ونفسياً وعقائدياً كما لو تؤمن حقهم غذائياً.
هناك جرائم خفية بدأت ترتكب من قبل جهات لا تدرك حق الإنسان بالأمن المعيشي والعيش بحرية وكرامة وأمان على نفسه وماله وعقله وعرضه ودينه، فلقد أوجب الدين حماية الحقوق الخمسة للإنسان المسلم، وألزم المجتمع بكامله حماية بعضه البعض لحفظ الكليات الخمس للإنسان، فلا يجوز مطلقاً الاعتداء على الإنسان في جسده وماله وعرضه ودينه وعقله، بما يلحق به الضرر، ويفسد عليه واحدة من هذه الحقوق، فإن الاعتداء عليها جريمة من الجرائم المحرمة شرعاً وقانوناً.
إن ما يسمى بالأمن المعيشي يتم انتهاكه كل يوم بطرق خفية مباشرة وغير مباشرة، قد تلحق الضرر العام بفئة من الناس جملة، كإهمال الرعاية الصحية لمنطقة تعرضت لتلوث بشري في الماء أو الهواء أو التربة، أو حتى الأسطح الملساء، فمثل هذه الحالة تعد جريمة من جرائم الاعتداء على الأمن المعيشي قد تفلت من العقوبة أو لا يتم رصدها.. جرائم أخرى تقوض الأمن المعيشي للإنسان وهي انهيار العملة وتدهور الوضع المعيشي وارتفاع الأسعار، وهذه أيضاً جريمة تهدد الأمن المعيشي، فيصاب الناس بالفقر المفاجئ والانهيار الأسري، ما قد يسبب تداعيات أخلاقية تؤثر على السلوك المجتمعي وفتح باب جديد لنشؤ الجريمة بسبب الفقر، وهذه بدأت ملامحها تظهر على السطح واحدة بعد الأخرى كالجرائم ضد الأسرة صغاراً وكباراً نساء وأطفال وعجزة ومرضى.
جرائم كثيرة تلك التي تمس الأمن المعيشي يغفل عنها المحققون وأجهزة الرصد، وهي من نوع جرائم المجتمع المستجدة والناشئة بسبب وضع مضطرب قد يكون أمنيا أو سياسياً، أو في حالة الكوارث والنوازل الطبيعية القاهرة.
إن السكوت عن معالجة القضايا التي تمس الأمن المعيشي للإنسان يدفعها نحو خوض سباق مع الجريمة، وتتناسب تناسباً طردياً معها، فكلما تدهور الأمن المعيشي تدهور الوضع الأمني وزادت الجريمة بكل أنواعها وأشكالها المختلفة.
إن القلق والتوتر الأمني في البلد سرعان ما تتدخل فيه الأجهزة الأمنية وتفرض طوقاً أمنياً، وفي أقصى الحالات تعلن حالة الطوارئ وتتخذ إجراءات عاجلة وصارمة لفرض الأمن واستعادة الوضع والسيطرة عليه، وإحكام القبضة على مداخل ومخارج البلد لإنهاء حالة التوتر الأمني والقلق العام.
قد يتوتر الأمن المعيشي وتنقطع بالتدريج الاحتياجات المعيشية للإنسان، ولا يعير ذلك اهتمام الجهات ذات الاختصاص، متعللة بظروف وأحداث أمنية ضمن سياق الأمن العام بأنواعه، فيتدهور الأمن المعيشي، وتنشأ مظاهر مقلقة للأمن العام.
إن حاجتنا لفرض الأمن العام ومكافحة الجريمة هامة جداً وضرورة لا يمكن التفريط فيها، وكذلك حاجتنا للأمن المعيشي واستقرار الأوضاع المعيشية في البلد ومكافحة الفقر والجهل والمرض، وهما معاً، أي الأمن العام بمفهوم وزارة الداخلية والأمن المعيشي بمفهوم المجتمعات والتجمعات البشرية، طرفا معادلة تنتهي بالمساواة، فلا يفرق أمن عن أمن، فلن يستقيم أمن عام في البلد حتى وإن ضربت الأجهزة الأمنية طوقاً حديدياً في رقبة كل إنسان فلن تتمكن من فرض الأمن العام طالما وهناك توتر أمني يهدد الأمن المعيشي للإنسان في البلد.. فنحن بحاجة إلى مدير أمن بمعنى قائد شرطة ومسؤول أمن معيشي. قد لا يتمكن مسؤول التموين أو الرقابة السعرية أو جهاز الجودة والمقاييس، أو المختبر المركزي أو وزارة التجارة والصناعة والبنك المركزي؛ من حماية أمن المواطن المعيشي، فالمسؤولية تكاملية قد تستدعي تدخل الجيش والأمن لحمايته إذا اقتضت الضرورة، فحياة المواطن المعيشية لا تهددها الاضطرابات الأمنية فقط، بل أن أكثرها خطورة هو انهيار الأمن المعيشي وتدهور الحياة المعيشية أم الجرائم وسبب النكبات.. فمكافحة الفقر طريق لمكافحة الجريمة، وتفشي الفقر بين الناس طريق لابتكار أنواع جديدة من الجرائم لم تدرس في كليات الحقوق والشريعة والقانون.