ما هي الإساءة للإسلام والرسول؟
دعوني أحكي لكم حكاية صغيرة.
كلنا شاهدنا فيلم الرسالة للمخرج مصطفى العقاد، وكلنا، على ما أعتقد، نعتبره من أفضل الأعمال الدرامية التي قدمت صورة إيجابية للإسلام وبإمكانيات عالمية.
هذا الفيلم، نفسه، اعتبره حُراس العقيدة، عند إنتاجه في 1976، إساءة للإسلام والرسول والصحابة!!
بدأت الحرب ضد الفيلم حتى قبل تصويره، وقادت السعودية المعركة ضد “الفيلم المسيء” حتى تم إجبار المغرب على منع تصوير الفيلم في أراضيه.
الأزهر، بعد أن كان قد وافق على الفيلم، عاد وانتقده، وطالب بمنعه، وظل الفيلم ممنوعاً من العرض في مصر أكثر من 20 سنة.
قامت ضد الفيلم حملة إعلامية ودبلوماسية شعواء لا تقل عنفاً عن الحملة التي قامت ضد الرسوم الدنمركية عام 2006!
ليبيا كانت البلد الوحيد الذي أنقذ الفيلم من السقوط ووافق على تصوير مشاهده وبناء ديكوراته داخله.
كان تصوير الفيلم يتم وسط حراسة مشددة خوفاً من أي عمل عدائي ضد “الفيلم المسيء للرسول”!
عندما حان موعد عرض الفيلم، عام 1977، منعت أغلب الدول العربية عرضه، فذهب العقاد لعرضه في أوروبا، ففوجئ بالمسلمين الغاضبين هناك يحاولون منع عرضه، ما جعله يغير عنوانه من “محمد رسول الله” إلى العنوان الذي عرف به اليوم؛ “الرسالة”.
عندما تم عرض الفيلم في أمريكا، هاجم أعضاء “جماعة أمة الإسلام” دور السينما وأحرقوها!
كان أحد أسباب اعتبار الفيلم إساءة للرسول أنه رَمَّز للرسول بضوء يظهر في المشاهد التي يتحدث فيها الصحابة معه!
قدّم الفيلم صورة مبالغة في المثالية للإسلام، صورة إسلام معقّم، وصافٍ ونقي، بلا معارك ولا صراعات ولا جهاد ولا عنف!
رغم المثالية المفرطة للفيلم، إلا أن حراس العقيدة لم يتسامحوا..
فكيف يجرؤ ويرمِّز للرسول بالضوء وبحركة الكاميرا؟! “إلا رسول الله”.. “بأبي انت وأمي يا نبي الله”.. “لنقطع رأس المخرج الكافر”..!
إن التطرف والإرهاب لن يعاقبك فقط على الاختلاف معه.. إنه سيعاقبك حتى لو نافقته وقدمته في صورة مثالية لا تتوافق مع معاييره الصنمية الصارمة.
قدّم العقاد الإسلام في مشاهد راقية ومصنوعة بمعايير عالمية.. وبانتقائية تم انتقاده عليها من الناحية الدرامية، خاصة وأنه أهمل حقائق ذكرتها حتى أمهات كتب السيرة المعتمدة.
عند صعود “داعش”، سخر البعض قائلين إن “داعش” هي المشاهد المحذوفة من فيلم الرسالة!
هذه المشاهد المحذوفة قتلت المخرج، الذي أراد تقديم صورة حضارية للإسلام، في تفجيرات إرهابية في عمان عام 2005.
الخلاصة أن مفهوم الإساءة عند التطرف والإرهاب واسع جداً..
إذا قلت إن الرسول لم يقتل معارضيه، ولم يتزوج طفلة في الثامنة، ولم يأمر بالنهب والسبي.. قد يرى البعض في ذلك إساءة تستاهل قطف رأسك.