مقالات رأي

من الأخلاق الدينية إلى الأخلاق المدنية

في رحلة شهر العسل إلى القاهرة ذهبت إلى سور الأزبكية لأعثر على نسخة قديمة جداً لكتاب “هذا أو الطوفان”.

كتاب أبى ورثة المرحوم خالد محمد خالد إعادة طباعته وكأنهم يخافون من تسليط الضوء على المرحلة العلمانية للأزهري الشجاع.

الكتاب قنبلة فكرية انشطارية يبدأ من أفكار بسيطة لكنها جريئة تثير كل فكرة خلخلة في أفكارنا السائدة عن النفس والإنسان، لتقود كل فكرة إلى أفكار أخرى تتفجر عبر صفحات الكتاب دون أن تتيح للقارئ التقاط أنفاسه.

العنوان الفرعي للغلاف هو “بحث هادف موضوعه أخلاقنا من جديد”.

وتحت العنوان الفرعي على الغلاف أيضاً عبارة هي مفتاح الروح التي يشيعها الكتاب “بدون شجاعة لا توجد حقيقة… وبدون حقيقة لا توجد فضيلة”.

لا يمهل الكتاب القارئ ليفتح صفحته الأولى ليتعرف على هدف الكتاب، فالغلاف يقول وبوضوح أن “الحقيقة” أي العلم والتجربة والبرهان هي أساس الفضائل.

في أول صفحتين للكتاب يضع المؤلف أول أفكاره الانشطارية “تطورية الأخلاق”. فالفرق بين الإنسان والحيوان هو التكيف (التطور)، ففي صراع الإنسان مع بقية الحيوان للسيطرة على الكوكب فاز الإنسان لأنه يتكيف ويسعى دائباً لترقية نفسه.

ويفتتح الأزهري نظرته للأخلاق بداروين وعبارته “إن الضمير، أو الحس الأخلاقي هو أظهر فاصل بين الإنسان والحيوان”. فللحيوانات أخلاقها أيضاً لكن الفرق بينها وبين الإنسان أن أخلاقها ثابتة بينما أخلاق الإنسان متغيرة، لا يتوقف الإنسان عن التسامي بأخلاقه وتقاليده وعاداته.

الأخلاق إذاً صناعة بشرية وليست نصاً من السماء.

أما ما كان يدعوه الأقدمون “الأخلاق الدينية” فليست أخلاق الدين بقدر ما هي أخلاق الكهنة. ولأن الدين ثابت والأخلاق متغيرة، فليس نافعاً أن نقيم الأخلاق على الدين.

فلو أقمناها على النص الديني لتقدست وتخلدت وحرم الإنسان من إرادة التكيف والتسامي، تلك الإرادة التي حالته من كائن بدائي أقرب للحيوان إلى إنسان عاقل.

واذا أردنا أن نعرف ما هي الفضيلة وما جوهر الأخلاق المبتغاة وجب أن نبحث عنها داخل الإنسان ذاته.

يقول خالد في كتابه، إن هناك تصورين رئيسين للأخلاق: التصور الديني والتصور العلمي، وهو يؤثر التصور العلمي بلا مواراة للأسباب التالية:

أولاً: يتيح التصور العلمي لنا فرصة الكشف عن المصادر الحقيقية لأخلاق الناس وسلوكهم التي تتمثل في تكوينهم الجسدي والنفسي والبيئي.

على عكس التصور الديني الذي يرى الأخلاق نتيجة لإرادة الله أو لنزغات الشيطان.

ثانياً: يؤكد العلم على المسؤولية الأخلاقية للإنسان؛ لأن السلوك الأخلاقي نتاج للإنسان وأعصابه وغدده وغذائه وتربيته وبيئته، بينما يقدم لنا التصور الديني رؤية غامضة لمصدر الأخلاق خارج الإنسان لا داخله.

ثالثاً: يؤكد العلم على قدرة الإنسان على تطوير أخلاقه والسمو بها.

فقد تخلى الإنسان عن النهب والسرقة والسبي والاغتصاب وحصر القتل في حالات الدفاع عن النفس أو الوطن، وأعطى للمرأة حقها بعد أن كانت تابعة مسلوبة. أما التصور الديني فلا يتيح فرصة لتطور الأخلاق لأنه يراها منزلة ونهائية وكاملة.

رابعاً: يكشف العلم عن المعايير الصحيحة الفضيلة.

 فقد نصف شخصاً ما أنه زاهد وهو في حقيقته بليد، وقد نصف شخصاً أنه قنوع بينما هو في حقيقته عاجز، وقد نصفه بأنه ضال وهو في الحقيقة على الطريق الصحيح.

 إن المعايير الدينية للفضيلة تزيف وتحرف معاني الأخلاق كما أنها قد تزيف الحلول أيضاً. فالصلاة والصوم والحج لا علاقة لها بالأخلاق، لأنك يمكن أن تكون متديناً وأنت مشحون من داخلك بالعقد النفسية. فالصلاة لن تعالج آفات الخجل والخوف والانكفاء على الذات والتطلع الجنسي.

 كما أن التدين ليس السبيل الأوحد للأخلاق؛ فقد يلتزم الرجل بالشعائر الدينية ويظل مع ذلك مجرداً من الفضائل.

والتدين ليس علاجاً للكبت أو الاكتئاب أو الخوف، فإذا أردنا علاج مثل هذه الاضطرابات بالتدين فأننا نجازف بتحويل الدين إلى انفعال مرضي.

والتدين المرضي كما نشاهده يومياً يتجلى في سلوكيات خطرة مثل التعصب الأعمى، وكراهية المرأة وتحقيرها، والخوف المرضي من الرذيلة، والمبالغة في التحريم، ومحاولة إجبار الناس على الصلاة والامتناع عن الفنون والموسيقى، وربما يصل إلى العنف والإرهاب.

إن استخدام الدين لكبت الغرائز بدلاً من استخدام العلم لترقيتها وتصريفها أشبه بصناعة ألغام متحركة.

إن الدين يهتم بالفضيلة وله دور مهم في الحث على الفضائل، لكن مشكلة الدين أنه يدعونا للتخلق بأخلاق الله وهذا مستحيل إلا لو تحولنا إلى آلهة.. أما العلم فيدعونا للتخلق بأخلاق الإنسان.

وأخلاق الإنسان هي أخلاق متطورة، مبنية على التطور العلمي والاجتماعي والاقتصادي، تحترم غرائز الإنسان ولا تكبتها، وتقدم فهماً حقيقياً للفضائل.

إن شعار التصور العلمي للأخلاق هو “السعادة لا التقوى”..

فالسعادة هي التناغم بين العقل والغريزة والتعبير السليم عن غرائزنا دون أن نؤذي أنفسنا أو نؤذي الآخرين.

أما التقوى فهي قهر النفس وإذلالها وصولاً إلى هدم طبيعتنا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى