في الواجهة

كيف يخترق الحوثيون الجيش والشرعية

  • اعترافات خلية تجسس حوثية تكشف حجم الاختراق الحوثي الكبير لوزارة الدفاع والجيش في مأرب

  • بطل الخلية وصل إلى مأرب، فحصل على رتبة عسكرية وتم تعيينه ضابط أمن لدائرة مستودعات الجيش

  • مدير دائرة المستودعات في دائرة الاسناد اللوجستي بوزارة الدفاع عضواً في خلية التجسس الحوثية

  • كشف الجاسوسان تحركات الجيش للحوثيين وسهلا لهم الكثير من عمليات القصف للجيش في مأرب

  • قصف معسكر صحن الجن، ومحاولة اغتيال وزير الدفاع، وقصف معسكر الميل، كان وراءها الجاسوسان باسم والأمير

  • كان الأمير يتقلد منصب مدير دائرة المستودعات في هيئة الإسناد اللوجستي ومن خلال منصبه جعل الجيش وقادة وزارة الدفاع مكشوفين للحوثيين

  • معلومات عن جواسيس حوثيين آخرين يتقلدون مناصب رفيعة في وزارة الدفاع وقوات الجيش والأمن

  • نشطاء: إلى متى سيظل الهاشميون يخترقون الحكومة والدفاع والجيش؟

  • معلومات: مليشيا الحوثي مخترِقَة لمكتب رئيس الجمهورية، ومكتب نائبه، ومكتب الارتباط مع التحالف العربي عبر بعض الهاشميين.

مأرب- عدن- “الشارع”- تقرير خاص:

بثت الفضائية اليمنية الرسمية، مساء الجمعة الفائتة، فليماً توثيقياً هاماً، بعنوان “خيوط العمالة”، يُظهِر الاختراق الحوثي الكبير للجيش والأجهزة العسكرية والأمنية في محافظة مأرب، ويؤكد وجود قيادات في مناصب رفيعة في الجيش تعمل لصالح مليشيا الحوثي.

وتطرق الفيلم، الذي أعدته دائرة التوجيه المعنوي في الجيش الوطني، إلى أن مليشيا الحوثي تمكنت، سابقاً، من استهداف “اجتماعاً سرياً لوزير الدفاع، واجتماعاً سرياً آخر لرئيس هيئة الأركان العامة”، وقال إن ذلك “يؤكد، بما لا يدع مجالاً للشك، وجود خلية حوثية ترصد تحركات القيادات العسكرية”.

وطبقاً للفيلم، فإن أجهزة الاستخبارات العسكرية في الجيش الوطني، بدأت، بعد ذلك، “بإجراءات أمنية مشددة، بحثاً عن خيوط الخيانة”. وصولاً إلى هذه الحقائق التي يكشفها الفيلم. من خلال اعترافات بطل خلية التجسس الحوثية المدعو باسم علي عبده سعيد الصامت، وهو من مواليد مدينة ذمار، وتقيم أسرته في قرية “الخسف”، مديرية صبر، محافظة تعز.

وبحسب الفيلم، تم القبض على باسم الصامت وهو يُصَوِّر في القاعدة الإدارية، المعروفة بـ “معسكر صحن الجن”، وتم نقله إلى الاستخبارات العسكرية، وبعدها تم القبض على خالد الأمير. الضابط الكبير في وزارة الدفاع، الذي كان يسهل لباسم عملياته ويمده بالمعلومات.

وعُثِرَ في تلفون “الصامت” على صور لمخازن التسليح في “صحن الجن” قبل أن يتم قصفها من قبل مليشيا الحوثي، في 4 فبراير الماضي. بالإضافة إلى “صور لمخازن التسليح في المنطقة العسكرية الثالثة”، قبل قصفه.

في الفيلم الوثائقي، يظهر عضو ثانٍ في خلية التجسس الحوثية، وهو ضابط ومسؤول رفيع المستوى في وزارة الدفاع، في مأرب. لكن الثابت، وفقاً لكثير من الشواهد والمعلومات، أن قائمة الخونة طويلة، وتضم مسؤولين وقادة كبار في الجيش يعملون في مأرب بما يخدم صنعاء ومليشيا الحوثي.

الضابط والمسؤول العسكري الكبير، الذي أورده الفيلم باعتباره أحد أعضاء خلية التجسس الحوثية، هو العميد الركن خالد الأمير، مدير دائرة المستودعات في هيئة الإسناد اللوجستي في وزارة الدفاع. وحسب الفيلم، فـ “الأمير” هو خال باسم الصامت، وعَمِلَ “الأمير”، ومسؤولون آخرون في الجيش، على تسهيل دخول “الصامت” إلى معسكرات الجيش، ومباني وزارة الدفاع في مأرب، ومكنوه من إرسال إحداثياتها، وإحداثيات مواقع فيها، إلى مليشيا الحوثي، التي كانت تقوم، وفقاً لذلك، بقصفها بالصواريخ الباليستية، وطائرات بدون طيار مفخخة، ما أدى إلى سقوط مئات القتلى والجرحى، ودمار كبير وخسائر كبيرة؛ لا سيما وأن عمليات القصف استهدفت مخازن للأسلحة.

ويكشف الفيلم الوثائقي أن باسم الصامت أرسل (بمساعدة قادة عسكريين آخرين طبعاً) إحداثيات كثير من المواقع العسكرية في مأرب إلى مليشيا الحوثي قبل قصفها، أبرز المواقع التي تم قصفها، بموجب إحداثيات ومعلومات رفعتها خلية التجسس الحوثية، مسجد معسكر الميل التدريبي، شمال مدينة مأرب. حدث ذلك مساء 19 يناير الماضي، وأدى إلى مقتل أكثر من مائة جندي، وإصابة عشرات آخرين، بحسب إعلانات رسمية ومصادر مؤكدة. إضافة إلى قصف معسكر الميل الذي ارتكبت فيه المليشيا “جريمة دامية”.

وقال العميد ركن عبد الملك المحمدي، رئيس شعبة الاستخبارات في المنطقة العسكرية الثالثة، في حديثه خلال الفيلم، إنه تم قصف معسكر الميل “بصاروخ باليستي، وطائرتين [بدون طيار] مفخختين”. ويضيف: “بدأنا ندقق، فوصلنا إلى الشخص المطلوب، ورأس الخلية”.

وبحسب الفيلم، فإن الاستخبارات العامة “كثفت الرقابة على الضابط المشتبه به [باسم الصامت]، فكانت كل تحركاته تضاعف شكوك ارتباطه بالجماعة الحوثية”، و “لم يدم الأمر كثيراً، فقد رصدته الاستخبارات أثناء التقاطه صوراً لآليات تابعة للجيش الوطني. عبر الأجهزة اللاسلكية، صدرت الأوامر بإيقافه للتحقيق معه، ولأن بحوزته جهازاً لاسلكياً فقد غادر المكان على متن دراجته النارية، وعلى متن الدراجة، حاول كسر هاتفه النقال، لكن أفراد الاستخبارات العسكرية كانوا أسرع منه، فقد تمكنوا من انتزاع الهاتف منه قبل كسره. كان خوفه على هاتفه أكبر من خوفه على نفسه، وكان من الواضح وجود ملفات خطيرة في هاتف المشتبه به”.

هاتف “باسم الصامت” كان يحوي ملفات كثير مهمة وخطيرة أكدت أنه يعمل جاسوساً لمليشيا الحوثي، وكشفت معلومات وأشخاص آخرين مرتبطين به، ومرتبط بهم في مأرب وصنعاء. وأثناء التحقيق معه، اعترف بطبيعة مهمته، وكثير مما قام به.

كيف تم تجنيد الجاسوس

كان باسم الصامت يوثق كل شيء في هاتفه؛ منذ مرحلة تجنيده للعمل جاسوساً لصالح الحوثيين، حتى يوم القبض عليه. الفيلم التوثيقي، استعرض عملية تجنيد “الصامت” للعمل كجاسوس لمليشيا الحوثي؛ “استناداً إلى الوثائق الهامة التي عُثِرَ عليها في هاتفه، إضافة إلى اعترافاته وسرده لتفاصيل الخيانة”.

كيف تمت عملية تجنيده؟ يقول باسم الصامت، متحدثاً بالصوت والصورة في الفيلم: “أجى لي زيد المؤيد، كان يجي يِدِّي لي قات، أخزن أنا وهو داخل البيت، ويشل مني معلومات عن.. أكلمه.. قال: ما رأيك ترجع تشتغل في مأرب؟ يعني أتجند مع الحوثيين، وأرجع اشتغل في محافظة مأرب. قُلتُ له: على أي أساس؟ قال: يعني بمعلومات، ما لك دخل بحرب ولا بأي حاجة. قلت أنا: تمام”.

وزيد المؤيد، طبقاً للفيلم الوثائقي، هو “قيادي حوثي من محافظة ذمار، يعمل ركن الاتصالات لكتيبة التدخل السريع الحوثية، وهو من جَنَّد الجاسوس باسم الصامت، وأقنعه بالعمل لصالح الحوثيين، وقد تعمقت العلاقة بينهما أثناء مرحلة التدريب”.

في فبراير عام 2019، وبحسب الفيلم، حَلَّ باسم الصامت ضيفاً في حفل زفاف زيد الضابط المسؤول على تجنيده. ومن الغريب أن باسم كان يصور كل صغيرة وكبيرة، بما فيها زيارته الودية إلى منزل زيد المؤيد”. ويعرض الفيلم جزءاً من المقطع وصور باسم إلى جانب زيد في حفل زفاف الأخير، ما يؤكد قوة علاقتهما على المستوى الشخصي. الذي يبدو أن المدعو زيد المؤيد استغلها في إقناع “باسم” للعمل جاسوساً للحوثيين.

“من مدينة ذمار، سافر باسم بصحبة زيد المؤيد، وشقيقه علي المؤيد، إلى مدينة صنعاء، للقاء بقيادات حوثية عليا تُدِير الخلايا الحوثية المتواجدة في محافظة مأرب، والتقى بأحد القيادات الأمنية الحوثية يدعى قُصِي”. يتحدث “باسم” موضحاً: “وصل قُصِي هذا يجابرني، قال: شوف أي واحد أنا أتعامل معه، أغطي رأسه وأتجابر معه [أتكلم معه]، بس أنت لأنك جئت عن طريق أبو أسامة، فعادي، نحن أخوة كلنا، ما بش شيء. نشتي عملك يكون توثيق، أي حاجة توثقها عن طريق أيفون”.

كتيبة التدخل السريع الحوثية تتخذ من منزل مقراً لها وسط حي سكني

يعمل زيد المؤيد، بحسب الفيلم المتضمن اعترافات باسم الصامت، ركناً لاتصالات كتيبة التدخل السريع الحوثية، والتي يبدو أن مقرها في أحد أحياء صنعاء المكتظة بالسكان المدنيين، يسرد الفيلم:

“في اعترافات الجاسوس باسم عن مرحلة التجنيد، لفت انتباهنا شهادات خطيرة تتعلق بحياة المدنيين في مدينة صنعاء، فقد أكد أن كتيبة التدخل السريع التابعة للحوثيين، والتي يعمل زيد المؤيد ركناً لاتصالاتها، تتمركز بأسلحتها وذخائرها في وسط حي مكتظ بالسكان، ويؤكد أنه رأى ركن التسليح لهذه الكتيبة، المدعو أبو زينب، يوزع الأسلحة داخل المنزل لعناصر جديدة جُنِّدت في الكتيبة”. لتأكيد ذلك، ينقل الفيلم الحديث إلى “باسم”: “دخلنا بيت صاحبه يدعى أبو زينب، البيت في حي الجراف، جمب [جوار] حمام حي الجراف. دخلنا هذا البيت، وموجود أفراد، يتوافد أفراد إلى داخل هذا البيت، من أرحب ومن عمران ومن المناطق المجاورة لصنعاء، يتوافدوا إلى داخل هذا البيت حق التدخلات السريعة. البيت كبير، فيه مجلس كبير، واتضح لي أن أبو زينب هذا ماسك المالية وركن البشرية والتسليح لكتيبة التدخل السريع، كان الأفراد الذين بيجوا [يأتوا] يخرج لهم أسلحتهم من داخل البيت، يِدِّي [يجيب] لهم أسلحتهم، ويِدِّي لهم المصروف الذي يتحركوا به، حق الطريق”.

وبحسب الفيلم فإن المدعو “أبو زينب” يوزع الأسلحة من داخل منزله للعناصر الجديدة المنظمة إلى كتيبة التدخل السريع الحوثية. لكن “باسم” قال إن “أبو زينب” يوزع الأسلحة والأموال لجميع أعضاء هذه الكتيبة، عندما يتم تكليفهم بالتوجه إلى مهمة ما. وهذا هو ما يحمي مقاتلي الحوثي، ويحد من تأثير قصف الطائرات الحربية لهم؛ فهم، شأن العصابات، لا يتمركزون في معسكرات رئيسية، بل يتوزعون على المنازل السكنية، ويتحركون ويقاتلون بطريقة حروب العصابات.

إحدى مهام الجاسوس: تكوين جهاز أمن قومي للحوثيين في مأرب

“بعد أيام قضاها برفقة زيد المؤيد، أصبح الجاسوس باسم جاهزاً للخيانة، ليوجه بعدها إلى مدينة مأرب، ليحط رحاله في منزل خاله، ويخبره إنه سيعمل لصالح الحوثيين: “أول عمل بدأت أقوم بها لصالح الحوثيين، داخل محافظ مأرب.. يوم العيد اتصل بي أبو فارس [فيما عدا كنيته هذه لم يذكر الفيلم أي تفاصيل أخرى عن هذا الشخص]، يقول لي: تقدر تدبر لك مائتين ألف، ثلاثمائة ألف، أربعمائة ألف، بهذا المبلغ، تتحرك به إلى الوديعة؟ قال: هو الآن في فندق أصل العرب، أو أصل العروبة، في الجناح رقم ستة، ادخل اتأكد إنه موجود بس.. با تقدر تصفيه؟ قلت لهم: ما بقدر”.

وتكشف هذه الاعترافات الذي يسردها باسم في الفيلم إلى أن الحوثيين طلبوا منه تصفية شخص ما ورفض، يوضح رئيس الاستخبارات في المنطقة العسكرية الثالثة، بعض ملابسات هذه العملية: “وجد [“باسم”] الشخص المطلوب قد غادر. كُلِّف من الأجهزة الأمنية للعدو بأن ينتظر حتى تصل أسرة هذا الشخص المطلوب، لكن لحسن الحظ لم تصل، فاضطر إلى العودة إلى مأرب”. تعود الكاميرا إلى “باسم”، فيقول: “[قال لي أبو فارس].. العائلة حقهم في الطريق، خَلِّيك عندك، والصباح بارد لك خبر إنك تغادر. اجلس للصباح”.

على صوت موسيقى تصويرية، يواصل الصوت السارد في الفيلم، إيراد القصة: “على الرغم من فشل باسم في تنفيذ المهمة القذرة، إلا أن حماسته للجريمة جعلت الحوثيين يستدعونه إلى العاصمة صنعاء ليخضع للتدريبات اللازمة”. تنتقل الكاميرا إلى عبدالملك المحمدي، الذي يوضح: “عندما سافر [“باسم”] إلى صنعاء، خضع لدورات في الأمن القومي التابع للمليشيات الحوثية، ومن ضمن أعماله، والمهام التي أسندت إليه، تكوين جهاز الأمن القومي [حوثي] في محافظة مأرب”.

خبراء إيرانيين يديرون القوة الصاروخي لمليشيا الحوثي

“وصل الجاسوس باسم إلى العاصمة صنعاء، والتقى بزيد المؤيد، وشخص آخر يدعى صقر الحضرمي، ومن نافذة الفندق الذي أقاموا فيه، التقط هذه الصور [يُظهِر الفيلم صور فوتوغرافية صورها “باسم” لمناطق تقع جوار الفندق في صنعاء]”. ينتقل الحديث إلى الجاسوس باسم، فيقول: “أول ما تحركت من هنا [من مأرب]، اتواصل بي زيد المؤيد، عن طريق علي المؤيد، ورسلوا لي بخمسين ألف حق مواصلاتي إلى صنعاء. وصلت إلى داخل صنعاء، التقيت بزيد المؤيد، وواحد اسمه صقر الحضرمي، وطلعنا فندق رَيَّحْنا، على أساس نلتقي، في اليوم الثاني، مع أبو فارس”.

 يوضح الفيلم: “بعد ترتيبات أجراها زيد المؤيد، كان الجاسوس باسم على موعد مع لقاء يجمعه بالقيادي الحوثي عبدالحكيم الحوثي، رئيس ما يسمى جهاز الأمن التابع للجماعة الحوثية”. في الفقرة التالية من الفيلم، يتحدث “باسم” بما يفيد أن “أبو فارس” ليس عبدالحكيم الخيواني، بل قيادي حوثي آخر.

يورد الفيلم مقطع فيديو قال إن الجاسوس باسم صَوَّره “وهو في طريقه إلى أحد منازل صنعاء القديمة للقاء بـ عبد الحكيم الخيواني”. يوضح “باسم”، متحداً بالصوت والصورة: “بَكَّرنا ثاني يوم، وصلنا إلى عند السايلة، وطلعنا بيت قديمة في صنعاء القديمة، على طيرمانة [غرفة مَقِيْل في أعلى المنزل]، مطلة على صنعاء. قالوا: احنا اخترنا لك هذا المكان عشان تِرَيِّح من جو مأرب. طلعنا للطيرمانة، وصلت وفي الزُّوُّة [الركن الرئيسي للغرفة] عبدالحكيم الخيواني، رئيس الأمن القومي، طرحوا لي مدكا جواره، قالوا: اجلس أنت هنا. وجلس مقابل لي أبو فارس [هذا يعني أن أبو فارس ليس الخيواني] وعباس وزيد المؤيد وعلي المؤيد، وجاء اثنين، من بعدهم مقنعين، وجلسوا جواري، قالوا لي: عِيد الكلام الذي قُلتهُ أمس للمسؤول، عبدالحكيم الخيواني. وشل مني المعلومات كاملة، وقال: خلاص، أنا با أبقيك أنت والقوات الصاروخية سيأخذون منك معلومات عن المواقع.. وخرج له [الخيواني غادر].

يضيف الجاسوس: واحد منهم جاب لي أيباد داخله برنامج حديث ما رضوا يرسلوه لي، برنامج حديث يتضمن كل التفاصيل، وكل المواقع، برنامج حديث بكتابات إيرانية، ما قد وجدته، طلبته منهم، وما رضوا يجيبوه لي”.

يكشف الفيلم “من خلال اعترافات الجاسوس باسم، أن الخبراء الإيرانيين يديرون القوة الصاروخية التابعة للحوثيين”، ثم يتحدث “باسم” واصفاً الخبراء الأجانب الذين التقى بهم في ذلك الاجتماع: “ثِخَان [سِمَان]، جثث [أجسامهم كبيرة].. قال لي زيد المؤيد: ذولاك [أولئك] اثنين عراقيين وواحد إيراني”. ويؤكد “باسم” انه تلقى، في ذلك الاجتماع، “من الخبراء الإيرانيين تعليمات مفصلة بآلية العمل معهم”، وأوضح أنهم دَرَّبُوه على كيفية تحديد الإحداثيات للمواقع التي يراد قصفها، عبر برنامج تحديد المواقع، وإرسال إحداثياتها إليهم.

“بعد ارتباطه بالخبراء الإيرانيين، أصبح باسم أخطر جاسوس يعمل لصالح الجماعة الحوثية [في مأرب]، حتى كادت الإحداثيات، التي سيسربها لاحقاً، أن تقضي على وزير الدفاع، ورئيس هيئة الأركان العامة للجيش الوطني: “جابوا لي تلفون، قالوا با نجيب لك تلفون على أساس ما تستخدم تلفونك، وكون استخدم التلفون الي با نجيبه لك، مع شريحة، بهذه الشريحة كون تواصل معنا بس، ولا تتواصل بها مع أي مخلوق ثاني”. يقول الجاسوس باسم.

عاد باسم إلى مدينة مأرب، وتكفلت الجماعة الحوثية بإيجار منزل فخم له مطل على مدينة مأرب، وأغدقت عليه بالمكافآت المالية، ومنحته صلاحيات تجنيد واستقطاب جواسيس آخرين. يعترف باسم: “قالوا با نعتمد لك إيجار بيت مع مصاريفها، رسلوا لي بقيمة موتور [دراجة نارية]، وقالوا با يرسلوا لي بقيمة سيارة. رسلوا لي بقيمة سيارة، وإيجار بيت، ومصاريف للبيت من كل النواحي. قالوا: زد جَنِّد لك أفراد، وسندفع لهم رواتب شهرية”.

مسؤول عسكري كبير عضواً في خلية التجسس

في مأرب حصل باسم الصامت على وظيفة عسكرية في وزارة الدفاع بسهولة تامة، ومن خلال العميد الركن خالد الأمير، مدير دائرة المستودعات في هيئة الاسناد اللوجستي في وزارة الدفاع في مارب، وهو أحد أفراد خلية التجسس الحوثية، كما يكشف الفيلم “وبحكم منصبه فقد عَيَّن باسم الصامت ضابط أمن الدائرة، وسَهَّل تحركاته في قيادة وزارة الدفاع”. ولم يمنعه من ذلك كبر سنه ومعاناته من الأمراض المزمنة ، إلا أنها لم تمنعه من الخيانة، “بل وشَجَّع باسم على ذلك، وعُقدت بينهما صفقة على تقاسم أرباح الخيانة”. بحسب الفيلم.

يعترف “الأمير”: “عندما عاد باسم من صنعاء أجى لعندي وكلمني على أساس أنهم اتفقوا، هو والقيادة الحوثية في الأمن القومي، على أساس انه يوافيهم بمخططات ومراكز قيادة القوات المسلحة سواءً وزارة الدفاع أو قيادة العمليات المشتركة، أو مخازن التسليح. وكان باسم يأخذ مني المعلومات، مثلاً عن معسكر الرويك، عن معسكر التدريب [معسكر الميل]، أين موقعه بالضبط، ونصحح له بعض المفاهيم التي هو مش فاهم لها”. هنا، يقرُّ “الأمير” بتورطه المباشر في “المذبحة الدامية” التي أودت بحياة أكثر من مئة جندي، وإصابة عشرات آخرين، في معسكر الميل. كما يعترف بأنه متورط، أيضاً، في جرائم أخرى حدثت جراء قصف مليشيا الحوثي لمواقع عسكرية أخرى في مدينة مأرب.

3 ملايين مكافأة على رفع إحداثيات اجتماع رئيس الأركان

أفاد الفيلم أن مليشيا الحوثي “حاولت تحقيق أهم أهدافها عن طريق” خالد الأمير وباسم الصامت، “فقد تابعا معاً تحركات أهم القيادات العسكرية، ممثلة بوزير الدفاع ورئيس هيئة الأركان” وفي نهاية أكتوبر من العام 2019، رفع الجاسوس باسم، بتسهيلات من خاله العميل خالد الأمير، إحداثيات لاجتماع ضم وزير الدفاع، وعدداً من القيادات العسكرية. أسفر القصف عن استشهاد أحد مرافقي وزير الدفاع”. يظهر “باسم” متحدثاً: “.. وأنا على خرجتي، قُلتُ له: حَصَّلت سيارات صوالين داخل، قال: ارجع، ارجع لداخل الصحن [صحن الجن، وهو قاعدة إدارية عسكرية فيها مقر وزارة الدفاع، ومقر العمليات المشتركة، ومقر التحالف العربي، إضافة إلى ألوية ووحدات عسكرية]. رجعت إلى داخل الصحن، قال لي: الآن با يدخل المقدشي [وزير الدفاع]، شوف وين با يجلسوا، وين با يكون الاجتماع. قلت له: دخلت الأطقم باتجاه وزارة الدفاع. قال لي: “خلاص، خَلِّيك مكانك، خَلِّيك قريب بعيد، في مكان فيه تغطية [للاتصالات]”، وأنا جلست جوار المالية.. اتصلت به، قلت له: با تستهدفوا أخرج لي من هنا؟ قال لي: لا، خَلِّيك مكانك. بعد شوية، اتصل بي هو، وقال لي: صَوَّرت؟ قلت له: وصل [الصاروخ]. رحت التنسيق، وصورت له أول ما نزل [الصاروخ] وأين انطرح”.

يستطرد الفيلم: “بعد أقل من أسبوعين، رفع الجاسوس بإحداثية لاجتماع عسكري آخر ضم رئيس هيئة الأركان العامة للجيش الوطني، وأسفر القصف عن استشهاد مجموعة من الضباط”. يقول باسم: قال لي: “اتحرك، صغير بن عزيز [رئيس هيئة الأركان] الآن متواجد داخل [داخل مقر العمليات المشتركة]، مجتمعين داخل هو وقيادات التحالف، ومدري من (..)”، قال لي: “الآن يجهزوا [الحوثيين]، با يستهدوا [يقصفوا] الآن”. وضربوا الصاروخ الأول. قال لي: “با نستهدف الآن بصاروخ ثاني”. قلت له: قد خرج [بن عزيز]”.

مقابل ما قام به يومها، حصل باسم الصامت من مليشيا الحوثي على ثلاثة ملايين ريال كمكافأة، “تسلمها من تاجر في مأرب يعمل لصالح الجماعة الحوثية”؛ كما جاء في الفيلم. يظهر “باسم” مؤكداً: “الثلاثة المليون هذه [استلمتها] بعد استهداف مقر العمليات المشتركة.. رَسَّل لي بمائة ألف دعم من أبو فارس.. رجع اتصل لي أبو فارس، وقال لي: أنت بحاجة كم؟ قلت له: أنا بحاجة ثلاثة ملايين. قال: با أرسلها لك عبر تاجر، ما يصلح أرسلها باسمك”.

حاولت مليشيا الحوثي قتل رئيس هيئة الأركان، أكثر من مرة. ومنذ ديسمبر 2019، وحتى مايو 2020، قصفت المليشيا أكثر من اجتماع عقده “المقدشي” و”بن عزيز” لقيادات الجيش في مأرب. وكان من الواضح أن هناك اختراقا حوثيا كبيرا لقوات الجيش في مأرب؛ ذلك أن عمليات القصف جرت لاجتماعات تعقدها قيادات الجيش بشكل سري.

وصل الأمر إلى قصف مكتب رئيس هيئة الأركان العامة، قائد القوات المشتركة، صغير بن عزيز، في قيادة القوات المشتركة، داخل “صحن الجن”. حدث ذلك في العاشرة من مساء 26 مايو الماضي، وبأعجوبة، نجا رئيس الأركان من الموت؛ فالصاروخ الباليستي سقط في مكتبه مباشرة، بعد دقائق من مغادرته له. وأدى ذلك القصف إلى مقتل سبعة عسكريين؛ بينهم نجل رئيس هيئة الأركان العامة (النقيب فهد صغير بن عزيز)، وابن شقيقته (الملازم عبدالقوي علي بن عزيز)، إضافة إلى مرافقيه: الملازم صخر أمين صادق كزمة، والملازم عمر العري، وعتيق العيدي، وصدام العيدي، وبشير القدمي.

 وأدى الهجوم الصاروخي، أيضاً، إلى سقوط عدداً من الجرحى. حينها، أوردت “الشارع”، في تقرير خاص، إن قصف مكتب “بن عزيز” تم “بناءً على معلومات استخباراتية أكدت للمليشيا إن رئيس الأركان متواجد في مكتبه”.

وتفيد المعلومات أنه عُثِرَ في تلفون “باسم” رسائل من قادة حوثيين يصرون عليه بمتابعة صغير بن عزيز وتحديد المكان الذي يستقر فيه، وإبلاغهم بذلك سريعاً كي يقومون بقصفه.

محاولات فاشلة لقصف منصات الاحتفالات العسكرية

استمر الجاسوس باسم، بتسهيل من خاله، في تسريب كل ما وصل إليها من معلومات، وفي تنفيذ كل ما يطلبه الحوثيون منهما. بحسب ما ورد في الفيلم الذي أظهر صوراً وُجِدَت في تلفون “باسم”، وهي لآليات عسكرية. “وتظهر الصور رصد الجاسوس باسم لتحركات الآليات العسكرية، ورفعه لكل إحداثيات استطاع الوصول إليها”.

وفي الفيلم، يتحدث باسم الصامت عن قيامه برفع إحداثيات لمواقع قامت مليشيا الحوثي بقصفها بالصواريخ. ومنها: رفع إحداثيات لقصف منصات احتفالات تخرج الدفاع العسكرية المتخصصة في مأرب. يستدرك الفيلم: “إلا أن الوحدات العسكرية تتعامل بسرية تامة في ما يتعلق بمكان الاحتفالات وزمانها”.

يعترف “باسم”: قال لي: “اتأكد لنا فين با يكون الاحتفال. بَكَّرت الصبح، شَلِّيت موتور، خرجت إلى هناك، وأنا في الطريق اتصل لي، وقال لي: هم خلف الصحن [خلف قاعدة صحن الجن]، هم الآن بـ يحتفلوا خلف الصحن، اتحرك إلى هناك وشوف لنا وين هم، في أي مكان بالضبط. مشيت إلى هناك، وعادنا جمب سوق السلاح شفت الدِّيَنَّات راجعات متحملة أفراد [جنود]. قال لي: عادهم يحتفلوا. صورتهم له وأرسلتها له. قال لي: خلاص ارجع، قد كملوا الاحتفال”.

قيادة مليشيا الحوثي، طلبت من جاسوسها، تصوير ورفع احداثيات منزل البرلماني السوادي في مأرب. يؤكد “باسم” إنه صور المنزل، وأرسل بالصور إلى قيادي حوثي، وأبلغه إنه لا يوجد مسلحين في المنزل وحوله، وإنما أطفال. قصفت مليشيا الحوثي المنزل، فقتل مدنيون بينهم أطفال. حاول “باسم” إخلاء مسؤوليته، فأفاد ما يعني أنه احتج على ذلك، فطلب منه القيادي الحوثي، بنبرة حازمة، ترك الحديث عن هذا الموضوع.

يقول عميد ركن عبدالملك المحمدي، في الفيلم، إن الأجهزة الأمنية والعسكرية في مأرب كشفت “خلايا نائمة كثيرة قبل أن تصل إلى أهدافها”.

تعيين الجاسوس ضابط أمن دائرة المستودعات وصرف جهاز لاسلكي له

قال الفيلم الوثائقي إن باسم الصامت هو أخطر جاسوس حوثي في مأرب. لكن المعلومات تؤكد أن هناك جواسيس أكثر خطراً منه؛ جواسيس يتقلدون مناصب رفيعة جداً في وزارة الدفاع والجيش الوطني.

إن خطورة الجاسوس باسم الصامت تنبع من المسؤولين العسكريين الذين مكنوه من دخول جميع مؤسسات الجيش ووزارة الدفاع في مأرب. فلولا هؤلاء المسؤولين ما كان “باسم” تمكن من إحداث هذا الاختراق. وهؤلاء المسؤولون يتجاوزون خالد الأمير إلى مسؤولين أرفع منه.

لم يكن بإمكان باسم الصامت القيام بمهمته لولا التسهيلات الحاسمة والكبيرة التي قدمها له خاله، ومسؤولون عسكريون آخرون في وزارة الدفاع والجيش الوطني. وصلت تلك التسهيلات حد تجنيده في الجيش ومنحه رتبة عسكرية، وتعيينه ضابط أمن دائرة المستودعات في هيئة الاسناد اللوجستي في وزارة الدفاع، وصرف جهاز لاسلكي له.

 تم صرف جهاز لاسلكي للجاسوس باسم الصامت، رغم صعوبة الحصول على ذلك. ضباط كبار في الجيش لا يحصلون على أجهزة لاسلكية. وعبر جهاز اللاسلكي، تمكن الجاسوس الحوثي من معرفة حركة قوات الجيش. هكذا، كانت تحركات الجيش في مأرب مكشوفة بشكل كبير لمليشيا الحوثي. لهذا، توالت، خلال الفترة الماضية، بشكل كبير ومريب، أعمال القصف الحوثية لمواقع عسكرية، واجتماعات قادة الجيش في مأرب.

الأرجح أن تحركات الجيش الوطني في مأرب لاتزال مكشوفة للحوثيين حتى اليوم؛ بسبب تحكم قيادات كبيرة محسوبة عليهم بمفاصل وزارة الدفاع والجيش الوطني. وقد يكون توقف أعمال القصف الصاروخية الحوثية، حالياً، على مأرب، هو توقف مناوراتي حوثي الهدف منه حماية “خلايا التجسس”، والمسؤولين الخونة؛ الذين يعملون وكطابور خامس وجواسيس لصالح مليشيا الحوثي في مأرب.

اختراق حوثي كبير يقتضي إجراءات عاجلة

لايزال باسم الصامت وخالد الأمير معتقلين في إحدى سجون مأرب، ولم يُعرَف ما إذا كانت قوات الأمن قد اعتقلت أفراد آخرين من أفراد الخلية، لا سيما الرئيسيين منهم، كالتاجر الذي حَوَّلت القيادات الحوثي عبره المبالغ المالية لـ”باسم”.

تذكر المعلومات أنه عُثِرَ في تلفون “باسم” مراسلات بينهم وبين ضباط في قوات الجيش والأمن في مأرب، ويعملون كجواسيس لصالح مليشيا الحوثي. وطبقاً للمعلومات، فقد تم القبض على اثنين من هؤلاء، فيما لم يتم القبض على متهمين آخرين، وبينهم مسؤولين كبار في وزارة الدفاع والجيش.

وأثار الفيلم جدلاً واسعاً في مواقع التواصل الاجتماعي، وتساءل ناشطون وصحفيون حول الشخص الذي عَيَّن خالد الأمير مديراً لدائرة المستودعات في هيئة الاسناد اللوجستي في وزارة الدفاع؟ وأكد بعضهم إن أحمد الولي، رئيس هيئة الدعم اللوجستي في وزارة الدفاع، هو من عَيَّن “الأمير” مديراً لمستودعات الهيئة.

وبحسب النشطاء فإن الانتماء السُّلالي هو الجامع الرئيسي بينهما وبين مليشيا الحوثي. ذلك أن “الولي” و”الأمير” ينتميان إلى ذات السُّلالة التي ينتمي إليها عبدالملك الحوثي. وتؤكد المعلومات أن هناك مسؤولين عسكريين كبار في وزارة الدفاع والجيش في مأرب ينتمون لذات السلالة، ويعملون لخدمة مليشيا الحوثي مدفوعين بالنزعات السُّلاليِّة العنصرية.

واستنكر عدد من النشطاء السياسيين الاستمرار في تمكين هؤلاء من مفاصل قيادة وزارة الدفاع والجيش، في وقت يبدو فيه أكثر من 99 % من “الهاشميين” في البلاد متعصبون لمليشيا الحوثي، بدوافع عنصرية سُلاليِّة بحتة. وأكد بعضهم أنه لا يعني ذلك بالضرورة محاسبتهم، ولكن الظرف يستدعي أعلى درجات الحيطة.

وأعاد الفيلم إثارة قضية تمكين الهاشميين في المناصب الحكومية، وهي قضية كانت قد أثيرت من قبل خصوصاً في مارب، وسجن على ذمتها بعض النشطاء والصحفيين، مثل حافظ مطير الذي سجن لأنه كان قد كتب منشوراً على صفحته في فيس بوك عن عدد من الهاشميين الذين يتقلدون مناصب حساسة في الجيش، وذكر من بينهم خالد الأمير.

وكشفت اعترافات الأمير وباسم، الجاسوسيين الحوثيين، عن عمق الاشكالية في مارب والتهديد الخطير الذي يضع الجيش في مازق، وعن السيطرة العميقة للهاشميين في مارب، بالرغم أنها في ظاهرها للإصلاح.

ويسيطر عدد من المنتمين إلى السلالة الهاشمية على العديد من الوظائف في بنية الدولة العميقة منها مكتب رئيس الجمهورية، ومكتب نائبه، وكذلك أهم الوظائف في وزارة الدفاع. وجميع دوائر وزارة الدفاع.  بما في ذلك دائرة القوى البشرية، وهو الأمر الذي يفسر لنا كيف وصلت كشوفات أفراد الجيش في مأرب إلى مليشيا الحوثي؛ إذ تقول المعلومات إن نقاط تفتيش حوثية تأخذ بطائق بعض المسافرين، وتبحث عن أسمائهم في نسخة إلكترونية لديها بأسماء أفراد الجيش في مأرب.

وطرح كل ذلك إشكالية كبيرة ويثير التساؤل حول دور “الهاشميين” في اختراق الحكومة والجيش، وحتى قوات التحالف العربي الداعم للشرعية، والذي كانت مليشيا الحوثي تعلم بأمر المواقع التي سيتم قصفها من قبل طائرات التحالف، قبل تحرك الطائرات، فتقوم بإخلائها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى