مقالات رأي
سلطان زيد.. الأحلام الرومانسية والتفاؤل الموضوعي*
باسم الحاج**
مساهمة في تدوين التراث الشفهي لليسار اليمني
“إن الناس يصنعون التاريخ بيدهم، ولكنهم لا يصنعونه على هواهم. إنهم لا يصنعونه في ظروف يختارونها هم بأنفسهم، بل في ظروف يواجهون بها، وهي معطاة ومنقولة لهم من الماضي”. كارل ماركس
تفتح الوعي السياسي والوطني لدى سلطان زيد في واقع اجتماعي بالغ التعقيد، حيث كانت ظروف التخلف والعزلة والتجزئة تفرض خوض صراع مع النظام الإمامي شمالاً، ومع المستعمر البريطاني جنوباً؛ لذا التحق في سن مبكرة بركب مجرى صناعة الأحداث، على رأسها ثورتا سبتمبر وأكتوبر.
لم يقتصر عطاء ونشاط زيد على المستوى الوطني شمالاً وجنوباً، في كونه مؤسساً وقائداً للبعض من الكيانات السياسية والمدنية والحقوقية أهمها حزب اتحاد الشعب الديمقراطي، نادي الخريجين، منظمة العفو الدولية، ومجلس السلم التضامن، والجبهة الوطنية الديمقراطية. إلى ذلك، كان بمثابة عنوان بريد وتواصل مع قوى اليسار والسِّلم العالمي، ممثلاً لليمن، مع الفعاليات والمنتديات والمهرجانات والتجمعات الأممية العالمية المناهضة للإمبريالية. ولربما كان سلطان في فترات تاريخية معينة، هو الجهد الاستثنائي اليمني المتواصل مع الكيانات النضالية العربية والعالمية، من خلال موقعه المتقدم في الحركة الطلابية والشبابية، خصوصاً أثناء دراسته في موسكو، أو هذا ما يمكن الوقوف عليه في هذا الكتاب.
إلى ذلك، يأتي إصدار هذا العمل الحواري الاسترجاعي في ظروف وطنية في منتهى السوء، على إثر انتكاسات وارتدادات ألحقت بالمشروع الوطني أضراراً فادحة، كما أصابت بالصميم إنجازات تحققت عبر عقود. فيما تلاقت مصالح داخلية وخارجية تكالبت إراداتها عند نقطة تقويض السلم وممكنات تشييد دولة وطنية ديمقراطية، بكل ما يخلفه ذلك التقويض من ضحايا وآثار وخيمة على اليمن، سواء على المستوى المادي أو المعنوي. والحال أن هذه المآلات والانتكاسات، ورغم جروحها الغائرة، إلا أنها لن تسحق آمالنا وأحلامنا وإرادتنا، ولن تثنينا عن حقنا في التمسك بالأمل، بحتمية إنجاز وطن يتمتع أبناؤه بكل الحقوق الإنسانية، بما يضع اليمن في موقع متقدم بين شعوب العالم. من هنا بالذات تأتي أهمية السيرة التاريخية للمناضل زيد، كأحد الرموز الوطنية الرفيعة المعبرة عن معاني تحقيق هذا الهدف النبيل صوب مستقبل ديمقراطي جديد يشبه أحلام اليمنيين.
قصة كتابة هذه السيرة.. شهادة توثيقية:
نوفمبر 2016، أثناء تأبين الفقيد الرفيق محمد عبدالوهاب القاضي كنا إلى جوار بعض، نجران سلطان وأنا، تحت تأثير ثقل شعورنا بحجم هذا الفقدان، همست لنجران: “النضال لا يموت بموت الأبطال، والتاريخ لا ينسى، علينا أن نقوم بدورنا، وأن نعثر على طريقة ما لتوثيق السيرة النضالية لرفيقنا سلطان زيد، كجزء من تعاملنا تجاه قلق التوثيق لسيرة الحركة الوطنية”. اتفقنا على الفكرة، وبدأنا نرتب لذلك.
شرعنا بتنظيم جلسات حوارية مع زيد، مزودة بمسودة أسئلة وثقنا منها 8 جلسات على مدى شهرين، بما يعادل 72 ساعة. لننتقل لتفريغ التسجيل الصوتي، كتهيئة لكتابة السيرة ورقياً. إلى جانب تجميع وثائق من أرشيفه الخاص، لتدعيم مواضيع السيرة، وكملحق توثيقي لهذا العمل.
لمغادرتي صنعاء أثر على توقف العمل قرابة العامين. ولتخطي ذلك، بادر الرفيقان جازم سيف ونجران، ليكملا تحرير المسودة الأولى المتعلقة بمضامين ودلالة معاني هذه السيرة، عاكفين على العمل ما يقارب 4 أشهر، ينقبان في فصول من ذاكرتنا الوطنية الرحبة سلطان زيد.
في الأثناء، اُتفق على تغيير منهجية العمل، وإخراجه بطريقة سردية، بدلاً عن الحوارية، وتم توفير ما يلزم من الوثائق، بغرض التدقيق في التواريخ والأسماء “كما هي”، لإكساب النص مفاعيل ودلالات ومعاني حيوية، بما يجعل سيرة المناضل زيد متحركة على أرضية توثيقية تتمتع بالحيوية وعناصر الانفعال بصورة تحرر مفاعيل تاريخ الحركة الوطنية من الرتابة والجمود.
من جانبي، أرسلت بقائمة مقترحات وأسئلة إضافية تغطي الفجوات، مرفقة بقائمة من تواريخ مؤتمرات فصائل اليسار والحزب الاشتراكي. إلى جانب بعض التفاصيل التي أعرفها عن صاحب السيرة، ولم يتم تضمينها في الحوار، ناهيك عن تساؤلات أخرى لم أنجزها في حواري مع الراوي. كل منا تقدم بملاحظات واقتراحات، كما تقدم الرفيقان عارف الشيباني وريدان عبدالدائم الأصبحي، بملاحظات فنية أسهمت في إغناء نص السيرة قبل أن نحيل ما أنجزنا إلى الأديب والسياسي محمد عبدالوهاب الشيباني، ليضع هو الآخر تصويبات وتشذيبات تحريرية مهمة.
أخضعنا العمل لمراجعات أملت علينا شرط العودة لبعض المراجع والوثائق، لضبط تاريخ معانيه المرتبطة بدلالة الأحداث والوقائع البارزة، خصوصاً أن البناء التوثيقي لمناضل سبعيني سبق أن تعرض أرشيفه ووثائقه ومكتبته للمصادرة أكثر من مرة، متجنبين إسقاط قراءتنا الخاصة للأحداث. لا شك أن ابتعاد العمل الذي بين أيدينا عن المسارات الخاصة التي اتبعناها، كان يمكن له أن يتسبب بمشكلات من قبيل أخذ ثَيَّمات النص التسجيلية المنطوقة إلى منعزلات وتخوم بعيدة عن مناطقه الحيوية التي أشادها صاحب السيرة، إلا أننا بمجسات ضبط تحريزي الخاصة منها المُتَّبعة من قِبل نجران المعايش لجزء من وقائع هذه السيرة، تم الحرص على بقاء العناصر والمعلومات المستخدمة في بناء هذه الشهادة التوثيقية بمنأى عن أي إسقاطات وقراءات متحيزة، ليبقى حدود التدخل والتصرف عند نقطة نائية يقتصر دورها على توفير احتياجات تخدم صياغات ومساقات تحريرية فنية لا غير. ومع ذلك ظهرت تعبيرات تعكس اختلاف رؤى فريق المراجعة، ما فرض عليهم إدراج اتفاق أمر إعادته لصاحبه للمعاينة وإجراء تعديلات قبل قول كلمة الفصل وتحديد قرار الإصدار، حفاظاً على الأمانة الوثائقية، وتصحيحاً لزلات ربما وقعت هنا أو هناك.
فيما كنتُ في تعز، وزيد في القاهرة للعلاج، وباقي الفريق في صنعاء، ساعدتنا وسائل التواصل الاجتماعي في تذويب المسافات الجغرافية للاستمرار بالعمل على تكملة السيرة.
هكذا سار العمل:
-
إبدال منهجية بأخرى.
-
حوار تحفيزي استرجاعي للذاكرة بطريقة إثارة أسئلة عن محطات تاريخية خاصة وعامة، وتسجيلها صوتياً.
-
تفريغ الحوار ورقياً وإعادة تحريره بطريقة سردية.
-
مد السيرة بمراجع بحثية وتاريخية وشهادات بعضها تنشر لأول مرة.