مقالات رأي
الوطن مصلحة وليس لحناً أو زامل!
في البلدان المتخلفة تنتشر، وبشكل لافت، الأناشيد والألحان الوطنية التي تتغنى بالوطن, بل وتحس أن هذا الموضوع صار ساحة للتباري وتأكيداً للانتماء الوطني بين الشعراء والفنانين, وحتى المواطن الذي ينغمس في ترديدها.
اليمن أكثر هذه الدول التصاقاً بهذه الثقافة, بحيث صرنا لا نجد الوطن والثورة والجمهورية والوحدة والتنمية والنظام والقانون سوى في كم الألحان التي تصدح بها وسائل الإعلام المختلفة, بينما الفوضى والنهب والفساد والحروب والفرقة والمناطقية وسيادة ثقافة الفيد والنهب والقبيلة والطائفة هي السائدة في حياة المجتمع, حتى الدين لم يسلم من التوظيف في هذا الاتجاه على نحو “حب الوطن من الإيمان”، وغيرها من المقولات المشابهة.
حتى في ظل هذه الأوضاع التي لم يسبق للبلد أن عاشتها, وفي ظل الحروب الداخلية بصبغتها المذهبية والطائفية السلالية التي تحصد أرواح الناس، وتدمر بناهم التحتية، وتقود إلى تفتيت أواصرهم المجتمعية والوطنية, مع ذلك تصور هذه الحرب لبسطاء الناس على أنها تأتي من أجل الوطن وحماية للدين, ولا ينسى القائمون عليها رفدها بالألحان الوطنية مضافاً إليها كماً من الزوامل التي باتت تثير الغثيان وتزعج الآذان, ناهيكم عن الشعارات بمضامينها الدينية والوطنية التي تسمعها وتقرأها أينما وليت وجهك.
الوطن، يا هؤلاء، ليس أنشودة ولحناً وزامل، أو شعاراً وخطاباً ومقولة.
الوطن في النهاية يمثل مصلحة لمواطنيه: لقمة عيش كريمة، نظام وقانون واحترام وحفاظ لكرامة الإنسان، تأمينات ورعايات صحية واجتماعية، سكن وخدمات ترعى مصالح المجتمع في حاضره ومستقبله، نظام وقانون ودستور لا يفرق بين الناس لا في عرق ولا دين ولا لون، ديموقراطية تحترم خيارات الجميع ونتائج الصناديق.
ما لم يكن الوطن كذلك فلا يعدو عندئذ عن كونه مجرد شوية تراب لا قيمة له. ما سبق يشكل عوامل انتماء لوطن يصبح محل اهتمام الجميع.
هل سائل أحدكم نفسه: لماذا يستطيع الغرب تجنيد من يشاء لخدمته في مجتمعاتنا العربية مثلاً بما في ذلك من يتبوأوا مناصب عليا, حتى إسرائيل التي تجند عدداً كبيراً من الفلسطينيين للعمل معها مع أنها دولة احتلال, بالمقابل لا يستطيع العرب، برغم ما يمتلكه بعضهم من ثروات، تجنيد، أو توظيف، أو استخدام أحد من أبناء تلك المجتمعات؟ إنه الإحساس بقوة الانتماء لأوطان تحفظ جل حقوقهم.
عن صحيفة “الشارع” اليومية الورقية، 12 يناير 2020، العدد 1151.