ريان الشيباني:
كنت قد كتبت قبل عدة أشهر عن مزاج الزبون الجائع، من وحي خبرة لا بأس بها في كيفية عمل أمزجة العاملين في المطاعم ومرتاديها. فمثلما إذا كان للزبون مزاج متحرش تجاه الطعام ووسائل تقديمه فالمباشر أو النادل طوّر من آليات عمل لمجابهة هذه الغطرسة.
كيف؟؟
عمل مهيوب ضمن قوات المظلات التي كان يقودها عبدالله عبدالعالم، عندما تم ابتعاثه إلى الجبل الأخضر في ليبيا ضمن قوات دفاع عربية مشتركة لمجابهة دولة إسرائيل، إبان تصاعد العمل القومي.
كان شاباً، ويمتلك جسداَ ضخماً، وبحة صوت تجعله يبدو الأنضج بين أقرانه. قال لي مرة، إنه وبينما تم تدريب القوات تدريباً جيداً على كل الأسلحة الثقيلة، دفعوا بهم في أول مناورة لاستخدام السلاح الذي تدربوا عليه. منحوا مهيوب سلاحه: بندقية كلاشينكوف، كان يبدو بيده مثل عود تخليل الأسنان كما وصف لي.
حدق في البندقية ثم أعاد النظر إلى قائد السرية، وسأله -على غير كل رفاقه-: ما هذا؟! قال القائد: بندقية. سأله: وما الذي أفعل بها؟ قال القائد: لمحاربة إسرائيل. ضغط مهيوب بندقيته على صدره، ثم دفعها إلى صدر القائد بعنف، وقال له بصوته الجهوري: أنيك دي(؟) ك؟ ما الذي أفعل به، أنا أريد دبابة.
غادر مهيوب بلده، لكن ليس إلى سريته العسكرية في فرقة المظلات، وإنما للعمل الحر. عمل في السينما بعدن، وفي أعمال أخرى، حتى انتهى جرسوناً للمطعم الذي أعمل فيه. لكنه وقد خسر أجر (الجهاد في فلسطين)، وعمله المظلي، لم يفقد ولو جزء من صرامته.
يفضل مهيوب أنواع من الزبائن يشبهونه، لذا لا ينزل الأطباق على الطاولات بطريقة واحدة. يعرف الأكالة من طريقة دخولهم عتبة المطعم، لذا يأخذ طلبهم أولاً، حتى لو لم يكونوا في الترتيب. ينزل لهم الطعام، دون أن ينبسوا ببنت شفة، لأنهم زبائنه، وهو يعرف كيف يختار لهم الطعام بعناية، بحيث لا يحق لهم أن يشككوا في اعتنائه بهم.
التميز هنا عند مهيوب لا يتعلق بنقود الزبون، أو بكونه نافذاً، إنما لو راقبت هذه العملية، ستراها تتم بسيكيولوجيا يخرج فيها الطرفين رابحين في إطار صفقة ضمنية قوامها الاحترام، وتطابق الخصال.
يأتي بعد ذلك الزبائن الذين يمقتهم مهيوب، لأنهم لا يعرفون ماذا يريدون؟ يخاطبهم بكل جفوة: ما الذي تطلبون؟ يردون عليه: أي شيء، على ذوقك. يكرر عليهم الطلب، فيكررون الرد، ما يضطره إلى ردعهم بجملة واحدة: ما الذي تريدون؟ أنا بلا ذوق. (يتقاطع هذا المشهد مع أحد المواقف في مزاج الجائع).
يعتقد مهيوب في الزبائن الأخيرين، نوع من المتبطلين الذين لا يجدون شغلة في الحياة، فيلجأون إلى إلهاء أنفسهم فوق الطاولات. مسؤول عاطل لا يجد ما يعمله، فيتذكر أن لديه كرش، إنسان في جيبه نقود يمر أمام المطعم، فيفكر في معرفة قائمة مأكولاته، إنسان مخـ (؟) ث، وجد في الوقوف الطويل لجرسون أمامه، فسحة للاستمتاع، ومحاولة جيدة لترتيب ذائقته تجاه الطعام.
يرى مهيوب أنه يجب أن يكون مبدئياً وشفافاً، حتى عندما يدخل إلى الحمام، ولذا عرف عنه أنه لا يغلق الباب خلفه بالرتاج، ويكتفي بالنحنحة، أو إعادة مواربته كلما وقع على أحدهم عدم التعرف عليه وهو داخلاً. كما إنه وحتى وقت قريب من إغلاق السينمات في تعز، لم يغادر شغفه، وكان يشاهد وجهه الملتمع بين صفوف المتفرجين، بسبب نيران سيجارته، التي يشعلها في الوسط، ولا من أحد يستطيع الاعتراض.
نعيم مباشر مميز أيضاً، درج الجميع على تسميته “بديش”، لطريقته في التعامل مع زبائنه. لديه حس دعابة رائع. يقرأ الجريدة الصباحية على حساب الزبائن، ويرى بين سطورها إلى أين يمكن أن يؤول الوضع.
يتجول بين الطاولات، حيث هو المباشر الوحيد الذي يحق له الجلوس وقت العمل. يتحدث كيفما اتفق بعربية فصيحة، أو بإنجليزية مفهومة تعلمها لدى شركة نفطية: كيف تشوف الوضع؟
فإذا بدا له الزبون متفائل أكثر من اللازم، يعود يائساً، وينوّرنا نحن زملائه المباشرين (النُدُل): الراجل طلع بديش. وبديش لفظة يستخدمها للتورية عن أن الرجل الجالس على الطاولة فاسد، وإن ابدى الزبون أي شكل من التشاؤم تجاه الوضع، يعود إلينا نعيم، محبطاً، أيضاً ليبلغنا بالنبأ الحزين: ما فيش فائدة.
لدى صديقنا نعيم طريقة أخرى لاحتقار زبائنه المفضلين، أو الذين لا يروقوه. يترصد انتهاء زبونه لوجبته، ثم يدخل يده إلى تحت طاولة الموز، ويخرج واحدة، ويقشرها بيده، بطريقة فيها الكثير من البذاءة، بحيث تكون قريبة من وجه الزبون، ثم يناوله إياها. فإن تناولها الزبون، وأكلها، يعود إلينا نعيم يائساً ومحبطاً: الرجل يأكل الموز، وإن رفض أكلها، تنفرج أساريره قليلاً، ويهز رأسه: في أمل، في أمل.
من صفحته في “فيسبوك”.