لم يعد اللبناني يضحك بسهولة كما كان يفعل من قبل. وهل صحيح أنه سيأتي يوم وليس ببعيد نراه فيه يسير عارياً في الشوارع، لأنه لا يملك ثمن ملابس يستر بها جسده العاري، أما قريباً، ليس علينا أن نستغرب محاولة اي لبناني انتزاع “سندويش” من يد لبناني آخر يسير في الشارع ليسدّ بها جوعه، غير مبالٍ لما يقوله عنه من شاهده ولا من وقع عليه هذا الفعل.
في الواقع لقد أثبت الشعب اللبناني أنه شعب لا يدرك مصلحته لا بل أنه شعب ضد نفسه وضد مصلحته، فها هو يسير حالياً في طريق إثبات هذه المعادلة أكثر فأكثر بإرتكابات وسلوكيات تعزز هذه المعادلة بشكل تصاعدي. وهل تُرانا لا نتعلم من أخطائنا ولا من أخطاء الآخرين؟
كيف للبناني أن يستمر على الكذب والملعنة والخبث والمكر؟ من الطبيعي أن نراه ينتفض ويثور رفضاً للجوع والاذلال الذي أصابه لكن ليس من الطبيعي أن لا يصل الى نتيجة. وإذا كانت الازمة اللبنانيين المعيشية والاقتصادية والسياسية والمالية والنقدية والاجتماعية أخطر من كل الازمات التي مر بها من قبل بما فيها فترة الحرب الاهلية، فإنه يبدو أن اللبناني مصر على أن لا يتعلم حتى لو أدى به الجوع والإذلال الى الموت من الجوع ذاته، ولا من يسأل ولا من يحزنون .مهلاً القصة لا تنتهي هنا، والخطر الاكبر لم يزر ربوعنا بعد، لأن الانهيار غير المسبوق الحاصل ولم نبلغ نهايته بعد، هو حتى هذه اللحظة تجاوز الانهيار الذي اصاب فنزويلا واليونان والارجنتين، واقع دفع بالبنك الدولي الى التحضير لبرنامج جديد لمكافحة الفقر لما بين 80-85% من الشعب اللبناني، وفوق ذلك تتحدث التقارير الدولية ذات الصلة الى أن الخبز واللحم والكهرباء والمشتقات النفطية في طريقها الى الاختفاء من بلاد الارز .
يبدو أن الحرب الاهلية التي انتهت في اوائل التسعينيات لم تنته من دواخل نفوس اللبنانيين، ومن دون الدخول في جدل بيزنطي حول عبارة عن قصد أو عن غير قصد تبقى أبرز سمات الحرب الساخنة هي القصف والموت والدمار والطائفية والمذهبية والخطف والقتل على الهوية، فيما تتمثل سمات الحرب الباردة اليوم بغياب الكهرباء والفيول والدواء والمواد الغذائية والبطالة الفقر والجوع وانهيار شامل أبرزه في قيمة العملة والخطف مقابل فدية مالية وانتشار جائحة كورونا بعد البطء والتراخي في معالجة ملف الجائحة. إذاً في كلا الحالتين نحن في حالة حرب فما من داعٍ والحالة هذه الى التخويف من حرب أهلية إذ يكفي للحرب الباردة أن تفعل فعلها لنشعر بمرارة الفقر والجوع والادلة على ذلك لم تعد شهرية بل شبه يومية ولا تقتصر على منطقة بعينها ولا على طائفة بعينها لنكرر القول مجدداً بأن الآتي أعظم ولا يزال لديكم بعض الوقت كي تشدوا الاحزمة.
ربما يجدر بنا أن نتوقف عند ما اشار اليه عالم النفس السويسري كارل غوستاف يونغ حول خمسة أنواع رئيسية من الغرائز، “الجوع والجنس والنشاط والتفكير والإبداع. “هذه الغرائز، المُدرجة في قائمة بحسب درجة تزايد استخلاصها، تعمل على استنباط وتقييد السلوك البشري، ولكن في الوقت ذاته تترك مجالاً للحرية في تنفيذها وخاصة عند تفاعلها. حتى الشعور بالجوع البسيط يمكن أن يؤدي إلى العديد من الاستجابات المختلفة”.
الموت يلاحق اللبنانيين أينما وجدوا من الجوع تارة ومن الفقر تارة ثانية ومن كورونا تارة ثالثة والسبحة تكرّ، لم يحدث أن خاف اللبنانيون على وطنهم وأولادهم كما يخافون اليوم وكأن الخوف شريك لكورونا يحدق بهم من خلفه بعين وبأولادهم بالعين الاخرى. هذا يهاجر وذاك يخطط لله للهجرة، وهؤلاء بالطبع لم يرق لهم مشهد لبناني عاجز ينقب في النفايات عما يسد جوعه. لم يحدث أن أصاب الذل اللبنانيين كما يصيبهم اليوم.
وفي الختام إذا كان اللبناني قد تعلم فعلاً من هذه التجارب الاليمة، فعليه الذهاب نحو معالجة من نسج له الخيوط العريضة للحرب الباردة (الآنفة الذكر) ومقوماتها في صناديق الاقتراع حصراً في العام 2022وحتى ذلك الحين، فإن المنظومة الفاسدة ستظل تمعن في سرقة مدخراته وشرذمة تحركاته وإيقاظ كل أنواع الجروح في سبيل ديمومة تسلطها وهيمنتها فكيف لهذا النمط من التفكير أن يرضى بإزاحته او تنحيته عن مهام لطالما برع في تنفيذها؟ على شعب … لا يتعلم ولا يعشق تغيير هكذا منظومة…. ليعيد نفسه مجدداً الى الدوامة نفسها وسنجده ينتخبها هي ذاتها وليس إبنة عمها … إنه العشق الممنوع يا سادة.
*الدكتور مازن مجوّز، لبناني، مدير تحرير الملف الاستراتيجي، باحث متخصص بشؤون الاقتصاد البيئي والادارة. يعمل في الإعلام المتلفز منذ ٢٠٠٥ ناشر ورئيس تحرير موقع بيروت يا بيروت. وكاتب في مجلة البيان ومهارات نيوز ونداء الوطن وفي العديد من المواقع التحليلية الالكترونية منها أسواق العرب، ملفات مصرفية والملف الاستراتيجي