مقالات رأي

واشنطن وتدخلاتها في المنطقة.. “المتغطي بأمريكا عريان”

“المتغطي بامريكا عريان” هذا العنوان مستوحى من مثل شعبي عربي منتشر في معظم الدول العربية،(مع فارق اللهجة)، وفي روايات، لم اجد مصدراً موثوقاً لها، يقال بأن هذه الجملة وردت على لسان الرئيس المصري الاسبق حسني مبارك، في تعبير منه عن استياءه من الخذلان الامريكي لحلفائها في فترة ما !.

ما دفعني للكتابة تحت هذا العنوان هو متابعتي لآخر تصريحات وزارتي الخارجية والدفاع لأعظم دولة في العالم، يتحدث عن ترتيبات في مطار كابول لنقل آمن لموظفي الدولة العظمي.

أمريكا التي سلمت أفغانستان لحركة طالبان الإرهابية (التي قادت أمريكا -نفسها- تحالفاً دولياً،قبل عقدين من الزمن) للحرب عليها؛ وأنفقت ما يزيد عن ثمانين مليار دولار لبناء الجيش الافغاني، الذي فتح ابواب كابول مشرعة امام مجاهدي طالبان، تبحث اليوم عن إجلاء آمن لموظفيها، وعن ملاذ آمن لمن عملوا معها من الأفغان.

هي ذاتها امريكا التي قدمت العراق على طبق من ذهب لإيران وميليشياتها الطائفية في المنطقة، ولم تنجح في توفير ملاذات آمنة حتى لمترجميها العراقيين الذين قضى المئات منهم نحبهم في قضايا اغتيالات، قيدت ضد مجهول، وتحول سياسيو نظام صدام وقيادات دولته وحزبه، وكل من ناصرهم، ومعهم علماء العراق ومثقفيه الى لاجئين في شتى بقاع الأرض، وفقد العراق مقدراته وخبراته التي لن تعوضها عقود من الزمن، وليس وضع العراق الان بخافٍ على أحد.

من يصدق بأن أمريكا، دولة القطب الواحد، باتت تمتلك من الغباء والسذاجة، ما يجعلها تعتقد أن بامكانها فتح جبهة تقودها طالبان ضد الصين وروسيا، تستقطب فيها الاقلية المسلمة في الصين ومتشددي الشيشان وبقية الجمهوريات الاسلامية المستقلة عن الاتحاد السوفيتي.

يبدو ان ادارة الرئيس بايدن لم تدرك بعد بأن زمن الحرب الباردة قد ولى الى غير رجعة، وأن الصين باتت الأذكى والاسرع اقتناصاً للفرص، فقد كانت أول من تواصل مع طالبان وأسرع من عقد الصفقات معها، لانها ، وبكل بساطة، تدرك أهمية أفغانستان في مشروع طريقها الحريري، الذي يفترض أن يؤرق منام أمريكا وكافة دول الغرب المتحالفة معها.

وفيما كانت طالبان تتمدد خلال الاسابيع القليلة الماضية في الأراضي الافغانية، انشغلت امريكا بالتواصل مع الرئيس التركي رجب طيب اردوغان، من أجل تَسَلٌم تركيا حماية مطار كابول، على اعتبار انها الاقرب الى تيار الاخوان المسلمون في المنطقة، والذي تمثل حركة طالبان احد أهم اذرعه المسلحة…
لكن اردوغان الذي تحول الى مظلة تحتمي بها حركات الاسلام السياسي السنية في العالم، لم يتمكن من توفير هذه الخدمة لأمريكا، فقد وجد نفسه عاحزاً أمام تهديدات طالبان باعتبار جنوده قوات احتلال مستهدفة من قبل الحركة.

مشروع أمريكا الغبي في المنطقة، والذي أطلقت عليه اجهزة مخابراتها ودبلوماسيتها ذات يوم مسمى ” الشرق الأوسط الكبير قد أثبت فشله بامتياز. فمن خسر العراق وسلمها لايران وترك أفغانستان للفوضى لن يتمكن من الحفاظ على مصالحه في منطقة حيوية كالخليج العربي وسيخسر بالتأكيد اهم حلفاءه فيها، خاصة وهو يحاول تسليم دولة ذات موقع جغرافي متميز كاليمن لميليشيات ايران الحوثية، بعد ان ترك سوريا مرتعاً خصباً لخصومة الروس، وليبيا لنظام أردوغان، حديث العهد بالسياسية والتوازنات الدولية، فيما تأتي كل تلك التنازلات على حساب اهم دولتين في المنطقة وهما مصر والمملكة السعودية.

ما يحدث في الشرق الاوسط يجعلنا ندرك بأن ” المتغطي بأمريكا عريان”، وكما قال الصحافي الاستاذ غسان شربل فإن ” بين أمريكا ومسارح تدخلاتها سوء فهم قاتل”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى