مقالات رأي

جماعات انتهازية على حساب الوطن

لم تفلح الجماعات السلطوية في تقديم نموذج يحدد شكل الدولة القادمة، على الأقل، بعد سبع سنوات من الحرب، أو تضع حدّا لانهيار آمال الشعب التي اضمحلت بسببٍ من غياب نضال بطولي صادق كان من المفترض أن يتلاءم مع أحلام التغيير التي برزت من خلال الثورة الشبابية في ١١ فبراير ٢٠١١ في اليمن، ذلك لضعفها الإداري ونزعتها العنصرية التي تعبث بأمن المُدن من خلال محاولتها الاستفراد بالحكم وعدم فسح المجال لبقية الأطراف للمشاركة بصياغة التركيبة المؤسساتية للدولة المدنية التي يحلم بها المواطن في عموم الوطن كافة وتعز بشكلٍ خاص باعتبارها معقل الثورة التي قامت من أجل تحقيق دولة مدنية حديثة تضمن حياة الفرد وحريته وحقوقه.

لم يقف الجميع على مساحة واحدة، فتضاعف تنامي الصراع البيني في المدينة وتفاقمت الجبهات الداخلية في هيكل الدولة الوليدة التي لاتزال قيد التشكل، والتي بدورها المؤسف هذا سقطت من أذهان الشعب في ظل غياب مؤسسة عسكرية وطنية تجسّد ولاءها للوطن وتملك الاستقلالية في رسم خطة استراتيجية لدولة مستقبلية دون مخاطر.

الأمر الذي كشف لحد كبير كم أن السلطة هشة ومجردة من البناء المؤسسي الموضوعي، باعتبارها سلطة محصورة بيد جماعات عنصرية ومليشاوية يمكن أن توازي الجماعات الحوثية بالعشوائية والتخريب، وتبقى في الأغلب سلطة مختلة وفاقدة للمصداقية من قبل المواطن، سواءً سلطة صنعاء العدوانية، أو تعز المواجهة لذلك العدوان، على أن هذه الثانية ليست إلا حكم تقليدي فاشل يتغذى بأفكارٍ بدائية من تيار الحراك القطبي الذي عاش الفشل ذاته في الكثير من البلدان، كمصر مسقط رأسه الأول، وسوريا، وغيرها من الدول.

وبالتالي، يتضح معنى أن الجماعات الإرهابية دائما ما تستغل الحالات الأكثر لغطا لزرع نفسها في نسيج الدولة، وأنها لا تشارك في الأفعال الثورية إلا في الأوقات الأخيرة عند شعورها بخسارة الفرصة الأخيرة لفرض نفسها، كما يتضح أكثر أن هكذا جماعات ترتدي قناعات دينية، لا تنتهج التموضع داخل الثورة والأفعال التي تناهض الحاكم عبر المطالبات الشعبية التي تهدف لتبديد ظلم فادح أو استبداد ممقوت عاث فسادا في البلد إلا لمصلحة منهجية في كيانها.

تتدفق هذه الجماعات كأكبر خطر يمارس الانتهازية وسرقة الأحلام، بيد أن انتهاجها دربا ثوريا لم يكن غير فعل زائف تمارسه لضمان مصالحها المستقبلية في السياسة، التي تسعى إلى تحقيقها تحت ستار “راديكالي” يدعي الإصلاحات الجذرية في المجتمعات، وهو ما يتضح في أكثر النتائج أن ذلك لا يعدو كونه غير هدف نفعيّ تنخرط به ضمن نقاء ثوري كبير، لتلويثه.

فالجماعات الدينية التي أيدت الثورة في ٢٠١١ في اليمن وحرضت الجماهير ضد النظام الحاكم آنذاك، هي ذاتها التي كانت قبل الثورة تحرّم الخروج على طاعة ولي الأمر، حتى ما أن شعرت بغضب الشعب ضد النظام الذي بلغ الأوج، وأن الحاكم راحل دون محالة؛ رأت أنه لم يكن أمامها غير أن تتخلل الوسط الثوري لتسجيل موقف زائف، بيد أن ما يحدث الآن في اليمن بشكلٍ عام وتعز بشكلٍ خاص، والمتمثل بحالة الفوضى والشتات والتشظي والانقسام، وتعدد الفصائل السياسية وتفاقم الصراع البيني القائم بين الجبهات الداخلية، نموذج واضح لمشروع الجماعات الإرهابية التي تحاول الاستفراد في الحكم، ويعد مثالًا لمدى خبث الجماعات وفشلها التاريخي الذريع.

ففي كل مرة تؤكد التجارب حجم الفشل الذريع الذي يحدث كنتيجةٍ حتمية لأسبابٍ سلبية تمارسها الجماعات الدينية والمليشيات الإرهابية على حدٍ سواء في السياسة داخل السلطة، وهو فشل يثبت أن الجماعات لا يمكن لها غير تقديم الخطابات الزائفة وإلقاء المحاضرات، أو استغلال الأفراد ذوي الحاجات والمعدمين لتفخيخهم بأفكارها والاحتماء بهم كصوت مؤيد لها، خصوصا الشباب الذين يشكلون القطاع الأكبر في البلد، والذين يملكون أحلاما يمكن أن تستجيب لها السلطات.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى