مقالات رأي

من أين جاءت داعش؟! سؤال الاستغباء!!

**

(1)

عقب كل عملية انفجار وعملية مسلحة داخل العالم الإسلامي أو الغربي، تسارع الأجهزة الأمنية والبروبجندا الإعلامية للدول العربية والإسلامية، بالنفي والنكران من أن المفجرين ليسوا مسلمين أولاً، وليسوا بعرب ثانياً.

وكأن نفي الشبهة/التهمة عن المسلم والعربي، تجعله في مأمن من الإرهاب وأدواته، وأولها ذهنية الإرهاب، الحزام الناسف الجاثم والمتغول في عقولنا في كل آن وأوان يحدد بعمر “الأمة العربية الإسلامية”. إننا نمتلك معملاً متفجراً يتغذى من رحم النص المقدس وتأويلاته الفقهية، من الحنبلية وغيرها من المذاهب المتعصبة، مخرجاته آليات الصراع المظلم بين السنة والشيعة والفرق المتناحرة الكثيرة، التي تتقاتل فيما بينها على من يمتلك الدين الصحيح، وهكذا، وقد جاء أحفادهم يواصلون معاركهم بتقنيات العصر، عبر أساطين فقهاء “اللحوم المسمومة” من الفكر الوهابي الذي صدرته المملكة السعودية إلى العالم، مبتدئة بالدولة (الشقيقة- اليمن)، وبالتزامن أيضاً مع ما تنتجه مصانع الفكر الديني الثوري المتطرف “الشيعي”- الخمينية وولاية الفقيه “المسمومة”، إنهما لا يختلفان عن بعضهما سوى بكم القتل والتدمير، وتصدير أفكارهما المتطرفة التي تعيث فينا وفي كل العالم دماراً وتخريباً.

وما القاعدة/ داعش إلا المولود الجديد- القديم بنك الاستثمار الريعي الذي لا ينضب إذ يتحرك بضغطة زر بيزنس “الدين- المذهب- الإرهاب” فيبخ الحروب والطائفيات التي تستعر في كل بيت وركن وتراب.

إذ تطالعنا التقارير، من أن المملكة العربية السعودية تنفق حوالي 76 مليار يورو على تصدير الوهابية. وبالمثل إيران التي بدورها تنفق المليارات.

(2)

أول ضحايا هذا المعمل الناسف هي اليمن: الزريبة الخلفية، ومكب نفايات المملكة- الشقيقة وغيرها من دول الخليج كقطر، وإيران، وبعض الإمبراطوريات الدولية، إذ يتصارعون بشراسة وبثارات الحقد المزمن “الشيعة والسنة” في ساحة يمنية عارية من كل شيء خلا المجاعة والبؤس والعزلة والموروث الثقيل المتضخم والأجوف لـ”الإيمان يمان والحكمة يمانية”، وما إلى ذلك من الأساطير التي لا ترضعنا سوى الوهم الكاذب والمزيد من “التكرسح” المميت. وما يزيد الطين بلة في اليمن هو أننا نلوك هذه الخرافات مع عشبة الخراب اليومي” القات”، لنمعن في السؤال الاستنكاري، والذي نستقيه – أيضاً- قطيعياً، من الدول المصدرة للثورة الدينية “السعودية، إيران”: أن القاعدة وداعش كائنات غريبة علينا وعلى ثقافتنا وديننا، أي ليست منا؟ ويتكرر هذا السؤال عقب كل مصيبة تُخلف المزيد من الضحايا والدمار في العالم؟

أرى مفتتح الدعشنة في بلادي والبلاد العربية والإسلامية، هي نص الدستور في مواده الأولية: “دين الدولة الإسلام وحده”، حتى لو كانت لدى الدولة أديان ومعتقدات أخرى غير الإسلام، والمادة الثانية: “إن الشريعة الإسلامية المصدر الوحيد لجميع التشريعات” ثم تبعاتهما من تجريم حرية المعتقد والأديان، والحكم بالردة وقتل غير المؤمن أو من غيّر دينه، والتفتيش داخل العقل والفكر والمعتقد والضمير، والمرأة، والمواطنة، وزواج الصغيرات… إلخ من مواد الدستور اللاإنسانية.

هذه النصوص الدستورية التي تصارعنا عليها وجرى تكفيرنا وإرهابنا عندما اعترضنا عليها في مؤتمر الحوار الوطني ولجنة التوفيق، وغيرها من فعاليات تعكس ما نعيشه من تخلف وطائفية، وحروب مزمنة، وعزلة، وانفصال عن العالم، وعنصرية وتعصب، وجهالة قاتلة أضحت عنواننا الأبرز لدى العالم.

ومنجم فقاسات الدعشنة آتية من الديناميت الأكبر والأعمق في منظومتي: الدين والتعليم، فالنص المقدس في الذهنية الثقافية، هو المتجول الحر والوحيد الذي يجوب حياتنا والعالم ليسقينا فتاوى القتل والتفجير، وإباحة دم المدنيين في شوارع العالم والعالم العربي على وجه الخصوص، والذي هو جزء لا يتجزأ من مناهج التعليم في كل المراحل الأساسية والثانوية والجامعية، وإن أردت أن تعرف معنى الإرهاب، فتش في الجوامع والمدارس ومناهجها التعليمية والمعاهد التكيات القرآنية التي تنتشر في كل شبر من المدن والقرى والأحياء والشوارع والبيوت، والخرابات حتى.

داعش والقاعدة، وأخواتها، وكل هذا العنف والتلذذ بالدم والأشلاء والرؤوس المقطوعة والمباني المتفجرة والتلذذ بكم الوجوه المفجوعة، التي تجعل الناس تعيش حاضرها ومستقبلها في قعر خوف دائم، يصل إلى الفوبيا من أن تأتي مليشيا الرب تجندهم وتسرق أطفالهم بعد شحنهم بمصل الموت والجهاد والشهادة، في المدارس والمعاهد والتدريبات الصفية والصيفية، وتتويجهم باستحقاق لقب شهيد و72 حورية يرتع بهن ومعهن.

وأنا أشاهد وأتابع المخيمات الصيفية، وقبلها المناهج المدرسية، والتعليم بالمجمل، لاحظت أن كل المدارس

صورة من تحريف مليشيا الحوثي للمناهج التعليمية في الصفوف الأولى

والجامعات والمعاهد والتكييات، بلا استثناء أكان التعليم والمنهج تديره الجماعة الوهابية جماعة الإخوان المسلمين من “حزب الإصلاح والسلفيين”، أم من جماعة الحوثي “أنصار الله”، فكلهم بلا استثناء، تتفنن في تجريم من يفكر أو يستخدم عقله، جميعها تنتج هذه المجاميع التي لاتعد ولا تحصى من الدواعش والمجاهدين والشهداء.

ولا أبالغ إن قلت، (ومن واقع تجربتي كمعلمة) إن داعش هي المعاهد العلمية، حتى بعد أن دمجت في التعليم الحكومي، إذ حملت ألغامها معها، ولغمت المجال التعليمي برمته، فالتفجير يشع في كل ورقة منهج مدرسي، وعقل أستاذ واعظ آت من ثكنات نصوص اللحوم المسمومة، وبجانبها أيضاً مدارس التحفيظ، وجامعة الإيمان، التي تتبعهم، ثم ومعاهد الزهراء، ومركز بدر، والشباب المؤمن، ودماج، ومعبر، وتعز ومعاهد ومدارس لحلقات كثيرة مصفدة للعقل والفكر وبنشرها للتطرف بحجة تعليم الدين الصحيح، والمزواجة بين العلم والإيمان، والتمييز بالإيمان من هو مؤمن ومن هو كافر، والفكر الاستشهادي.

داعش في يمننا القبائلي المبلود بـ”التدين السياسي القطيعي الأعمى والثأري”، هي إلغاء المعمل والمكتبة، والمسرح، والسينما والمتحف، وتحويلها مساجد ومخازن للنفايات، أو بيع القات، والمهربات، أو مراكز لتحفيظ القرآن الكريم ومتاريس المتحاربين.

داعش هي آلاف الكتب والبرامج التي تفتي في حركة الأجرام السماوية، والاختراعات العلمية، يجوز استخدامها أم لا يجوز؟، فتغرقنا والعالم في هذه الفرغة السمية القاتلة، باسم الإعجاز العلمي في القرآن الذي دأبوا وحتى اليوم على كرعه في عقولنا، حتى وإن حذف اسم اللحم المسموم عبد المجيد الزنداني من كتب التوحيد وغيرها، لكن بقت نصوصه في المناهج المدرسية خصوصاً مناهج التربية الإسلامية واللغة العربية.

داعش كل ذلك الهذيان للاستغفار والاحتساب، الذي يقض حياتنا ليل نهار ويحولها إلى ضجيج سام، ابتداءً من المسجد وطابور المدرسة، والإصرار الهذياني بأن تحية صباح الخير تخص الكفار، والتحية بـ”السلام عليكم” للمسلمين.

هي الجهاد بكل صنوفه، كالنشيد الجهادي للمعاهد العلمية مفرخة الإرهاب: “الله غايتنا، والرسول قدوتنا، والإسلام ديننا، والجهاد سبيلنا، الموت أسمى أمانينا”، هذا النشيد دمر العالم العربي، وسيق كل مخالف لهم إلى المشانق، وتحول التعليم في أيديهم لعبة ظلامية مميتة. ثم يتواصل ذلك التثوير وخرافاته في ساحات التغيير 2011 وهم يصرخون “الله وحده أسقط النظام”، “لا دراسة ولا تدريس حتى يسقط الرئيس”.

داعش، هي عسكرة الجامعة وتحويل طاقمها الأكاديمي والتوظيفي والطلاب إلى كتائب ساحقة

لافتة توضح افتتاح دورة حوثية طائفية تستهدف الأطفال

ماحقة باسم الله والجهاد لسيد “العكفة” الإلهية الفاشية التي تفتك بالبلاد والعباد، وتحويل ما يطلق عليهم شهداء، إلى استعراض صوري مجاني عابث في الجامعات والشوارع، والمبايعة بدمائهم.

تأتي الداعشية من كم التخصيب في المناهج التعليمية، من النصوص الجهادية، وثقافة الولاء والبراء، وتقسيم العالم إلى دار حرب، دار سلم، و”الكافرون هم الظالمون”، و “يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض، ومن يتولاهم منكم فإنه..”، “اقتلوهم حيث ثقفتموهم”، وخرافة المهدي المنتظر، و”الحق الأبلج والليل اللجلج”، “اسلم تسلم”، “من أحب الحياة عاش ذليلا”، “منا أمير ومنكم أمير”، “اليمن مقبرة الغزاة”، “صوت وصورة المرأة عورة”، … إلخ.

(3)

والآن، أيتها المملكة السعودية العلمانية والحداثية، 2022 وأنت تقودين ثورة فكرية في المناهج التعليمة، ومنظومة التعليم الحر، بعد هذا التدمير الداخلي والخارجي لليمن وغيرها من الشعوب، سعداء بمثل هذه الخطوة الجبارة- وإن كانت بأوامر الغرب “كن فيكون”- كما تفضل ولي العهد محمد بن سلمان وتطرق من أن “انتشار الفكر الوهابي في بلاده يعود إلى فكرة الحرب الباردة عندما طلبت دول حليفة من السعودية استخدام أموالها لمنع تقدم الاتحاد السوفيتي في دول العالم الإسلامي (القدس العربي/ 27مارس2018). لكن ماذا عنا مكب النفايات القديم وحقل التجارب التابع لكِ: اليمن، الذي أثثتِه وأتخمتهِ بالوهابية والإرهاب في التعليم، والمسجد، والحياة؟

لماذا لا تنفقي على الأقل من هوامش المليارات توقف حروبك، وتصدري لنا شرر الحداثة والعلمانية، وأنت ترين ألغامك وألغام إيران دامية في كل عقل وبيت يمني، فضلاً عن حروبك العسكرية التي لا تنتهي وحروب مليشياتك وأذرعك من ترسانات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟

على الأقل ادفني نفاياتك النووية- الوهابية، ورقعي ما دمّرتِه بالحديد والنار الداعشي من زمن طويل، ما قبل الحرب الباردة، وللأسف ساعدتك على ذلك التغول الجامح أنظمتنا الحاكمة الفاسدة التي قدمت لكِ اليمن كمقبرة مفتوحة- مباحة، إلا من حروب الدين والمذهب والجهل والتخلف والعتمة..

أخيراً:

هل سمعتم في أجندة حقوق الإنسان والقانون الدولي، عن مفهوم “جبر الضرر” ذلك أضعف الإيمان؟!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى