مقالات رأي

لودميلا (80)

“لدي ثلاثة أوطان: بيلاروسيا، موطن والدي، حيث عشت حياتي كلها. أوكرانيا، موطن والدتي، البلد الذي ولدت فيه، والثقافة الروسية العظيمة التي بدونها لا أستطيع تخيل نفسي” سيفيتلانا اليكسيتفتش الحائزة على جائزة نوبل.

**
(1)
لا أعرف من الحرب الروسية الأوكرانية في الأخبار ووسائل التواصل الاجتماعي، سوى مشاهد أليمة ووحشية يطفح بها الاجتياح الروسي لأوكرانيا، مشاهد التدمير إنسانها والبلد وتشريد الملايين، ودموع الكبار من النساء والرجال والأطفال، وفجيعتهم بفقدان الأبناء والأهل ومحو خرائط شوارع ومدن كانت موجودة قبل أكثر من خمسة أشهر. فكم التدمير والعنف الأشد قسوة، لا شبيه له إلا الحروب العالمية الكبرى، وحروب الحكام العرب على شعوبهم.

فعلاوة على ما تخلّف الحرب من قتل وحرائق، ودمار مهول، هناك الهروب، والنزوح الأوكراني بالملايين، التي أضحت تستجير بدول الجيران كألمانيا وغيرها بعد فقدان كل شيء.

(2)

اندهشت بل وفجعت من العديد من الآراء والمواقف العربية، وخصوصاً من بعض النخب اليسارية والقومية، والدارسين في الاتحاد السوفيتي سابقاً، حين يقرأون ما يحدث اليوم بذهنية الماضي الجميل ويوتوبيا يـ”عمال العالم اتحدوا”، ويراهنون على “أن روسيا البوتينية العظيمة التي دكت سوريا سوف تدكّ الإمبراطورية الأمريكية لتحرر العالم من قبضتها”، و”أن أوكرانيا لعبة، تحركها أمريكا وإسرائيل لتدمير الإمبراطورية الروسية، وأوروبا عامة”، ومن “أن أوكرانيا حديقة خلفية للمفاعلات النووية، والمعامل البيولوجية التي يستخدمها الأعداء لإفناء العالم”.. الخ.

وفجعت بكم اليمنيين والعرب الذين يوشون صفحاتهم بصور بوتين البطل/المنقذ- الأسطورة، ويطرزونها بشعارات ماضوية تحن بعمى، إلى الكاتيوشا، وآيات التأييد والمباركة، حتى وهم يرون في الأخبار والقنوات الفضائية، مآسي وطن احتل يجري تمزيقه وشطبه من الخارطة.

بعض البوتينيين العرب الذين اصطلوا بالخراب والدمار، والفقدان، والتهجير واللجوء، يناقضون أنفسهم، ويتكشفون عن شيزوفرينيا صارخة، حين يقفون مع البوتينية الماحقة التي تسببت بنكبة ملايين الأوكرانيين النازحين والمشردين.

(3)

مجاميع كبيرة رأيتها، من لاجئين ونازحين، أطفال، وحوامل، وعجائز وكهول وشباب، وطلاب، مجاميع مكلومة مقتلعة من وطنها وبيوتها وأعمالها وحياتها، ترتسم الفجيعة على سحناتهم، ويطحنهم سؤال ثنائية الفجيعة والقهر: كنا هناك، والآن هنا، ما الذي يحدث؟ وما من جواب، سوى تشظي الأسئلة؟ همهم الأول والأخير أن تنتهي الحرب ويرجعون إلى بيوتهم وأعمالهم – خاصة وأن الكثير من النازحين كوادر مؤهلة تأهيلاً علمياً رفيعاً- وتنساب جملة يأس تتقوى مع طول أمد الحرب- “هذا إن بقى الوطن، والمأوى”-!!

تراهم في وسائل المواصلات، والأسواق، والشوارع يعتصرهم الهم، ولا يعرفون من هذا الخراب، سوى أنهم وجدوا أنفسهم بلا بيت ولا أسرة ولا عائلات، عالقين بلا وطن، نصفهم مخفيون، لا يعرفون عن ذويهم أي شيء، تأويهم المدارس والمساكن الجماعية وبيوت الأقارب، وبيوت فتحت أبوابها لتستقبلهم، وطوابير طويلة لمنحهم السكن والعلاج وو.

(4)

لا أعي أي شيء من هذه الحرب الظالمة، والاستقطابات الناشئة عنها، وفيما إذا كان الحق مع هذا الطرف أو ذاك، سوى أن أقف وأكون مع لودميلا “لودي” المرأة التي دخلت اليوم عامها الثمانين، الذي جمعني بها فصل دراسة اللغة الألمانية، تنهمر دموعها بمجرد ذكر أوكرانيا، أو إن سألتها كيف حالك، تنسال دموعها بقهر، وما أكثر الغصص التي تجثم في حلقها؟ بكت “لودي” بحرقة مرتين، المرة الأولى، كان منصور -كونه يتكلم اللغة الروسية- يتحدثون عن أوكرانيا، وأنه عرفها قبل أربعين عاماً، فظنوا أنه مادام درس في موسكو فسيكون مع بوتين وحربه ضد أوكرانيا، كما يرون، ويسمعون، ويشاهدون خصوصاً العالم العربي.

ما إن فتح فمه يحدثهم، أنه زار أوكرانيا، ويحبها، ويتذكر بعض معالمها، إلا واغرورقت أعينهم بالدموع، كانت لودميلا، وزميلتها الثلاثينية، وزميلهم الستيني، يقطرون دمعاً ووجعاً.

قالت الشابة، إن زوجها في أوكرانيا، وهي وأولادها في ألمانيا، وبالمثل البقية، مشتتون ما بين هنا وهناك، ودول أوروبا -بعضهم- لا يعرف أين بقية أهله، هل لا زالوا أحياءً، أم …، بكينا في تلك الفسحة الصغيرة التي مازالت مرارتها عالقة كلما تذكرنا الموقف. كُنت في الطرف الآخر من الفصل، رأيت دموع لودميلا، سمعت صوتها الهادئ المرتعش، وأيديها المعروقة ترسم الأسئلة وعبثيتها، والتي لا تعرف جواباً للذي حدث ويحدث، دموع أناتولي وكاترين، وآنا، ونينا، تاتيانا، ..، لغة الدموع كانت أبلغ بلا منازع.

عرفت مأساة لودميلا، التي تنتمي إلى أسرة كبيرة في مدينة خاركوف، وأنها لا تعرف عن أهل شارعها أي شيء. لكن لودميلا تصر على دراسة اللغة، وتعد من المتميزات.

(5)

كل صباح، تأتي لودميلا، الطبيبة، يسبقها هدوؤها تُصبح علينا بإشراقة بالألماني والأوكراني – الروسي، ترفل بأناقتها، ببلوزتها الموشاة بالورود، وتصفيفة شعرها القصير، وابتسامتها، ونشاطها الذي يسبقها برغم كل شيء، محاولة إخفاء ألمها في ثيمات ابتسامتها. يظل نظري مشدوهاً إليها، أستمد منها قوتي، وأهرب دوماً من النظرات إن تلاقت أعيننا.

ذات حصة كان السؤال عن أعمارنا.. أجابت لودميلا بضحكة، وهي تنظر إلينا من خلف نظارتها، قائلة: مازلت شابة! ثم ضحكت، وضحك الفصل معها، وأردفت قائلة: إنها من مواليد 1942، حيث نجت من أهوال الحرب العالمية الثانية، لكنها لم تنجُ من الاقتلاع في الألفية الثالثة، تحديداً 2022.

أما الدمعة الأكثر تأليما، وكلما ذكرنا الموقف نبكي في أي مكان نكونه، تلحقنا دمعة لودميلا أينما كنا، دموعها حفرت وأخرجت مكنونات الألم الذي نخفيه قهراً، لكنه ينبجس بآهات، وقطرات دمع، وحنين، وصندوق ذكريات. في ذلك اليوم بكى الفصل بما فيها أستاذتنا الجميلة. كان درسنا عن الأزمنة، وضمائر الملكية: ما الذي كنت تملكه، وأتى صيغة السؤال -تقريباً- ما الذي لديك في بلادك في الماضي، وما الذي لم يعد لديك اليوم؟
أجاب العديد منهم: من كان معه سيارة، وفي ألمانيا لم يعد لديه، بعضهم كان لديه أصدقاء، في ألمانيا لا، كان لديه عمل في بلاده، وهنا لا، كان معي بيت، هنا لا، .. الخ.

عندما أتى دور لودميلا، تأتأت، التفتت إلينا، وهي لا تدري ماذا تقول، خنقتها الغصة، وبكت بكاءً محرقاً، بمعنى، ماذا أقول؟ سؤال في لجة أن تكون عارياً من وطنك، وتفاصيل حياتك، وبيتك وحديقتك، وكركرة الأولاد والأحفاد، وركنك الأليف في خاركوف-أوكرانيا، وروسيا التي هي أيضاً جزء منها فالأهل ما بين أوكراني – روسي، ولا تخلو أسرة من هذا الثنائي، كما قالت الروائية سيفيتلانا، نعم، ماذا ستقول لودميلا؟ ماذا ستضيف؟ دموعها كانت الإجابة التي كشفت عن كل ما تريد قوله، دموعها هي دموع أوكراينا والحرب الجائرة والشتات، والغربة، والتيه واللامعنى من هكذا حروب عبثية وتصفيات حسابات دول الهيمنة، وضحاياها، لودميلا، وكل الشعوب التي تدفع ثمن ذلك السقوط المدوي للإنسانية.

(6)

تقول، دموع لودميلا، التي هي دموعنا أيضاً، كان معي بيت، وأسرة، وشرفة مزهوة بالورود والزهور، وقهوة، وموسيقى، وأحفاد، وألبومات صور بالأبيض والأسود والملون، وكتاب، وأصدقاء، وجيران، وحديقة، وطريق، وشارع وبيوت ألفتهم وألفوني، كان لدي صندوق وأرشيف ذكريات من 80 عاماً، وربما قبله، هو عمري، هو حياتي، كانت لنا حياة، ألا يكفي هذا؟ أدخل اليوم عامي الثمانين، وأنا بلا شيء، كل شيء ذهب، أنا الآن بلا شيء، إلا من، “أهلاً بكم في ألمانيا”، تذكروا 80 عاماً.

كتبت هذه المقالة، قبل أن تودعنا لودي، بأنها ستنتقل وأولادها من منفى ألمانيا إلى منفى آخر، لا أجد ما أقوله اليوم 15/7/2022، سوى “عيد ميلاد سعيد يالودي.. غداً تشرق الشمس، غداً يوم آخر”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى