مقالات رأي

ما الذي فعله محمد شحرور

ظهر محمد شحرور في فترة صار “النص” فيها هو محور الفكر العربي. فترة صعبة قيد فيها النصُ العقلَ وعرقل إنجازاته.

كانت تلك نفس الفترة التي قدم فيها نصر أبو زيد أبرز إبداعاته.

اختلف المفكران الكبيران..

قال نصر أبو زيد إن شحرور يقدم تفسيراً “نفعياً” للقرآن. فهو لا يقرأ القرآن بموضوعية لكنه يجعله ينطق بما يريد هو من أفكار. وهذه حسب رأي “أبو زيد” نفس غلطة السلفيين والإخوان، مع فارق أن شحرور يعيد قراءة القرآن وتقديمه كنص حداثي تقدمي مساند لحقوق الإنسان وحرياته، عكس الجماعات الإسلامية التي تقدمه كنص مغلق معاد للحقوق والحريات.

كان مشروع شحرور إعادة قراءة النص قراءة نفعية في سبيل تأسيس حقوق الإنسان والمساواة من داخل النص نفسه. بينما كان مشروع “أبو زيد” كشف تاريخية النص وبشرية لغته مع عدم إنكار إلهية مصدره، من أجل تأسيس وعي علمي بالنص يفتحه على أبرز منجزات وأفكار العصر.

مشروع واحد بمنهجين مختلفين…

تحول مشروع شحرور إلى مشروع شعبي واسع لديه آلاف القراء والمهتمين من كل الطبقات. ولعل ذلك نابع من بساطة أفكار شحرور وبساطة لغته ومقابلاته الجماهيرية.

في المقابل ظل مشروع “أبو زيد” نخبوياً.

التأثير الذي أحدثه شحرور في الوعي الديني العربي غير مسبوق. تأثير ضخم وجماهيري. لقد أسس لتيار شعبي واسع يقوم على دعامتين: رفض الأحاديث والمرويات، وإعادة قراءة (وأحيانا كتابة) القرآن بناء على الأفكار الكبرى للعصر الحديث.

الإنجاز الأهم في مشروع شحرور، ومشروع القرآنيين عموماً هو أن العقل صار الحاكم على النقل.

في ظل هذا الجدال المحتدم حول ظاهرة شحرور (هو فعلاً ظاهرة وليس مفكراً فقط) دعوني أذكركم بحكاية مهمة من تراثنا العقلاني.

أثناء النقاش حول لغة القرآن كانت هناك إشكالية عويصة. اللغة العربية هي لغة العرب الجاهليين التي تحدثوا بها قبل الإسلام، لكنها أيضا لغة القرآن. فإذا قلنا إنها لغة إلهية وقعنا في اشكالية تبرير أنها كانت لغة الكفار أيضا لأكثر من 200 سنة على الأقل قبل الإسلام، وإذا قلنا إنها لغة بشرية فكيف يمكن أن يصل المعنى الإلهي كاملاً عبر كلام بشري محدود.

حاول المعتزلة تقديم حل وسط؛ فقالوا إن جبريل لم ينزل القرآن على محمد باللغة العربية؛ ولكنه أنزل له المعنى، ثم قام محمد بتوصيل المعنى إلى الناس بلغة قومه. وبهذا يكون المعنى إلهيا لكن اللغة بشرية. أي أن المعنى من الله والكلام من محمد.

هذا هو الذي دفع المعتزلة للقول إن القرآن مخلوق. ولو استخدمنا لغتنا المعاصرة فكلمة مخلوق هنا معناها أنه “تاريخي” و “متغير”.

بعد الانقلاب على المعتزلة اختفت فكرة خلق القرآن، وعدنا للفكرة القديمة التي تقول إن القرآن أزلي، وبالتالي أبدي (صالح لكل زمان ومكان). مع تطور الزمان بدأ المفسرون يلاحظون أن هناك آيات وتشريعات في القرآن صالحة لكل زمان ومكان، لكن هناك آيات أخرى لم تعد صالحة لزمانهم ومكانهم.

لو كان تيار المعتزلة هو المنتصر لكان للإسلام والمسلمين شأن آخر. لكننا أمام واقع تحول فيه النص إلى مرجعية لكل شيء.

كيف تعامل المفسرون مع هذه الإشكالية؟

البعض لجأ للتشدد والدعشنة قائلاً إن هذا هو كلام الله الذي لا يناقش. والبعض لجأ للألعاب البلاغية وتبرير أن هذه الأحكام راقية لكننا لا نفهمها. والبعض طالب بتجاوز النص والاعتماد على العقل. والبعض طالب بالتفريق بين الثابت والمتغير في القرآن، فليس كل شيء في القرآن ثابتاً.

ما الذي فعله شحرور؟

شحرور كان خلطة من الجميع. يقول بأبدية النص وصلاحيته لكل زمان ومكان لكن بعد أن يتحول النص الى أداة طيعة لتفسيراته. إنه يتجاوز النص متسلقاً على النص ذاته!

شحرور مفكر تحول إلى ظاهرة شعبية فريدة. ومستقبل هذه الظاهرة يعتمد على ما سيقوم به “أبناء شحرور” في المستقبل.

هل القرآن مخلوق أم أزلي؟

هل القرآن ثابت أم متغير؟

طرح نصر أبو زيد القضية بشكل مختلف؛ فقال إن القرآن بشري وإلهي في نفس الوقت. إنه إلهي من حيث المصدر وبشري من حيث اللغة.

ماذا عن مضمون القرآن؟ هل هو ثابت أم متغير؟

قال أبو زيد بجدلية البشري والإلهي في القرآن. وشبهه بالمسيح عند المسيحيين. فعيسى هو كلمة الله لكنه بشر. والقرآن أيضاً هو كلمة الله لكنه نزل بلغة بشرية استجابة لحاجات بشرية.

القرآن نص تاريخي عند “أبو زيد”؛ أي أنه “مخلوق” بلغة المعتزلة، ومتغير بلغة العصر.

لم ينجح أبو زيد في الوصول للجمهور. لكن شحرور كان لديه مهارات وذكاء اجتماعي أوسع. قال إن القرآن صالح لكل زمان ومكان لكن بعد أن حول “النص” إلى نص سائل قابل للتفسيرات الحديثة والمتعارضة.

في الحقيقة لم يقم شحرور بإعادة قراءة النص فقط، بل إنه أعاد كتابته أيضاً… فالمعاني الجديدة والجدلية التي أعطاها لألفاظ القرآن تقترب من فعل إعادة الكتابة!

قال نيتشه إن الإنسان جسر تمشي عليه الطبيعة من القرد إلى السوبرمان. وشحرور جسر يمشي عليه العقل العربي من صنمية النص إلى حرية العقل. والجسور طبعاً لا تنفع للسكن الدائم.

من صفحة الكاتب على “فيسبوك”

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى