مقالات رأي

بين عالمين!

الوحدتان اليمنية والألمانية تقدمان بوضوح الفرق بين عالمين يختلفان في كل شيء.

تعكس الوحدة الألمانية مستوى وعي وثقافة الإنسان الأوروبي، وتقدمه العلمي والاجتماعي والسياسي، والأخلاقي بالطبع.

فيما تعكس الوحدة اليمنية المستوى المتدني لقيم وأخلاق ووطنية وثقافة المجتمع العربي.

تحققت الوحدة الألمانية بعد اليمنية بأشهر على ما أتذكر. لم يكن الألمان بحاجة لتلك الزحمة التي رافقت الوحدة اليمنية, إذ شرع الألمان، عقب وحدتهم، برسم السياسات الاقتصادية والسياسية التي أذابت الفوارق بين النظامين السابقين, وبما قاد وحدتهم إلى بلوغ غاياتها الوطنية.

على عكسهم, ذهب طرف من اليمنيين إلى استحضار صراعات التشطير وثقافة الغلبة, ومن ثم رسم “البرم” السياسي، والتحضير العسكري لخوض حرب الإقصاء والتسيد والانفراد والضم بدوافع شتى, وهو ما كُلِّل باندلاع حرب 94 اللعينة.

نجحت الوحدة الألمانية, إذ لم يعد الألمان يتحدثون عنها، أو يقيمون احتفالات ذكراها السنوية الباذخة، ويزايدون باسمها, قدر تجاوزها للحديث عن الوحدة الأوروبية وسبل تفوُّق الشعب الألماني.

بهذا المعنى فقد مثلت الوحدة الألمانية مصلحة لشعبها بعد إعادة مسار قطارها إلى ما كان عليه قبل الحرب العالمية الثانية، التي قادت إلى تقسيمها, حين غدت مصدراً للتفوق العلمي والاقتصادي والسياسي.

على عكسهم, فشلت الوحدة اليمنية فشلاً ذريعاً, وباتت مصدر للضغينة والصراعات والحقد المناطقي, بعد أن ظلت لسنوات طويلة حلماً يراود الشطرين.

بالمقابل تقام الاحتفالات السنوية بذكرى إعلان الوحدة اليمنية, مترافقة مع خطابات وندوات ومقابلات لا حصر لها.

كما يحرص اليمنيون على بث النشيد الوطني الوحدوي في الاحتفالات والطوابير المدرسية, والوقوف بإجلال مبالغ حين يظهرون وهم يتبارون في ترديده ووضع أيديهم على صدورهم, مترافقة مع زيادة في أقطار النخر المفتوحة- والوحدة مهليش.

هذا هو الفرق بين مجتمع بون وبرلين, ومجتمع قريش وبني مرة!

بين عالم وثقافة الآيفون، وأدخنة المصانع، ومخرجات صناديق الاقتراع, وبين عالم وثقافة “الخيل والليل والبيداء تعرفني”، ثقافة كرب- بلاء، ونكاح الجهاد.

هكذا عمدت الوحدة الألمانية بالتنمية والمواطنة والديموقراطية وحقوق الإنسان, لتشكل رافداً إضافياً يصب في خدمة ومصلحة المواطن, فيما عمدت الوحدة اليمنية بالدم وثقافة الغلبة، لنصل إلى مانحن عليه من القتل والدمار والفرقة وتسيد مشاريع ما قبل الدولة, لتقدمان في النهاية صورة فوتوغرافية عن غرب الآيفون ومشرق السلالة والمذهب والقبيلة.. اللهم لا شماتة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى