من يوميات مقاتل “ناصري” في مأرب (2)
انضممتُ للجيش اليمني في العام 1994م، وخدمتي في الجيش تُقارب 26 عاماً، وكنتُ من أوائل المنضمين للشرعية في حرب الدفاع عن مأرب.
كنا نقاتل في صف واحد مع الجميع ضد المليشيات الحوثية. كنتُ أشعر بالحماس والوطنية، عندما نجلس مع مجموعة من الإصلاحيين وهم يتحدثون عن الوطنية والتضحية، ويقولون إننا نقاتل دفاعاً عن الشرف والأرض والعرض والوطن للجميع. كنتُ أقول في نفسي بأن أعضاء جماعة الإخوان المسلمين قد غيروا من سلوكهم. كنتُ أقول في نفسي بأن الوطن هو “الإصلاح”، وأن “الإصلاح” هو الوطن.
حققنا انتصارات في الجوف، ونِهْم، وصرواح، وبيحان، حتى وصلنا إلى ما وصلنا إليه من انتصارات، بإسناد ودعم كبير من قوات التحالف.
فجأة انقلب الوضع وانتهى شعار “الوطن للجميع”، وبدأ حزب الإصلاح في توزيع المهام والمناصب لأتباعه والموالين له وإخوانهم. قام “الإصلاح” بـ “أخونة” الجيش. عينوا مدرِّسين قادةً لبعض ألوية الجيش، ومنحوهم رتباً عسكرية كبيرة! جاؤوا بخريجي جامعة الإيمان، وجامعة العلوم والتكنولوجيا، وعينوهم في الدوائر العسكرية.
مثلاً، منحوا مذيع في “قناة سهيل”، اسمه “نبيل إسكندر”، رتبة عميد ركن، وعينوه نائب مدير دائرة التوجيه المعنوي في الجيش! هذا كمثال، وليس للحصر. “إسكندر” هذا ليس له أي علاقة بالجيش والعمل العسكري، ولم يُقاتل في أي جبهة من جبهات القتال ضد مليشيا الحوثي. لكنه “إصلاحي”، وخريج جامعة الإيمان، لهذا تم منحه رتبة عسكرية كبيرة! فجأة، أصبح عميد ركن، رغم أن “الأركان” لا تُمنح، يتم الحصول عليها عبر الدراسة في الأكاديميات العسكرية!
أنا “ناصري”، وضابط في الجيش. موقعي نائب قائد كتيبة، ولي في الجيش نحو 26 عاماً، فجاؤوا بمدَرِّس “إصلاحي” انضم لـ “الشرعية” عام 2018م، ومنحوه رتبة عقيد، وعينوه قائداً للكتيبة! وهذا المدَرِّس لا يعترف بقيمتي، رغم أني “ابن الجيش” وهو “مُدَرِّس”، إلا عندما يتطلب مِنَّا وضع خطط عسكرية ورفعها للقيادة في المستوى الأعلى.
وحالتي الشخصية هي نموذج لحالات حدثت لآلاف من ضباط وقادة الجيش والأمن في مأرب وتعز وشبوة والبيضاء. سيطر المدرِّسون التربويون، وغير المختصين، على الجيش، لهذا حدثت الهزائم، ووقعت “الانتصارات” الحوثية في “نِهْم” والجوف.
قيادتهم للجيش أثناء الهجوم، أي هجوم، يغلب عليها طابع العشوائية. لا يستخدمون التكتيك العسكري أبداً، ولا يقومون حتى بجمع المعلومات عن العدو ومواقع تمركزه وأسلحته ونقاط قوته وضعفه!
لا يهمهم إن هجموا على موقع وقدموا عشرات الضحايا والجرحى من الجنود الأبرياء، الذين يدفعوهم للقتال بعد إيهامهم، كذباً، بأن الحوثيين قد انسحبوا من هذا الموقع أو ذاك!
أي فشل لهم في أي هجوم يلصقوه على التحالف مباشرة، ولا يمكنهم الاستفادة من أخطائهم. يتفاخر كل واحد منهم بعدد الشهداء الذي قدمه، وضحى به في الجبهة من عيال الناس، ولا يرون أن كثرة سقوط الشهداء والجرحى يدل على غبائهم وفشلهم في التخطيط أثناء الهجوم، أو أثناء كل مهمه! لا يسمعون النصيحة، وكل من عارضهم يضعون حوله الشكوك، وربما يُفَصِّلون له أي تهمه على مقاسه لتبرير اعتقاله أو إزاحته من الجيش!
رأيت، ذات يوم، أحد الدخلاء على الجيش (مُدَرِّس إصلاحي أصبح ضابطاً) وهو يشير نحو ضابط حقيقي برتبة مقدم، خريج الكلية الحربية، ويقول له: أنت موقَّف عن العمل!
لا يمكن لأي مليشيات أن تحكم وطن، أو أن تتحكم بمستقبل وطن. و”الإصلاح” هو مجرد مليشيا.
لا تختلف المليشيات في الأفعال، وإن اختلفت شعاراتها. “الإصلاحيون” / “الإخوان” يقولون على الحوثيين “أبو زَنَّة لبس ميري”، فيما “الإخوان” هم “أبو طبشور لبس ميري”.
وجعي على مصير وطن تتقاسمه المليشيات.