مقالات رأي

“الجزيرة” حيث الثراء فقيراً عازه الخيال

أعتقد أن الجدير بالنقد، في السياسات الإعلامية الجديدة لقناة الجزيرة الإخبارية، التغيير الممل في سياستها التحريرية، قبل الاخبارية. قبل فترة كتبت خواطر عن هذه السياسات، لعلي أجد إجابة مقنعة عمّا يحصل هناك:

تقرر قناة “الجزيرة”، وبشكل دوري، تغيير استديوهاتها وبرامجها، وهو توجه شجاع. لكن النسخة الأخيرة من القناة عكست الشيخوخة المبكرة لأهم منبر اعلامي عربي.

فالاستخدام المفرط للتقنية الحديثة في إذاعة الأخبار، والتواصل مع المصادر، كان على حساب السياسات الاعلامية، التي اتخذت شكلا تقليدياً ينتمي إلى عصر ما قبل الإنترنت.

نرى على الأقل ثلاثة برامج ذات طابع شعبوي، تغطي قضايا موجهة، من وإلى جمهور هو الآخر موالي وموجه.

يأتي، أولاً، “سباق الأخبار”.. فمع انفراط عقد الاتحاد الخليجي، وحالة الاستقطاب المبنية على المال السياسي، ظهرت النسخة الأسبوعية من هذا البرنامج، مشمولة بعطف جماهير الموالاة.. وهم القوام الكامل للمعجبين بقطر وتركيا وسياستهما في المنطقة. وبين وقت وآخر، تتذكر القناة حيادها، فتقدم تغريدات للخصوم، منتقاة بعقلية كيدية جبلت على ترشيح هذا الموضوع على ذاك.

ثم تأتي “نشرتكم” اليومية.. النموذج الحي لانحدار العقل المهني، لزملاء يقولون أن مهمتهم نقل الحقيقة.

والشعبوية تقدم نفسها هنا بلا حساسية، حين يقف المذيع/ المذيعة لقراءة تغريدة من ستة أسطر، ملغزة بلهجة دارجة لا تعني السادة المشاهدين في شيء، سوى كونها تعكس وجهة نظر عضو في القطيع.

تعرض النشرة فلاشات، أو تسجيلات فيديو قصيرة، لجهات منها “الجزيرة بلاس”، و”المرصد”، والذي لا يخامرك شك في وجود تمويل سياسي لها؛ أي “بروباجندا”. وتنتقي هذه الفلاشات الأحداث من جانب واحد، على إنها قضايا الراهن الأكثر شعبية. ثم يأتي دور التعليقات المختارة للعرض لأشخاص يفصح انتقائهم للمواضيع، وطريقة التعليق عليها، عن آلة دعائية ضخمة أُسست بالسيولة لا بأخلاق المهنة.

من فلان وفلان وفلان، إلى فلان وفلتان وزعطان، تحُّول وجه الصحافة شبه المهنية إلى وجه كئيب.

البرنامج الثالث، “الاتجاه المعاكس”.. وهذا من “الفرغة”، وقلة حساسية المرء، أن يقضى ثانية واحدة في إثبات شعبوية هذا البرنامج.

“الجزيرة” لا تكذب، ما يجعلها متفوقة أخلاقياً على بقية الأبواق في دول الخليج، لكنها، وخلافاً لما تدعيه، تقوم سياستها التحريرية على آلية انتقائية صارمة تأخذ ما يروق لها من الأخبار، وتتجاهل البعض، لتبدو الحقيقة عرجاء، أو تجنح بحملها في اتجاه واحد.

تشكيلة إعلامية من الذين أنتقوا لمهنيتهم، ثم أصبحوا، بحكم الأمر الواقع، وتكالب الدهر، منخرطين في صراع لا يعينيهم، أو يعني مهنتهم في شيء.

من المؤسف أن ترى الإعلامي القدير جمال ريان وقد نسى ما هو عليه من الحصافة، وتحُّول، بضرورة الخوف على موقعه الوظيفي، إلى ضاحي خلفان آخر.

لقد شهدنا، في لحظات السعار، المذيعة غادة عويس، نسخة طبق الأصل من عبدالله العذبة، وقد أراقت ماء خبرتها على معارك ساذجة، مع حسابات “الذباب الالكتروني” ذات الأسماء المستعارة.

المستوى الفني لقناة الجزيرة، هو الآخر يعيش حالة من التردي، ويعطي نموذجاً، لكيف يمكن للعقل التقليدي المقنع أن يقول: ها أنذا.

فبرنامج “فوق السلطة” يقدم نفسه على إنه ساخر، وفي الحقيقة لا يمكن لرطانة المذيع، ولغته الميتة، أن تضحك شخصاً يعيش في بلاط هارون الرشيد.

كما إنه لا توجد قناة تستثير داخلي كوامن المحرر الصحفي مثلما تفعل النسخ الأخيرة من “الجزيرة”. لنبدأ من الإعلان الترويجي لـ”فوق السلطة”، والذي يتضمن عبارات: “وعندما تخفق كل هذه السلطات، هناك سلطة فوقها، أنتم فوق السلطة”. لو كان هناك من لا يزال يمتلك سلطة النقد، داخل هذه القناة، لأسدى نصيحة لزميله العزيز: عبارة “هناك سلطة فوقها” زائدة، تكشف ولع مبالغ به بالهذر لشاشة تحاول استيعاب العمل الدؤوب لما يقارب من 500 موظف.

ليس ذلك وحسب. تمتلك “الجزيرة” أطول شريط إخباري أسفل شاشتها؛ عرفه التلفزيون المعاصر. وعلى طوله، لا يستوعب سوى النزر اليسير من الأحداث المركزية في العالم، ذلك أن القناة منشغلة ببيان لمنظمة “رارا” للتنمية والتراث، التي يرأسها جلالا ناري الناهوم، في الكونغو الديمقراطية، والذي يدين بيان حكومة بلاده المتواطيء مع قوات زعطان التي تهاجم فلتان.

 أمام عيني هذا الخبر:

خطيب صلاة الجمعة في ساحة الاعتصام بالخرطوم: التظاهرات السلمية نوع من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. لنبحث عن الخبر؟ هذا إذا أتينا على أقصر جملة صيغت بين نظيراتها.

يجب أن يطال التوبيخ كل العاملين في “الجزيرة”، أيا كانت مهامهم.. فمن المخجل أن ينفق المشاهد نصف ساعة من وقته ليبحث في الشريط السفلي عن خبر يعتقد أنه يهمه، ليجد نفسه بحاجة لنصف ساعة أخرى من الانتظار، لأن النشرة أنتهت، أو أخذ البرنامج فاصلاً إعلانيا، وعندما عاد كان على الأحداث أن تبدأ من الخبر الأول لا من حيث انقطع.

نتساءل عن الجدوى من إنهاك المشاهدين على هذا النحو، فخمسة أخبار طويلة في الشريط هي لموضوع واحد، وبما يدل أن الكثرة في الموظفين لا تعني شيئاً أمام مدير أو رئيس عديم.

لقد صار لزاماً أن نقضي من ربع إلى نصف ساعة في تحرير العبارات، التي تمرعبثاً أمام أعيننا. فمرة تحذف الخبر كاملاً، لما به من الإسراف والرتابة، كخبر خطيب اعتصام الخرطوم. ومرة أخرى بإمكانك دمج ثلاث عبارات في عبارة واحدة، دون الحاجة للانتقاص من الخبر.

ينطبق هذا على التسميات والصفات، فالرئيس اليمني عبدربه منصور هادي، يمكن أن يختصر إلى الرئيس اليمني، ورئيس مجلس النواب الليبي فلان ابن علان ابن زعطان، يمكن أن يختصر إلى رئيس البرلمان الليبي.

من المؤسف أن أقف أمام تفصيل صغير كالشريط الاخباري، لأتوه في تزاحم البديهيات التي يجب أن تكون.

والمحبط في مسألة “الجزيرة” هو أنه كيف لنموذج بدأ على نحو مختلف وملهم أن ينحدر إلى الحضيض الذي هو فيه، حتى ليبدو الثراء فقيراً كل الفقر، وقد عازه الخيال.

من صفحة الكاتب على “فيسبوك”

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى