الحكومة والعودة من النافذة الإنسانية
مجدداً يبرز الخلاف بين الحكومة الشرعية والمجلس الانتقالي الجنوبي بشكل رسمي ومعلن، بعد أن أعاق الأخير عودتها إلى العاصمة المؤقتة عدن الخميس تحت غطاء كارثة السيول التي شهدتها عدن مؤخراً.
وقالت الحكومة الشرعية، في بيان نشرته وكالة الأنباء الحكومية (سبأ) الخميس، إن “مجاميع مسلحة تابعة للمجلس الانتقالي عرقلت عودة الحكومة إلى العاصمة المؤقتة عدن في تصرف يفتقر للمسؤولية في التعامل مع جهود تطبيق اتفاق الرياض وفي مواجهة الآثار الكارثية للسيول التي طالت العاصمة المؤقتة والخسائر الفادحة في الأرواح والممتلكات الخاصة والعامة”.
في الواقع تعيش اليمن أسوأ كارثة إنسانية على مستوى العالم منذ أكثر من خمس سنوات مضت بفعل الحرب التي تخوضها مليشيا الحوثي الانقلابية مع القوات الحكومية، ناهيك عن ما عاشته كل دول العالم من حالة طوارئ شاملة بفعل تفشي وباء كورونا الذي اجتاح معظم دول العالم بما فيها اليمن التي أعلنت عن حالة إصابة مؤكدة في العاشر من إبريل الجاري دون أن تكترث الحكومة اليمنية للعودة والقيام بمسؤولياتها تجاه ما يعيشه المواطنين.
وتضمن اتفاق الرياض الذي وقَّع في العاصمة السعودية الرياض برعاية سعودية بين الحكومة والمجلس الانتقالي الجنوبي في الخامس من نوفمبر من السنة المنصرمة عودة رئيس الحكومة بمعية وزراء الوزارات الخدمية والتي لها علاقة مباشرة بقضايا المواطنين من كهرباء ورواتب وغيرها من الخدمات، دون الحديث عن عودة للحكومة بكامل وزرائها حينها.
وحتى اليوم مضى على توقيع الاتفاق ما يقارب الستة الأشهر والذي جاء عقب مواجهات دامية بين القوات الحكومية وقوات موالية للمجلس الانتقالي شهدتها عدن وأبين وشبوة في شهر أغسطس من السنة الماضية.
ومنذ توقيع الاتفاق والطرفان يتبادلان الاتهامات في عرقلة تنفيذه بالرغم من أنه كان من بدايته مزمناً بفترات تنفيذ محددة لكافة بنودة، لكن كل طرف رأى تنفيذه من الناحية التي تحقق له المكاسب السياسية والميدانية على الأرض.
وتضغط الحكومة الشرعية على تنفيذ الاتفاق بدأ بالتدابير العسكرية والأمنية التي تضمنها، فيما يصر المجلس الانتقالي الجنوبي على البدء بتنفيذ الاتفاق من ملحقه السياسي والذي يتضمن تشكيل حكومة مناصفة بين الشمال والجنوب، وتعيين محافظين وما إلى ذلك من الترتيبات السياسية، ومن ثم الانتقال إلى تنفيذ ملحقاته العسكرية والأمنية.
وبعد مضي الفترات الزمنية المحددة لتنفيذ الاتفاق ووصول الوضع إلى طريق مسدود بين الحكومة والانتقالي تدخلت السعودية مجدداً وعملت مطلع السنة الجارية على صياغة مصفوفة تنفيذية لتنفيذ الشقين العسكري والأمني من الاتفاق، لكن الأمر تعثر وسط تبادل الاتهامات المعتادة من الجانبين.
وسط كل ذلك وفي الوقت الذي يؤكد فيه كل طرف على أهمية تنفيذ الاتفاق استمر الطرفان في عمليات التحشيد والدفع بتعزيزات قتالية كبيرة إلى مناطق التوتر في أبين وشبوة، حتى كاد الوضع أن يتفجر خلال الأيام الماضية إلى مواجهات مسلحة، في منطقة شقرة، لولا تدخل وساطة سعودية وأخرى محلية لاحتواء التوتر. حيث عقد برعاية قيادة التحالف الاثنين الماضي اجتماعاً ضم ممثلين عن القوات الحكومية والمجلس الانتقالي الجنوبي اتفقا فيه على تنفيذ الملحق العسكري والأمني من اتفاق الرياض فيما يخص محافظة أبين.
وكان الاتفاق الذي أبرم بعد توترات شقرة بحسب ما يراه مراقبون بداية جدية من الطرفين لحلحة الأزمة وتوحيد الجهود لاستكمال عملية تحرير ما تبقى من البلاد من سيطرة المليشيا الحوثية واستعادة الدولة. لكن التوتر الأخير خيب الآمال.
ويعتقد المراقبون إن إصرار الحكومة على هذه العودة المفاجئة دون أي اتفاق وتحت غطاء الوضع الكارثي والإنساني في عدن جراء تدق سيول الأمطار الغزيرة التي شهدته أكثر من محافظة يمنية وبنفس المستوى ويقترب من حيث الأضرار مما حدث في عدن، يأتي من باب المكايدات السياسية ومفاقمة العراقيل أمام تنفيذ اتفاق الرياض.
خلاصة القول تشهد العلاقة أزمة ثقة بين الحكومة والانتقالي الجنوبي، لا يمكن تبديدها إلا بإبداء حسن نية لجهة الانتقالي والقضية الجنوبية بشكل عام، وتقديم التنازلات بعيداً عن حسابات مراكز النفوذ القديمة الجديدة وارتباطاتها الداخلية والخارجية التي تتداخل في تحكمها بالمشهد العام. وهو ما يعيق تنفيذ أي مهام تصب في اتجاه حلحلة الأزمة اليمنية بشكل عام.
عن صحيفة “الشارع” اليومية الورقية، 26أبريل 2020، العدد .1233