مقالات رأي

ما قبل مشهد الانهيار الصحي

اليوم فقط أدركت حجم الكارثة الصحية التي تعاني منها العاصمة عدن؛ بعد أن قمتُ بجولة سريعة إلى مستشفيات المدينة.

مجرد جولة سريعة إلى مستشفيات عدن الحكومية والخاصة معاً، تمنحك الإجابة على الكثير من التساؤلات الحائرة.

زيارة واحدة فقط لمستشفيات عدن تدرك وتؤمن أننا أمام كارثة حقيقية يغفل عنها الكثيرون.. حتى اللحظة تُراودني، وكثيرون شكوك حول خلو عدن، وغيرها من المحافظات، من فيروس كورونا، لكن عشرات المرضى أمام أبواب المستشفيات. أشاهد وأسمع عن عشرات المرضى يذبحون عنوة بسبب رفض كثير من المستشفيات استقبال الأمراض، خصوصاً الذين يُعانون من ضيق في التنفس، أو مشاكل في الرئتين أو بالقلب، والموت وحده من يستقبلهم بأحضان دافئة.

أول الهاربين من هذه المحنة، والمعركة المصيرية، هم ممن كانوا يلقَّبون بالأمس بملائكة الرحمة (الأطباء)، غير أنهم اليوم، وبعد أن قتل العشرات جراء غيابهم العمد، أصبحوا يلقبون بـ “ملائكة العذاب”.

تخيلوا معي شخص يعاني من مرض القلب وسبق أن عمل أكثر من دعامة لصمامات القلب، ومؤخراً أصيب بمرض بسبب الفيروسات المنتشرة جراء أمطار السيول، فترفض كل مستشفيات عدن استقباله بحجة “كورونا”! وبعد صراع مرير مع المرض، أصيب هذا الشخص بجلطة وانتقل إلى جوار ربه الرحيم، وكل ما كان يحتاجه هذه المريض عبارة عن إبرتين لدعامات القلب لا أكثر، كي تمكنه من العيش أكثر.. فماذا نسمي رحيله وموته نتيجة هذا التخاذل! إنه ضحية طب قاتل، وما حصل له ولغيره جراء هذا الغياب يدرج وفاتهم ضمن جرائم القتل المتعمدة.

هذه القصة حصلت لأقرب جار لي، ويعرفه الناس جميعاً، أما القصص الأخرى فهي كثيرة! أكثر من عشرة أشخاص أصيبوا بأعراض الوباء المعروف بـ “المكرفس”، ترفض ما تبقى من مستشفيات عدن المفتوحة استقبال أي حاله تعاني من ضيق في التنفس، ومن هؤلاء من قضى نحبه أثناء نقله من مستشفى إلى آخر، وآخرين يعيشون، حالياً، لحظاتهم الأخيرة، تحت رحمة الخدمات البسيطة الغائبة في عدن وغيرها. للتأكد من صحة كلامي، يمكنكم زيارة أقرب مستشفى لتشاهدوا ما عجزت عن نقله.

أجريِتُ، أمس، اتصالات مكثفة لأكثر من مدير مستشفى في عدن، غير أن هواتفهم ترنُّ ولا مجيب.. الجميع نكثوا باليمين المهني الذي أقسموه، وتركوا المستشفيات، وعادوا إلى منازلهم كملاذ آمن للهروب من الموت، ومن “كورونا”. أما البقية ممن قرروا البقاء في بعض المستشفيات، فبقاء أغلبهم حتى اللحظة من أجل كسب المال لا أكثر.

الرابحون من هذه الحرب هم من حصد أكثر من خمسة وعشرين مليون دولار كمنحة مقدمة من منظمة الصحة العالمية لمواجهة الوباء القاتل، مضاف إليها نص مليون دولار كمساعدات طبية لمواجهة الأخطار الأخرى، بالتعاون مع مركز الملك سلمان للإغاثة الإنسانية. كل هذه المبالغ الكبيرة اكتنزتها وزارتي الصحة بشقيها التابعة لـ “الشرعية” والتابعة لجماعة الحوثي.. سبحان من وحدهم هذه المرة!

“الشرعية” وجماعة الحوثي لا يهمهم أمر المواطنين.. الأهم بالنسبة لهم هو تقاسم مبالغ المنح والمساعدات الإنسانية، خصوصاً بعد انتشار خبر فيروس كورونا.. أما خطواتهم العملية على أرض الواقع فلا شيء، باستثناء بعض المعقمات، التي يوزعونها في نقاط التماس والمناطق الحدودية بين المحافظات.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى