من ذكريات بلاد السوفييت (2 ـ 6)
الفرق بين ثقافتين
يتميز الإنسان الروسي عموماً بالبساطة والعاطفة وصدق القول والعمل والمعاملة. هذا في زمن النظام الاشتراكي، أما الآن فلا أعلم عن مقدار التحول في السلوك العام الذي قد يحدثه الانتقال للنظام الرأسمالي.
أثناء دراستي في موسكو، وعند تأدية الامتحانات النهائية للسنة الدراسية الأولى, ولمعرفتي المسبقة بمستواي في مادة الفيزياء، أخذت كتاب المادة، وهو بالمناسبة أكبر كتب المواد العلمية, وضعته في خصري ولبست جاكتاً طويلاً لإخفائه, لكن ويا لحظي العاثر سقط أثناء سيري في الفصل نحو المقعد, ولأن أرضيات كل المنشآت هناك تغطى بالألواح الخشبية لتفادي برودة الشتاء، فقد أحدث سقوطه صوتاً مدوياً لفت أنظار الجميع، وأحدث لي حرجاً شديداً, نادتني على إثره المدرِّسة، وقالت مبتسمة: الطلاب يخفوا ورقة أو ثنتين وأنت الكتاب بحاله يا مفتري !
المدرس السوفيتي عادة لا يهتم لما يسطره الطالب في ورقة الإجابة, ولذلك يقوم بتوجيه أسئلته المباشرة، ومن ثم وضع العلامة بناء على مستوى الإجابة عليها.
لاحظت المدرسة ضعفي الواضح والناتج عن كوني خريج المدرسة الثانوية الفنية حيث تعطى الأولوية والاهتمام للمواد التخصصية, والتدريس المتواضع لمواد الفيزياء, والكيمياء, والرياضات .
قالت لي المدرِّسة: وأيش وصلت تعمل هنا؟! وهو السؤال التقليدي الذي يوجهه جميع المدرسين للطالب الأجنبي عند تقصيره في أي من الالتزامات الدراسية.
أجبتها بتريقة: وصلت أبحث عن الأكل .
ولأن الإنسان السوفيتي، كما أسلفت، يتسم بالصدق والبراءة, إضافة إلى تصورهم المسبق عن المجتمعات الأخرى, تغيرت تعابير وجهها ودار الحوار التالي :
– ليش أنت فقير؟!
– نعم فقير.
– وأسرتك كيف تعيش الآن في بلدك؟!
– تعيش بفقر وحاجة شديدة.
– مسكين هكذا شاب حلو وفقير.. طيب لو حصلت على الشهادة, هل هذا سيساعد أُسرتك معيشياً؟!
– نعم، وإلى حد كبير.
ثم نظرت إليَّ ملياً وعينيها تكاد تذرف الدموع قائلة :
شوف أنا بمنحك درجة النجاح، لكن عليك أن تجتهد أكثر من أجل تتخرج وتساعد أسرتك في المستقبل .
شكرتها وغادرت القاعة، وأنا أضحك على ما جرى مع شعور بتقدير مضاعف للإنسان الروسي.
في باكو، عاصمة جمهورية أذربيجان السوفيتية، ذات الغالبية المسلمة، والتي انتقلت إليها من موسكو، نتيجة للأسباب التي أتيت على ذكرها في الحلقة السابقة, حدث لي موقف مغاير قَدَّم صورة فوتوغرافية عن الفارق بين ثقافتين, بين ثقافة المدرسة الروسية الكافرة، وثقافة المدرسة الأذرية المسلمة .
في الفصل الثاني من السنة الدراسية الرابعة, تقدمت للامتحان في مادة تدخل في صلب تخصصي، تعنى بحركة المياه وتأثيرها على المنشأ المائي.
في اليوم المحدد لتأدية الامتحان، وكنت متفوقاً في هذه المادة, أجبت عن جميع الأسئلة التحريرية والشفهية, مع ذلك أبدت المدرِّسة الأذرية الشابة امتعاضها، وطلبت مني العودة بعد أسبوع لتأدية الامتحان مرة أخرى. استغربت كثيراً من موقفها، مع ذلك غادرت القاعة, وقضيت أسبوعاً في استعادة قراءة المادة .
في اليوم المحدد ذهبت لتأدية الامتحان مرة أخرى, ورغم إجابتي عن كامل الأسئلة, إلا أن موقفها لم يتغير، حيث أبدت عدم رضاها عن إجاباتي, في موقف أحدث لي كثيراً من القلق والخوف من إمكانية استهدافي، وإعادتي إلى بلدي, كنتيجة لما جرى في موسكو وتطرقت له في الحلقة السابقة .
لاحظت شدة استغرابي وقلقي, مع ذلك أبدت، وبشكل