مقالات رأي

من ذكريات بلاد السوفييت (3 ـ 6)

موقف لم يعشه السوفييت من قبل!

كان الاتحاد السوفيتي العظيم يضمُّ 15 جمهورية منها الواقعة في الجزء الأوروبي، ومنها الإسلامية الواقعة في الجزء الآسيوي, ومنها جمهورية أذربيجان وعاصمتها باكو.

كان نظام الدولة السوفيتية الاشتراكية سارياً على الجميع لكنك تحس بحضوره في الجغرافيا الأوروبية أكثر منه في الآسيوية.

تشعر وأنت في الجزء الأوروبي، ومنها مثلاً جمهوريات روسيا وأوكرانيا وبلاروسيا, إضافة إلى جمهوريات البالطيك الثلاث. أن الناس أكثر تحضَّراً وأكثر تفوقاً في مظاهر الحياة العامة بما في ذلك السلوك العام والفردي, إذ يتَّسمُ الناس هناك بالصدق والأمانة والنزوع للهدوء واحترام النظام والقانون كسلوك وليس خوفاً من النتائج.

بعد إكمالي للسنة التحضيرية في موسكو، وفي الإجازة الصيفية، ذهبت إلى إحدى المستشفيات للعلاج من عارض صحي وبقيت فيها لمدة أسبوع, وكانت الخدمات الطبية إبان النظام السوفيتي تعتبر من أرقى الخدمات في العالم من حيث الاهتمام بالمريض ومجانيتها بالتأكيد.

تقع المستشفى بالقرب من الساحة الحمراء، وتحديداً على ضفاف نهر موسكو.

بعد أسبوع غادرت المستشفى، وبدلاً من العودة إلى السكن الطلابي عبر الباص أو استئجار تاكسي، قررت الوصول عبر الميترو، الذي كانت محطته تقع  في الجهة المقابلة للمستشفى ويفصل بينهم شارع عريض يسمى بالروسي “براسبكت” , يعني أكثر من خمسة خطوط ذهاب ومثلها إياب, إلى جانب حديقة أشجار عريضة تفصل بين خطي السير وبطول الشارع طبعاً الذي يصل طوله عشرات الكيلو مترات.

في مثل هذه الشوارع تصل سرعة السيارة إلى أكثر من مائة كيلو متر في الساعة, لكن ونتيجة لالتزام السائقين بنظام السير لا تقع أي حوادث برغم السرعة والعدد المهول للسيارات. في مثل هذه الشوارع، أيضاً، يمنع العبور من خلالها للجهة الأخرى إلا عبر مسارات تحت الأرض تسمى “بريخود”، ويستحيل طبعاً أن تجد من يفكر حتى مجرد تفكير بقطع الشارع، في أي وقت كان, غير أنني فكرت وأقدمت على ارتكاب مثل هذا الجرم الجسيم بالرغم أن الممر الأرضي لا يبعد أكثر من 300م.

كانت الساعة العاشرة صباحاً؛ نظرت شمالاً وكان بعد السيارات القادمة والمسرعة تسمح لي بقطع المسافة الأولى جرياً حتى الحديقة الوسطية, أثناء السير سمعت صفارة لا أدري مصدرها. انتظرت في الحديقة حتى تسمح حركة السير في الاتجاه الآخر من الشارع بالعبور, أتذكر كيف كان السائقون ينظرون إليَّ ويقلب بعضهم أيديهم إلى درجة أن أحدهم أخرج رأسه من النافذة وشقف لي “عرعرة” جامدة.

شعرت بجسامة خطأي وكنت بين الأشجار والحشائش أشبه بقرد يبحث عن الثمار المتساقطة. بعد وقت ليس بالقصير, سمحت لي حركة السيارات بعبور الشارع جرياً وسمعت أيضاً صفارة, وفي نهاية الشارع وجدت نفسي أقف أمام رجل مرور.

شاهدت المارة من الناس وكيف كانوا ينظرون إليَّ, وحالة من الاستغراب والتعجب والدهشة البادية على وجوههم وخاصة العابرين من النساء.

ظللت واقفاً أمام العسكري، وهو ينظر لي من الأعلى إلى الأسفل والعكس، ودون أن يتحدث معي, شعرت بحرج لا أستطيع وصفه. كنت “أتنحنح”، وأتلفت يمين ويسار, مع ترديد بعض عبارات الاعتذار وكلمات الأسف, لكنه ظل على وضعه وبما فاقم شدة حرجي وشعوري بفداحة الخطاء.

وأخيراً نطق ودار الحديث الآتي:

  • من أي بلد أنت؟
  • من اليمن.
  • وما هذي اليمن, طماط أم بطاط؟!
  • لا، لا، هذا اسم بلدي الذي أنحدر منه.

عاد مرة أخرى للنظر إليَّ من الأسفل إلى الأعلى، وبطريقة أكثر سخرية, مع تقليب يديه ومط شفتيه، وسط حرج شديد وحركات سريعة وغير منظمة ونحنحة مستمرة, في موقف حرج لم أعشه من قبل.

أخيراً نطق، مرة أخرى، مطالباً إياي بدفع الغرامة القانونية، وقدرها اثنين روبل يعني ريالين بسعر السوق السوداء, وما كان مني إلا أن أخرجت خمسة روبلات وبسرعة فائقة, لم يأخذها لكنه عاد للنظر إليَّ بطريقة التحقير التي قابلني بها, ثم أشار لي بكفه اليمنى أن أغادر المكان وبطريقة احتقار واستخفاف مضاعف.

لم أصدق أنَّي خلصت من هذا الموقف المحرج والذي مر بدقائقه علي وكأنه شهر كامل.

لم أنسَ ما حدث لي من نظرات الناس و”عرعار” السائقين، واستخفاف رجل المرور، طوال سنوات دراستي هناك, لكنني صرت أكثر التزاماً بالنظام والقانون العام في البلاد, أكثر من المواطن السوفيتي نفسه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى