ذكرياتٌ من بلادِ السوفييت (4- 6)
“الكرث” هو السبب!
مثَّلتْ جمهورية أذربيجان واحدةً من جمهوريات الاتحاد السوفيتي الخمس عشر, إلى جانب عدد من الجمهوريات ذات الحكم الذاتي.
ومع أن النظام العام كان مطبَّقاً في جُلِّ هذه الجمهوريات بشكل موحد، وكانت السلطة السوفيتية تحضر في كل شبر من البلاد بآلية سياسية وتنفيذية واحدة, إلا أنك تلمس ذلك الفارق الكبير بين الجزء الأكبر الواقع في الجغرافيا الأوروبية والآخر الواقع في القسم الآسيوي الذي يضمُّ تقريباً كل الجمهوريات ذات التوجه الإسلامي.
نعم الفرق واضحٌ جداً ويمكن أن تلمسه وتشاهده بسهوله ودون بذل أي جهد ذهني.
على عكس المواطن في الجزء الأوروبي, يتسمُّ سلوك المواطن في الجمهوريات الإسلامية بالفساد، والسلوك الانتهازي، والعنف، واستغلال الموقع القيادي, وكل ما يميز الإنسان الشرقي على هذا الصعيد. وقد تجدهم في طريقة تفكيرهم، وخفَّة العقول، ما يجعلهم أقرب لليمنيين من غيرهم, ويرجع ذلك، وبحسب طرح أحد الزملاء مازحاً, فإن ذلك يرجع للاهتمام المشترك بزراعة “الكرث”.
في أذربيجان، مثلاً، يلتحق الطالب بكلية الطب مقابل 20000 ألف روبل, والعلاقات الدولية مقابل 10000روبل, غير أن مقابل الالتحاق بكلية الشرطة هو الأعلى حيث يصل إلى 30000 روبل.
طبعاً، هذه مبالغ كبيرة إذا ما قيستْ بدخل الفرد والصرف الرسمي للعملة, أيامها؛ فمثلاً البروفيسور بالجامعة كان يتقاضى 300 روبل، أما الصرف الرسمي للمائة دولار فكان لا يتعدى 75 روبل.
أما لماذا تدفع هذه المبالغ فيمكن اختصارها بما حدث ذات مرة, فقد كنت راكباً على سيارة خاصة لسائق من القومية الروسية، وفجأة أوقفه رجل المرور دون سبب يذكر.. طَلَبَ الرخصة، وبينما كان يتفحصُ أوراقها وجد بينها 5 روبل، وعلى الفور أخذها، وأرجع الرخصة للسائق وغادر المكان.
قال لي السائق: “لا تستغرب أنت في باكو، حيث كل شيء ممكن الحدوث”. وأضاف: “هنا يجب على رجل المرور إيصال ما لا يقل عن 20 سيارة يومياً إلى الإدارة، بينما هو يستطيع إيقاف ما يريد بسبب، أو دون سبب، المهم العائد المادي”. ألم أقل لكم بأنهم أكثر قرباً من اليمنيين!
لتأكيد ما ذهبت إليه، أيضاً، في هذه التناولة، فيما يخصُّ سلوك المواطن الشرقي، وعلى عكس المواطن الأوروبي, يحضر في ذهني الموقف الآتي:
كنتُ وصديق العمر المهندس محمد الأديمي، المتواجد منذ عشر سنوات في بريطانيا، وحصل، مؤخراً، على جنسيتها, كنا على سيارة أجرة في الطريق إلى السكن, وحين عرف سائق سيارة الأجرة أننا عربٌ ومسلمون بدأ بإسماعنا ما هو تقليدي من الكلام: أنا أيضاً مسلمٌ. ثم استمر في شتم إسرائيل المغتصبة لبلاد المسلمين، وكثير مما هو ليس بجديد على طبلات آذاننا.
كان “الأديمي” كعادته لا يطيق أسلوبهم في التعامل؛ لذا التفت نحوي، وقال: الآن سأجعله يغير أسطوانته”, ثم التفت نحوه قائلاً: “احترم نفسك نحن من الحزب الشيوعي الإسرائيلي”.
أجابه السائق باستغراب: “صحيح ما تقوله أنتم لستم عرباً!”. وما كان من السائق عندئذ سوى تغيير أسطوانته، وبدأ بشتم العرب ملصقاً بهم عيوب البغلة، كما يقال. كل هذا التحول من أجل ضمان روبل زيادة إلى جانب ما سيظهره عداد السيارة.
علق “الأديمي”، وابتسامة ساخرة تعلوا وجهه: “ماذا تنتظر من إنسان شرقي مسلم حقير؟!”.
وصلنا السكن الطلابي وقام صديقي “الأديمي” بدفع روبلين زيادة إلى أجره.. لم يخفي السائق سعادته بهذه الزيادة، وهو يردد مبتسماً: “تعيش إسرائيل.. تعيش إسرائيل..”. ردَّ صديقي “الأديمي”، وهو يقهقه ضاحكاً وبلهجته التعزية: “معذور السبب “الكرث” يا بن العم!”.