مقالات رأي

الله على زمن مضى أيها الطاهر!

أتيت في زمن ليس زمانك، ورحلت في زمن كنا فيه نحتاجك، تركت فراغاً في القلوب وفي النفوس وفي العقول.. رحيلك كان صدمة وفاجعة كبرى في ميادين الحياة. أحييت فينا الحياة وزرعت فينا الأمل والطهارة.

نسيم عليل مر على طيف المدينة الهادئة، فحرك في دواخلنا العشق والمتعة، وصنع في

النجم طاهر باسعيد

حياتنا روح مكلاوية جديدة، وشيئاً جديداً سكننا وعاش معنا أوقات وسنوات لم نعشها. سألت، ذات يوم في لقاء صحفي لصحيفة شبام الرياضي، مع رمانة الميزان الموهوب نجم خط الوسط سعيد عبدالرحمن الناخبي، أسئلة كثيرة، وجاء الحديث عن الفقيد طاهر باسعيد، فاستشعرت دمعة في عيني الناخبي وهو يتحدث عن طاهر، واختتم حديثه بأن طاهر هو النجم الذي افتقدناه قبل الأوان.

افتقدناك أيها الطاهر الجميل، وافتقدنا عطاؤك في ملاعبنا الكسيحة، وافتقدنا روحك المرحة داخل الملاعب وخارجها. جئتنا في زمن كنا نجهل فيه سر إبداعك وموهبتك الكبيرة، وحدهم التلاليون عرفوا من أنت ومن تكون.. دكتورهم الجميل عزام خليفة كان مبهوراً بموهبتك ويعرف قدرها. أتذكر قدومه إلى المكلا ومعه الرائع عباس غلام، رحمه الله، وأتذكر حديثهم عن الرائع الراحل طاهر باسعد، وإن عليه ألا يترك المنتخب الوطني ويترك الكرة.

وقالها الدكتور عزام: “حرام أن يكون مثلك بعيداً عن المنتخب، وعن كرة القدم”. وكان متحسراً على قرار طاهر بعدم اللعب للمنتخب. التقيت دكتور التلال في العاصمة أبوظبي، فكم كان مفتوناً بك يا طائر الكناري..

  عشقت المكلا وبحرها وشوارعها وأزقتها وبادلتك العشق والغرام. كنتَ ذا قلب حانٍ، وتطعم القطط يومياً الأسماك في بايكات الميناء القديم، وكانت تنتظرك ظهيرة كل يوم، تنتظر القلب الطاهر والروح الجميلة، تعانق الفرح بقدومك، فمن لها غيرك أيها الفتى المكلاوي الغزير العطاء. بكتك تلك القطط مؤكداً، كما بكتك المكلا، وسيف حميد، والبلاد، وكبرياء المكلاوية، وحي الشهيد، والسلام، والشرج، وديس المكلا.. ومازالت تتذكرك، وتذكر روائعك، ولم تغب عن الذاكرة لحظة.

أطلقت المكلا أسمك على ملاعبها المطلة على سيف حميد، الذي تفتحت فيه مواهبك، وكان شاهداً على وجودك وقدومك الى عالم المستديرة. وأظن ذلك قليلاً بحقك، فأنت تستحق أن يشيد لك تمثالاً في وسط المدينة، في حي الشهيد تحديداً، يحكي قصة هواك وعشقك وفنك البديع. لم تنجب المكلا، ولا حضرموت، ولا الوطن، موهبة بمستوى موهبتك.. وأراهن على ذلك.

أنت استثنائي ومثالي في لعبك، وأسطورة سيحكي عنها التاريخ مهما طال الزمن. أنت سر المتعة، وسحابة ماطرة غسلت القلوب والوجدان، وجعلت في قلوبنا لك حباً وعشقاً لا ينتهي.

لن ننساك يا بو حاج، وسنذكرك كل ما مر طيفك في سمانا، وتجددت قصة هوانا، ورحلة أحزاننا، وسنناديك بصوت مجروح مبحوح كلما شاهدنا “سيف حميد”، أو مررنا بحي الشهيد، أو شاهدنا لوحة ناديك المكلا تتوسد المبنى القديم في سكة يعقوب.. سنقول هنا كنت طاهراً، ماهراً، قاهراً، ذات يوم، هنا وزعت المتعة والفرح، وهنا زرعت الصفاء في القلوب العامرة.

لن نقول وداعاً، بعد مرور كل تلك السنين على رحيلك، بل سنقول أهلا بك في قلوبنا لتسكنها وتعيش فيه طول الدهر. يكتبني الحديث عنك ويبكيني، وفاؤك وسلوكك الرائع وموهبتك الفذة تذكرني بماضٍ جميل مر، وأيام انقضت في دنيانا، وأحكمت قبضتها على قدرنا ومصيرنا المحتوم. اللهم لا اعتراض على قدرتك وعزتك يا قوي يا عزيز يا جبار.

سنذكرك كلما جاء ذكر كرة القدم، وسنذكر ألعابك الساحرة ونظراتك وصوتك وأنت تنادي على رفيق دربك إمامنا الطيب “أحمد بلعلا” من بعيد، وأنت ترسل إليه تمريرة متقنة في أحد تمارين نادي المكلا التي تحولت، ذات يوم، بوجودك إلى ساحة فرح ومرح وحضور كبير كأنما يتابع العشاق مباراة في ملعب الفقيد بارادم وليس تدريب مكلاوي يتوسطه الفتى الأسمر “طاهر باسعد”.

 اليوم يقترب الزمن من يوم رحيلك في يوم عيد الفطر المبارك، حتى وأنت تودعنا اختار لك القدر يوم العيد ليسرق الفرحة من القلوب، ويجعلنا نغوص في ذكراك الساكنة فينا، وذكرياتك مع منتخباتنا الوطنية في المحافل الدولية، وأنت تتلقى عبارات الإعجاب والتقدير من مدربين وخبراء وجماهير لا تعرف من أنت، كما حدث مع جماهير المغرب التي أصرت أن تتبضع من متاجرها مجاناً، عندما سأل التاجر عن صاحب الرقم ٥ في صفوف منتخبنا فأشار زملاؤه إليه، فقال يأخذ ما يريد مجاناً، وهناك إشارة الكهل البرازيلي “زاجالو” حامل كأس العالم لاعباً، ومدرب المنتخب السعودي حينذاك، الذي أشاد بمستواه. واختيار العميد لك أيها الطاهر للمشاركة معه عربياً في دورة رباعية في قطر.

 هيج أشجاني وأشواقي صديقي العزيز “أبو سعيد الدموني”، العالق بمصر، ربنا يجيبه بالسلامة في هذه الأيام المباركة، بحديثه عن أيام الفقيد الرمضانية وإفطاره معاً في مسجد واحد، وأحسست حبه الكبير لهذا الطاهر الرائع.

 وأتذكر هنا أن أحد أبناء حي السلام كان كلما مر طاهر، وهو يلعب الكوتشينة في أحد القهاوي، يقف له ويحيه حتى يضمي إعجاباً به.. يا لهذا العشق، وكم كنت كبيراً وعملاقاً يا فتى. والآن عرفت إحساس هذا الرجل، وإننا أمام رجل عظيم وذو حظوة ومكانة عالية.

  أجد نفسي مرغماً بالتوقف عن الكتابة عنك في هذه العجالة، وتتوقف أناملي عن الوصف والتفصيل لطائر الكناري الطاهر، الذي كان لي فرصة لقائه في السوق الرمضاني بالدلة بحي الشهيد، في الثامن والعشرين من رمضان، وكنت موعوداً برؤياه في اليوم التاسع والعشرين ليسلمني صوراً له في لقاء صحفي لم يتم لتأخري في اليوم الثاني عن الموعد، وليتني أتيت.

  رحمك الله أيها الطاهر الطائر في سمانا طيفاً باسماً، وغفر لك وأسكنك جنان الخلد ياحبيب الملايين وعشيقهم، يا أخضر القلب، يا مكلاوي الهوى والهوية.. إنا لله وإنا إليه راجعون.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى