مقالات رأي
الوقت بخطوات عجُولة.. (5) الخال.. بحُلمه ومسكنه وأصدقائه


ترك والدي عملَه في دكان الحاج سعيد عمرو غالب، في السوق المركزي، مطلع العام 1983، وعاد إلى القرية، ومنها إلى صنعاء. كان العام الدراسي في منتصفه، فانتقلت للعيش في مسكنِ قريبٍ له ولأمي -هو ابن خالةٍ له وابن عمة لها- واعتدت على مناداته بخالي؛ لسببٍ لم أجد له تعليلاً حتى الآن، فكل أبناء عمي ينادونه بالعم عبدالله.
كلما جاء “الخال” ببالي، عاد بي شريطُ التذكر إلى تعز السبعينيات، ونزوع التحديث الذي تلبَّس أبناء الطبقة الوسطى التي كان يمثلها باقتدار، ليس لأنه موظفٌ مرموقٌ في البنك اليمني للإنشاء والتعمير الذي انتقل إليه من شركة المحروقات اليمنية أوائل السبعينيات؛ وإنما لتمثله هذا المنزع الحي في طريقة حياته المنظَّمة وملبسِه الأنيق، والأهم حُلمِه الكبير، الذي لا يُحَدُّ، في تجاوز الفقر والحرمان بواسطة تطوير الذات، وهو ما استطاع تحقيقه بالمثابرة والإخلاص.
كان هذا “الخال” دالّة التحديث في العائلة؛ فهو من أوائل من اشترى بيتاً في تعز، ولم يزل هذا البيت قائماً، جوار جامع الأصنج، المجاور لشارع 26 سبتمبر في “حافَة” المستشفى السفلى. وهو أول من أدخل لمسكنه، المكوَّن من شقتين إحداهما فوق الأخرى، أدوات الطبخ الحديثة، من “البوتاجاز” الإيطالي و”التيفال” الفرنسي والثلاجة اليابانية وخلّاط “المولينكس” الفرنسي، وتملَّك التلفزيون الملوّن “أبو الصندوق الخشبي”، أظنه ماركة “سانيو”، في وقتٍ لم يكن بثُّ تلفزيون صنعاء يتجاوز الساعات الخمس.

حينما كان يسمح لي والدي بمغادرة الدكان والذهاب إلى بيته، كنت كمن ينتقل من عالمٍ إلى آخر؛ فهناك كنت أجد الماء الساخن، النازل من السخَّان الأسطواني، نادرِ الوجود في البيوت التي أقمنا فيها. وهناك كنت أتلذذ بأكل “الكيك” البيتي الذي كانت تصنعه خالتي فاطمة، ومن الثلاجة الـ “ناشونال”، كانت تُخرج لنا الـ “كريم كراميل” البارد “البودنج”؛ ونحن الذين لم نكن نعرف سوى “ملبّنيِّة” رمضان الساخنة والسائلة التي تصنعها أمهاتنا في القرى. أما اللقمة الطيبة “الهنيّة”، فقد كانت في ذلك البيت، وليس في مطاعم السوق التي لا تُشبع أحداً.
في هذا البيت، أكلنا “سندويشات” الـ “روتي” السليس (التوست)، حين كان المخبز الآلي بتعز، سنة افتتاحه، يسوّقه مغلّفاً طازجاً. وكان الخال يقوم بنفسه بتحضيره من الجبن والبيض والسلطات، بعد أن يأخذنا العجبُ من الطريقة التي يقطَّع بها الخبزُ المقولب.
اشترى سيارةً “صالون” حديثةً، أوائل الثمانينيات، فكان يأخذنا في رحلات ممتعة إلى المخا والخوخة والحديدة. والأقرب فيها كانت إلى “المفتش” وبِرْكةِ ومزارع عُصَيْفِرة، شمال تعز؛ حيث الجوافة والـ “باباي” والمانجو والرياحين.
كان رجلاً متمدّناً، لم يصنع منه حرمانُ الطفولة وغيابُ الأب كائناً منغلقاً أو هامشياً هشاً؛ بل صقَل فيه روحاً تواقةً للحياة التي بدأها معلماً في مدرسة الثغر بالحديدة، بعد قيام ثورة سبتمبر 1962، قبل أن ينتقل كموظفٍ إلى شركة المحروقات في مدينة إب. وحينما أنجب، في العام 1969، ولده البكر، أسماه “قسطنطين”، قبل أن يُستبدل، برغبةِ الولد نفسه، الذي تسمَّى “عبدالرقيب”.
