مطالبة الحكومة الشرعية بدفع رواتب الموظفين في المدن الخاضعة للحوثيين، بصراحة، شيء عجيب غريب.
ليس من الواجب على أي سلطة أن تدفع رواتب موظفين يعملون لدى سلطة أخرى حتى لو كانت تجمعها بها علاقة جيدة، فما بالك عندما تعيش حالة حرب معها؟ ولكن لأننا قد اعتدنا على الفهلوة حتى أصبحت جزءاً من سلوكنا اليومي، فليس بالغريب أن يطالب البعض بشيء من هذا القبيل.
الحوثيون سلخوا رقعة جغرافية معينة وأقاموا عليها دويلتهم التي يديرونها باستقلال تام إلى حد أنهم منعوا فيها تداول العملة الجديدة، فكيف يعقل أن نطالب الشرعية بدفع رواتب الموظفين فيها؟ هذا الأمر يشبه أن نقول إن على الشرعية أن تدفع ما على الحوثي من التزامات مالية تجاه موظفيه ومن هم تحت سيطرته، لكي يتسنى له بعد ذلك أن يسخِّر كل إمكانياته المادية لمحاربتها.
الحكومة في عدن أرسلت بالفعل، وفي أكثر من مناسبة، براتب شهر إلى موظفي مملكة الحوثي، ولكن هذا التصرف لا يعني أن هناك فعلاً مسؤولية على الحكومة تجاههم، ولا يدل على نزاهة واستشعار لتلك المسؤولية، بل، على العكس، يدل على غباء وتناحة إلى أبعد حد، وعلى فساد مستفحل ينخر في عظامها، وعلى سوء إدارة لحربها مع الحوثيين، وهذا على العكس مما يفعله الحوثيون أنفسهم، فبرغم أنهم لا يزالون يعتقدون أنهم يمثلون كل اليمنيين، ولا يزالون يطمحون للاستيلاء على اليمن كلها متى أمكنهم ذلك، فإنهم عندما يدفعون “نصف راتب” لموظفيهم، وهذا أمر يحدث تقريباً كل أربعة أشهر، فإنهم لا يدفعونه لكل الموظفين، بمن فيهم أولئك الموظفون في المدن الخاضعة للشرعية، وإنما يدفعونه فقط لمن هم تحت سيطرتهم.
من يرد راتباً من الشرعية عليه أن يلتحق بمناطق سيطرتها، ومن يفضل البقاء عند الحوثي عليه أن يذعن لمزاجه ولرؤيته الخاصة في توزيع المال العام. أما أن تعيش عند الحوثي وفي الوقت نفسه تنتظر من حكومة أخرى أن تنفق عليك فهذه هي الخبالة التي ما بعدها خبالة.
انقطاع الرواتب تسبب بمآسٍ لكثير من الناس. لا أحد يجادل في هذا. ولكن على الناس أن يعرفوا من هو المسؤول على انقطاع رواتبهم، ويطالبوه هو.