آخر الأخبار
المعذبون في اليمن.. قصة امرأة استثنائية

-
امرأة تُكافح الجوع بالتسول المجهد: تجوب القرى يومياً بحثاً عمَّا يُبقي أفراد أسرتها على الحياة
-
صباح كل يوم، تودع زوجها وأولادها، وتغادر المخيم، بحثاً عن ما يسد رمقهم ويُبقِيهم على الحياة
-
بعد أن تُغادر، يبقى زوجها وأولاده من حوله، خارج المخيم، مترقبين عودتها، وملامح البؤس والحزن تغطي وجوههم، وأيديهم تلعب بذرات التراب
-
تفاني: تجوب عدداً من قرى “المعافر” وصولاً إلى “جبل حبشي”، بحثاً عن ما ستجود به أيدي الناس لإطعام أسرتها الجائعة المكونة من 14 فرداً
-
إنكار للذات: عندما سألها موفد “الشارع” عن اسمها، أجابت: زوجة غالب سعيد
-
يظل زوجها يلهج بالدعاء لها، وانتظار الطعام الذي ستعود به، بعد ساعات من طويلة من التنقل بين القرى
-
بين وقت وآخر يُقعدها مرض الربو حبيسة الفراش، فيبقى زوجها وأولادها دون أكل
-
هرباً من الحرب، نزحت مع أسرتها من “مَقْبَنَة” إلى “خيم جبل زيد”، حيث تعيش، مع زوجها وأولادها، في خيمة
الزوج:
-
يا أخي، جوع، وما فيش شُغل. هنا، كل واحد يشتغل بنفسه، وأنا وعيالي ما نلقى عمل
-
زوجتي هي المصدر الوحيد لجلب الخبز لنا من بيوت الناس في القرى، ولولاها با نموت جوع
-
لما تُمرض زوجتي تجي لي حالة نفسية وأفكر، أحياناً، بالانتحار، وأطرد زوجتي إلى عند أبوبها
تعز- “الشارع”- ملف خاص:
تسير في عامها الـ 43، لكنها تبدو كامرأة ستينية. انهكها الفقر، ونالت منها حياة التعب اليومية. التجعد واضحاً على وجهها. وجهها متجعداً وشاحباً، كأي امرأة فقيرة تعاني من كارثتي الفقر والنزوح. بشرتها السمراء تتخللها صُفْرَة باهتة اللون. ذلك لون المعذبون في الأرض.
تعيش، مع أفراد أُسرتها، في “مخيم جبل زيد” للنازحين، الواقع في مديرية المعافر، جنوب

“الشارع”
محافظة تعز.
إنها نازحة، وفقيرة. وفوق هذا تُعاني من مرض الربو، ولديها زوج إعتاد الحياة في انتظار ما تعود به يومياً من طعام.
الإنهاك والتعب واضحين على وجهها وجسدها. لكنها امرأة قوية، وتتمتع بعزيمة حديدية. أنجبت عشر مرات، ومنذ سنوات طويلة وهي تُكافِح لتأمين الطعام اليومي لأفراد أسرتها كبيرة العدد؛ زوج وعشرة أبناء أغلبهم أطفال (4 بنات، و6 أولاد). تَزَوَّج ابنها الأكبر، ثم الذي يليه، فأضفيا عليها عبء آخر: توفير الطعام لزوجتيهما. وإعالة أُسرة كبيرة كهذه هي مهمة شاقة؛ في بلد فقير أنهكته سنوات الحرب الطويلة، وحَدَّت من قدرة أهله على العطاء وتقديم المساعدات للفقراء. الحرب حَوَّلت أغلب اليمنيين إلى فقراء؛ إذ دفعت أكثر من 20 مليوناً منهم إلى تحت خط الفقر؛ حسب التقارير الأممية.
ورغم كل ما تفعله هذه المرأة لأُسرتها، إلا أن لديها إنكار بالغ للذات. رفضت أن يلتقط لها موفد “الشارع” صورة مباشرة، وعندما سألها عن اسمها، قالت: “زوجة غالب سعيد”.
“أنتِ أيش اسمك؟”. أجابت: “سعيدة”.
ليس لها من اسمها نصيب. اسمها “سعيدة”، لكنها تعيش حياة مثقلة بالتعب والبؤس.
…
“بَرُوحْ أُطَلِّب طَحِين”؛ عبارة تقولها “سعيدة” لزوجها، وأطفالها، قُبِيل مغادرتها مخيم النزوح، صباح كل يوم، بحثاً عن ما يسد رمقهم ويُبقِيهم على الحياة.
تحدثت المرأة بحزن بالغ عن بحثها اليومي عن ما يسد رمقها ورمق أولادها وزوجها.
بنبرة مشَبَّعة بالألم والقهر، قالت لـ “الشارع”: “المخيم فارغ.. ما فيش فيه حاجة نأكلها.

حتى الطحين ما فيش!” وبنبرة أكثر حزناً، أضافت: “معي عشرة عِيَال (أبناء)، اثنين متزوجين، والبقية جُهَال (أطفال)، وكلهم بلا عمل، وما فيش أمامي إلا أروح إلى القرى المجاورة أبحث عن طحين.. وأعمل لهم خبز”.
بعد أن تُغادر المرأة، صباح كل يوم، بحثاً عن طحين، يبقى زوجها، وأولاده من حوله، خارج المخيم مترقبين عودتها، وملامح البؤس والحزن تغطي وجوههم، وأيديهم تلعب بذرات التراب. يشغل الأولاد أنفسهم باللعب وأشياء كثيرة، فيما يظل الأب يلهج بالدعاء لزوجته. يظلون لوقت طويل في انتظار عودة الأم، والطعام الذي ستحمله لهم.
تجوب الأم عدداً من قرى “المعافر” وصولاً إلى “جبل حبشي”، بحثاً عن ما ستجود به أيدي الناس لإطعام أسرتها الجائعة. مهمة يومية متعبة ومريرة تستمر لساعات طويلة؛ حسب أمزجة أهل القرى القريبة، وما تجود به أيديهم من عطاء. فعندما لا يعطوها شيئاً، أو يعطوها شيئاً غير كافي، تسير إلى قرى أخرى أكثر بعداً عن المخيم؛ كما قالت في حديثها لـ “الشارع”.
تنتمي هذه المرأة المكافحة، وزوجها غالب، إلى “مَقْبَنَة”، وجاءت إلى هنا، كالآخرين، هرباً من الحرب. يعيش أفراد هذه الأسرة (14 فرداً) في “مسكن” متواضع داخل المخيم؛ إن جاز لنا تسميته مسكن. وأن يكون هذا “المسكن” عبارة عن طربال فنحن أمام مأساة مركبة.
يُشارك غالب في الحديث، مخاطباً موفد “الشارع”: “يا أخي، جوع، وما فيش شُغل. هنا، كل واحد يشتغل بنفسه، وأنا وعيالي ما نلقى عمل”. يضيف: “زوجتي هي المصدر الوحيد لجلب الخبز لنا من بيوت الناس في القرى، ولولاها با نموت جوع”.
تعود الأم مع المساء، ليبدأ يومها العائلي “السعيد”، في حال عادت بكمية كافية من الخبز أو الطحين؛ كما قالوا. تحتفي بكثير من فرح أطفالها وسرور زوجها الذي يزيد من إطلاق عبارات الدعاء لها؛ بنبرة بالغة الامتنان. يبدأ في الدعاء لها من لحظة مغادرتها المخيم، صباحاً. وطول ساعات الانتظار لها، يظل يعود، بين وقت وآخر، للدعاء لها. وبعد أن تعود، يعلو صوته بالدعاء لها، لا سيما خلال تناول الأكل.
تحظى الأم بحفاوة كبيرة عندما تعود من رحلة البحث اليومية عن الأكل. يعيش أفراد الأسرة لحظات “سعيدة” عندما يتم تأمين الأكل لهم. لكنهم يحرمون، أحياناً كثيرة، من هذه اللحظات. فالأم تُعاني من مرض الربو، وبين وقت وآخر يُقعدها هذا المرض حبيسة الفراش. في تلك الأوقات العصيبة يتجمع الأولاد حول أمهم المريضة، دون أكل. لا يستطيعون تدبير الأكل اللازم لهم، أو تقديم الأكل لأمهم المريضة؛ كما قال زوجها غالب.
يضيف غالب: “أحياناً أفكر بالانتحار من كثر الضغط النفسي، زوجتي مريضة، وكل يوم وإحنا نعاني من الفقر والجوع”. يأخذ نفساً عميقاً، ثم يتابع: “لا أكل، لا طحين، لا سكر، هذا الوضع يجيب لي حالة [نفسية]، وأطرد زوجتي إلى مخيم أبوها القريب”! يا له من نكران وجحود للمرأة التي تتفانى لإبقائه وأولاده على قيد الحياة.
يستطرد غالب: “اسأل زوجتي هذه أمامك، رِجَعْت أمس.. كانت حَانِق [زعلانة عند والدها]، والسبب ما فيش رز، ولا سكر، ولا طحين.. قلت لها اِجْزَعِي [اذهبي] بيت أبوكِ”.
يقول غالب: “أبوها قال لي: اِتْسَلَّف [اقترض] فلوس، واشتري طحين، زوجتك مريضة”.. الآن اِتْسَلَّفت 5 ألف من ابن عمي، وباقي 2200 عشان اشتري نص قُطْمَة طحين بـ 7200 ريال، مش عارف من فين أجيبها، وما يعلم بالحال إلا الله”.
امرأة بمفردها تُعِيل أسرة كبيرة مكونة من 14 فرداً. زوجها لا يعمل، وابنيهما الكبيرين لا يعملان. وجدنا أحدهما مصاباً في رجله اليمنى، جراء حادث مروري بدراجة نارية.
قصة هذه المرأة هي قصة فريدة من المعاناة والتفاني. أم تُكافح الفقر بالتسول اليومي المجهد. تجوب القرى يومياً بحثاً عن يُبقي أفراد أسرتها على الحياة. تضحية غير عادية، وتفاني نادر، تُقَدِّمه هذه الأم لأسرتها، وما أعظم تضحية، وما أكبره من تفاني!
كثير من نساء النازحات في “الكدحة” و”البيرين” يقمن بما تقوم به “سعيدة”؛ يجبن القرى بحثاً عن ما يُبقي أزواجهن وأولادهن على قيد الحياة. يا لها من حياة صعبة وقاسية.
-
9 مخيمات و3550 أسرة نازحة
هناك تسعة مخيمات للنازحين في مديرية المعافر، الواقعة في الجزء الجنوبي لمحافظة تعز. وقال لـ “الشارع” بسام الحداد، مدير الوحدة التنفيذية للنازحين في هذه المديرية، إن هذه

المخيمات هي “مخيم النقيع”، “مخيم الملكة”، “مخيم رابطة”، “مخيم جبل زيد”، “مخيم البيرين”، “مخيم الخورة”، “مخيم الأسدوح”، “مخيم الأبخارة”، و”مخيم قاعدة الوادي”.
وأفاد “الحداد” أن هناك “3550 أُسرة نازحة في هذه المخيمات، وفي مساكن مستعارة أو مستأجرة، أو لدى عائلات مضيفة” في المديرية. وأوضح أن “الأمراض المنتشرة في مخيمات النازحين أكثرها حميات، وتيفود، وسعال، وإسهالات”.
وعن احتياجات النازحين في “المعافر”، قال بسام الحداد: “النازحون بحاجة إلى إيواء، بكل ماله من علاقة بالمساكن الطارئة، كالخيام، وفرش وبطانيات.. واحتياجاتهم بدرجة رئيسة تتمثل في المساعدات الغذائية، ومطابخ.. وكذلك هم بحاجة إلى الرعاية في الجانب الصحي، وتوفير الأدوية المجانية عبر مستشفيات أو وحدات صحية قريبة منهم، بحيث تؤدي الدعم المطلوب والسريع، والخدمة المطلوبة، كما أنهم بحاجة إلى إسعافات أولية أو تدخلات بمستوى تقديم دعم لعمليات جراحية”.
وأضاف: “النازحون في المعافر يحتاجون، أيضاً، لتعزيز مستوى الأمن الغذائي، لدينا في




