مقالات رأي

مزاج الجائع

بعد سنوات ليست بالقصيرة من العمل في مطعم، أدركُ الآن، وقد عدتُ للجلوس على الطاولات، كيف أن للزبون مزاج فوقي متحرش لا يقبل التفسير.

لكني سأحاول!

في أول مرة لي لإنزال طبق؛ وكان فاصوليا بيضاء، لطاولة ثلاثة أشخاص، طلب مني أحدهم الإسراع بإحضار الملاعق. ركضت إلى جناح الطباخين، وغمست يدي في صينية مملوءة بالماء الدافئ، وأخرجت ثلاثة منها. لم أنتهِ من وضع الملاعق بجانب الطبق، حتى غرق الجميع، نُدُل وزبائن، في قهقهة واحدة.

في فهلوة التحايا الصباحية بين العاملين وزبائنهم، الخبز هو الملاعق.

في ظهيرة قائضة من الأسبوع نفسه، رمى لي أحدهم شيئاً لا أتذكره، غير أنه لا يقال فيما إذا افترضت أن الذي أمامي شخص لا يمنحه الجلوس على الطاولة أي امتياز. وما كنت بصدده جيداً هو أنني كنت ممتلئاً حماسة لتحطيم صورة (المباشر) المُحْتَقَر.

أمسكت بالزبون -الذي كان لا يزال يتلحس- من ياقته، ولقنته درساً في أننا لسنا عبيداً لديهم. والحق يقال في أننا لم نكن كذلك. أخذني زميل لي من يدي بهدوء، وقال لي بعيون زائغة: من حظك أن عمك (صاحب المطعم) لم يكن هنا، نقوده أهم من شرفك.

في فترة الأخطاء الكبيرة هذه، طلب مني زبون يكاد يختنق بلقمة، ماءً. تناولت ولا أدري بأي مزاج استهتار الإبريق الممتلىء من على طاولة آخر وأغثته بنفس هذه البساطة. ثم لكم أن تتخيلوا أي برتوكول شعبي خرقت:

انتفض الزبون واقفاً: “أعد لي أبريقي”، فأدركت خطورة ما وقعت فيه، فأعدت إليه إبريقه، وها أنا في دائرة كرامة الزبون الذي وطأ إبريق الماء طاولته لثانية واحدة. لقد صرت في ظرف هذا الوقت الوجيز رهاناً سهلاً لزبونيين عرضتهما خبرتي المهترئة للضغينة على بعضهما. يا لساعة النحس التي هبطت على ساحتي.

كبير الندل أو (المعلم) لا يحب الاقتراب من صلاحياته، وهو الوحيد الذي باستطاعته أن يحدد من يرغب من الزبائن ومن يمقت، ويسعفه في ذلك عملقة جسده، وخبرته.

يحب المعلم حارساً شائخاً، وقصير القامة، بعين واحدة يدعى: اليهودي.. اليهودي له اسم آخر: شارون، ويرد -نكاية- عند النداء عليه بهذا الاسم: سيدك وعينك وسيد أبوك وجدك.

ذات مرة قدم إلينا رئيس مصلحة حكومية، وينوس بجسده كالمرأة اللعوب، ويقبض براحة يده على واق ذكري، اقترب المعلم من طاولته، لأخذ طلبه:

– ماذا تطلب؟

– أي شيء على ذوقك.

– أنا بلا ذوق، ما الذي تطلب؟

أن تكون عامل مطعم، يعني الاحتفاظ بحالة من التحفز الدائم لتوفق بين قدرتك على إلهاء وإشغال الزبون، ومهارتك في إنزال الطعام ساخناً على طاولته.

هنالك زبائن لا تأتي بهم بطونهم وإنما ساعاتهم البيولوجية. وهم الأكثر حيرة أمام قائمة الأطباق. ولأنهم يأتون -عادة- بين الوجبتين، يعتقدون أن من حقهم إشراك الندل كي لا تُعَرّض ذائقتهم المغلقة بطونهم للاحتيال.

هذا النوع المتأرجح يجب أن تساعده بوجبة سريعة سينهيها مع شعور غامض بالامتنان. وفي الأصل نحن نحاسبه على جلوسه على الطاولة لا على وجبة بالكاد التهم أقل من نصفها.

زبائن يرون أنك لم تبذل جهداً لإعداد وجبتهم، ويرون أن من حقهم الاستمتاع بسماع جسدك الضئيل يرتطم في درج السيراميك الزلقة. فإذا كان الطعام ساخناً، تكون مناسبة جيدة للتذمر، فيما لا يعدمون الحيلة للتنفيس عن ضجرهم، بلعنك، لو وفرت لهم الذريعة بتقديم طعامٍ فاترٍ.

وهناك من لا يجب أن يتحدثوا. زبائن قالوا كلمتهم، في بطونهم، قبل عشر سنين تقريباً. نعم.. ويمتلكون كراس وطاولات وندل يقومون بواجباتهم على مدى هذا التاريخ الحافل أو أقل. هؤلاء لا يعرفون جملة نادل جديد أو مبتدىء. وقوفك إلى أمام طاولتهم، قد يشكل إهانة، ربما تفقدك عملك.

أما أجمل من رأيت، مسؤولاً حكومياً رفيعاً، عابساً وصموتاً، يحضر بعد ضيوفه الذين تدعوهم مصلحته الحكومية، ويأمر بإنزال طلبه على طاولة مفردة.

ينهمك في تناول طعامه، ويدفع حساب وجبته نقداً ويغادر. شهدت ضيوفه ذات مرة يحاولون أن يجبروه على الانضمام إلى مائدتهم، وما من جدوى!

————–

عن مواعيد أخيرة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى