آخر الأخبار

النازحون في عدن.. البحث عن حياة!

  • “الشارع” تزور مخيماتهم وترصد أوضاعهم..

  •  فتيني: نبيت في العراء، ونصبح جوعى، بعد ما يكون المطر قد أخذ كل شيء، والمنظمات تجي تسجل وتوعد تدعمنا بمواد غذائية، وتقفي ولا تأتي

  •  الطفلة عائشة: لما شيجي أبي من الشغل، شيسبر لنا المأوى حقنا، ويصلحه وشيكون معانا بيتُ أحسن من قبل، صح أنه ماهوش أحسن من بيتنا اللي كان في الحديدة لكن ولا مافيش

  • الأخصائية منال فارع: يتعرض الأطفال لمضايقات المجتمعات المستضيفة، نتيجة الكثير من الاتهامات التي تكال للنازحين، وتُلقي عليهم مسؤولية مشكلات صحية واجتماعية وبيئية واقتصادية، هم منها براء

  • عيون زائري أي مخيم للنازحين في عدن لا تخطئ مناظر المجاري الطافحة في كل أركان المخيمات، كما لا تغفل أكوام القمامة المتناثرة في كل بقعة بقرب الخيام والمآوي

  • عبده مهذب: أثر الحميات المستشرية في المخيمات كبير وكارثي، خاصةً وأنها خلفت وفيات عديدة في أوساط النازحين

عدن- “الشارع”- بديع سلطان:

يشير الأربعيني حسن فتيني إلى مأواه الكرتوني الواقع في مخيم النازحين بمديرية دارسعد،

حسن فتيني

شمال مدينة عدن، وهو يشتكي تدميره من السيول والفيضانات التي ضربت المدينةقبل أشهر.

ويتحسر حسن على عدم تضمين اسمه في سجلات المستفيدين من توزيع الملاجئ الخشبية المؤقتة، التي قامت بتوزيعها إحدى المنظمات المحلية بدعم دولي.

تصادف زيارة “الشارع” إلى المخيم مع عملية التوزيع، التي لم تخلُ من الضيم، بحسب عدد من نزلاء المخيم، الذين قالوا إن “أسماءهم سقطت من قوائم المستفيدين، رغم تضررهم من الفيضانات، وباتوا بلا مأوى منذ شهور”.

بلا مأوى

حسن فتيني وعائلته كانوا أحد هؤلاء الذين سقطت أسماؤهم، يقول لـ “الشارع” بعد أن ترك جانبًا عددًا من عبوات المياه التي كان قد أكمل تعبئتها لتوه من خزانات المخيم: “سجلت اسمي عند مندوب المنظمة، لكن بكرت اليوم أشوف اسمي مش موجود عند الموزعين”.

ويضيف متسائلاً بلكنته التهامية: “ما أفعل؟، سكت وقلت لهن: أمركن لله، وبقيت أنا وعيالي داخل ذه امكوخ، أبسط مطرة تغرقنا كلنا”.

بلا غذاء

لم يكن المأوى وحده هو ما يفتقده فتيني وعائلته، فالفيضانات والسيول أدت إلى تلف كبير في مخزونهم الغذائي، بعد أن غمرتها مياه الأمطار المتسربة إلى أكواخهم ومآويهم، كغيرهم من النازحين في ذات المخيم.

يتحدث حسن فتيني لـ “الشارع” عن فقدان غلته الغذائية جراء الأمطار، فيقول: “معانا أكواخُ، يدخلها ماء المطر من أول رشة، ولو المطر غزيرُ يشل اللي يلاقيه قدامه، فرشانُ، رزُ، دقيقُ، سكرُ، ولا يبقي شي”، بلهجته التهامية قالها.

ويؤكد فتيني بعفوية: “نبيت في العراء، ونصبح جوعى، بعد ما يكون المطر قد أخذ كل شيء، والمنظمات تجئ تسجل، وتوعد تدعمنا بمواد غذائية، وتقفي ولا تأتي”.

كان حسن يتناول إحدى أهم القضايا التي يكتنفها الكثير من الغموض، فيما يتعلق بمخصصات المانحين الدوليين للمنظمات العاملة في الشأن الإنساني في اليمن، والتي تلتهم ميزانياتها التشغيلية ما نسبته 70 % من تلك المخصصات، ولا يصل إلى النازحين والمحتاجين منها سوى الفتات، بحسب تقارير نشطاء مستقلين.

توزيع وفق مسوحات ميدانية

انتهزت “الشارع” فرصة تواجد عدد من ممثلي المنظمة المحلية المسئولة عن توزيع الملاجئ والمآوي الخشبية على المتضررين في مخيم النازحين شمال عدن، وطرحت أمامهم تساؤلات بعض النازحين ممن سقطت أسماؤهم ولم ينالوا حصتهم من الملاجئ.

ورداً على تلك الاستفسارات، أشار منسق مؤسسة بناء للتنمية، صالح الوحيشي، إلى أن عملية التوزيع تمت بناءً على نتائج مسح ميداني ونزولات إلى المخيم، من قبل الوحدة التنفيذية لإدارة مخيمات النازحين بعدن.

مؤكدًا أن المؤسسة التي يمثلها وزعت الملاجئ المؤقتة وفقاً للأسماء المرفوعة من قبل الوحدة التنفيذية لإدارة مخيمات النازحين، والمتضمنة أسماء الأسر المحتاجة والأكثر تضرراً من السيول والأمطار التي ضربت عدن قبل نحو شهرين.

وأشار الوحيشي لـ “الشارع” إلى أن المؤسسة وزعت 846 ملجأ طارئاً على 650 أسرة نازحة متضررة من السيول والفيضانات، يتواجدون في 13 مخيماً بأربع مديريات، هي: المنصورة، الشيخ عثمان، البريقة، ودار سعد، بدعم من منظمة الهجرة العالمية.

بيت عائشة الجديد

غير بعيدٍ عن حسن، كانت الطفلة عائشة تتحسس هي وأخيها عبدالسلام الطريق نحو

الطفلة عايشة

حصتها من الملاجئ الطارئة والمؤقتة التي صرفتها المنظمة، ويتقاسمان – رغم أنهما لم يتجاوزا العاشرة من العمر- مهام استلام الأخشاب والطرابيل (الخيام)، والأدوات المستخدمة في إقامة المأوى الجديد.

كان عبدالسلام يحمل على عاتقه نقل حصة أسرته من الخيام، بينما تنتظر عائشة إلى جانب ما تبقى من أخشاب وأدوات، تترقب عودة شقيقها إليها ليأخذ ما تبقى من مواد الملجأ.

تقول عائشة لـ “الشارع”: “استلمت أنا وأخي المواد حقنا من المنظمة لأن أبي يشتغل خارج المخيم، يطلب الله علينا، وأمي ما تقدر تخرج من الخيمة لأنها تعبانة”.

وتضيف: “بزينا صورة من بطاقة أبي وأعطيناها للمنظمة عشان نستلم حقنا المواد، صح ما شنقدرش نبز الحاجات الثقيلة لكن بنتعاون عليها أنا وأخي”.

وتؤكد عائشة أن خيمتهم التي يسكنون فيها داخل المخيم تعرضت لأضرارٍ شديدة، بسبب الأمطار والفيضانات، وهو ما جعلهم “يرقعون” خيمتهم لاحقاً بالكراتين و”الطرابيل” والأخشاب لمعالجة ما خلفته السيول.

وتزيد: “لما شيجي أبي من الشغل، شيسبر لنا المأوى حقنا، ويصلحه، وشيكون معانا بيت أحسن من قبل، صح أنه ماهوش أحسن من بيتنا اللي كان في الحديدة، لكن ولا مافيش”، بلهجتها التهامية تقولها.

طفولة النازحين تتبدد

رسمت عائشة وشقيقها عبدالسلام لوحة مختصرة للمعاناة التي يتكبدها الصغار قبل الكبار

كفل أمام خيمة أسرته

في مخيمات النازحين، في تحمل المسؤولية ذاتياً، رغم أنهما في عمر الزهور، يحتاجان إلى ممارسة طفولتهما ببراءة وبأصغر تفاصيلها المتمثلة في لعبٍ ولهوٍ كغيرهم من أطفال العالم، بحسب المختصة النفسية في كلية التربية بجامعة عدن، الدكتورة منال فارع.

وتضيف: “الأطفال المتواجدون في مخيمات النازحين، لم يعودوا يعيشون حياةً طبيعية كغيرهم من أطفال بقية مدن اليمن المستقرة، فهم يتشاركون أهاليهم معاناة التنقل والعيش في مناطق لم يعتادوا عليها”.

“كما أنهم يتعرضون لمضايقات المجتمعات المستضيفة، سواءً من السلطات المحلية أو من الأفراد؛ نتيجة الكثير من الاتهامات التي تكال للنازحين، وتُلقي عليهم مسؤولية مشكلات صحية واجتماعية وبيئية واقتصادية، النازحون منها براء، وإنما هي نتاج الحرب والأزمات المتلاحقة في البلاد”، تقول الأخصائية منال.

وتستطرد: “والأطفال النازحون يتلقون نصيبهم من المضايقات والاتهامات من قبل أقرانهم في المجتمعات المستضيفة، باعتبارهم جزءاً من تركة وتداعيات وآثار الحرب الدائرة في اليمن”.

وضع إنساني متأزم

عيون زائري أي مخيم للنازحين في عدن لا تخطئ مناظر المجاري الطافحة في كل أركان المخيمات، كما لا تغفل أكوام القمامة المتناثرة في كل بقعة بقرب الخيام والمآوي.

وبجلسة ثرثرة واحدة مع أي نازح يتضح افتقارهم للمواد الغذائية الأساسية، التي يقولون إنها تذهب لغير مستحقيها من خارج المخيم، بالإضافة إلى شحة مصادر المياه النظيفة التي نادراً ما تتواجد في المخيمات.

ويُرجع القائمون على إدارة وتسيير شئون المخيمات ملامح القصور تلك إلى الأعداد الكبيرة للمخيمات والأسر المتواجدة فيها، بالإضافة إلى تراجع حجم الدعم والمعونات التي كانت تقدمها المنظمات المحلية والدولية للنازحين.

مبررات تراجع الدعم تعود – بحسب مسؤولي المخيمات- إلى تقليص الدول المانحة لحجم تعهداتها المالية وتدخلاتها تجاه الأزمة اليمنية، وهو ما كشفت عنه الأمم المتحدة في تقريرها الأخير، الذي رصدته “الشارع”.

حيث أشارت المنظمة الأممية أن مؤتمر المانحين الأخير الذي استضافته السعودية، بداية يونيو الماضي، لم يلبِ نصف متطلبات الأزمة الإنسانية التي خلفتها الحرب في اليمن؛ وعليه فإن الوضع الإنساني في البلاد يمضي نحو مزيد من التأزم.

تهديد النازحين بالطرد والإجلاء!

وفي ظل وضعٍ كهذا، يبدو أن النازحين لم يكن ينقصهم سوى تقليص دعم المانحين الدوليين، فثمة الكثير من المشاكل والتحديات التي يرزحون تحت وطأتها.

أبرز تلك الصعوبات يسوقها لـ “الشارع” مدير الوحدة التنفيذية لإدارة مخيمات النازحين في عدن، عبده مهذب، الذي تحدث عن “صدمات” وليس مجرد مشكلات يعاني منها النازحون في عدن.

أبرز صدمة تتمثل في التهديد الذي يؤرق النازحين والقائمين على المخيمات، والمتجسد في تعرضهم لمضايقات قد تجبرهم على ترك مخيماتهم من قبل المجتمع المضيف، وملاك الأراضي التي تقع في نطاقها المخيمات، أو أصحاب الأماكن التي يسكنها النازحون، وفق تصريح مهذب لـ “الشارع”.

لكن ما لم يُفسره مهذب هو تبني عدد من السلطات المحلية في بعض مديريات عدن سياسة تهديد النازحين بالطرد والإجلاء، واكتفى بدعوة السلطات الحكومية العليا للتدخل وردع كل من يهدد استقرار النازحين، في ظل استمرار الحرب، وحالة عدم الاستقرار التي تعيشها البلاد.

أمراض وأوبئة وانعدامٌ للمياه

كابوس آخر لا يقل مأساويةً عن سابقيه يُخيّم بظلاله على مخيمات النازحين في عدن، يتمثل في انتشار الحميّات بشكل “فظيع”، وفق وصف مدير الوحدة التنفيذية لإدارة المخيمات، عبده مهذب، الذي يضيف: “كما أن هناك أمراض الطفح الجلدي؛ بسبب الحر الشديد وطبيعة الخيام والمآوي التي يقطنها النازحون”.

مشيراً إلى أن أثر الحميات المستشرية في المخيمات كبير وكارثي، خاصةً وأنها خلفت وفيات عديدة في أوساط النازحين؛ نتيجة عدم شفط مياه الأمطار الراكدة، وطفح المجاري المستمر والمتواصل داخل المخيمات.

وحذر مهذب من استمرار أزمة انعدام المياه الصالحة للشرب في المخيمات، والتي لا تملك أي مصدر لإمدادها بالماء سوى من قبل فاعلي الخير، وقلة قليلة من المنظمات المهتمة بهذا المجال.

كانت تلك أبرز المشكلات والتحديات التي وصلت حد الصدمات الإنسانية، في مخيمات النازحين بمحافظة عدن، البالغ عددها 25 مخيماً، موزعة على مديريات المحافظة، بحسب مدير الوحدة التنفيذية لإدارة مخيمات النازحين.

وتتوزع تلك المخيمات الـ 25 بواقع تسعة مخيمات في مديرية دار سعد، ومثلها في مديرية البريقة، ومخيمين في كلٍ من مديريتي الشيخ عثمان وصيرة، وثلاثة مخيمات في مديريات خور مكسر، المعلا، والمنصورة.

ولفت عبده مهذب إلى أن جميع تلك المخيمات تحوي 2673 أسرة، كما توجد 8735 أسرة أخرى في بيوت وأحواش ومزارع، في مناطق متفرقة من مدينة عدن.

ويبدو أن حصول تلك الآلاف من الأسر على حياةٍ أكثر كرامةً مرهون بإيقاف الحرب الدائرة رحاها في اليمن منذ ست سنوات، وإسكات أصوات المدافع؛ لإتاحة المجال أمام عودة كريمة للنازحين المتأثرين في كل مكان.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى