مقالات رأي

رائد البدري

يتفوق على محيطه بفارق شاسع، لم يدركه أحد، كما لو عاش ذلك المتفرد ينكر ذاته ليحضر الجميع.. ينشد المدينة والمدينة، يحشد المجتمع ضداً على الفساد والإقطاع، كان رائد يتقدم الصف على الرصيف، نصب الخيمة الأولى، وامتد ذلك الزحف البشري الذي انتج فبراير الثورة، التي عاش يرسم عنها خط المسير، ليصبح ذلك الامتداد الشعبي هو المصير الذي يقرر شكل النظام الذي نريد.

بين مدينته التي ولد فيها الراهدة، الواقعة إلى الشرق من تعز، والنشمة التي ثوى إليها غرباً، عاش ينقش بدمه عن

رائد البدري

تعز على طريق القوافل، قاتل العمر بسيف السلّم مكافحاً مناضلاً عتيداً.. قاد مع شباب 11 فبراير “مسيرة الحياة”، بل كان واحداً من قادتها، وصناع الحدث الظاهرة التي دونت كثير المعاني، والمغاني عن تعز السلمية التي قطعت كل تلك المسافة سيراً على الأقدام، بعد ما عزموا كمغامرين على المضي خلف هدف ثوري، تلك المسيرة الجماهيرية التي احتشدت لها الجماهير من كل حدب وصوب، على طول المسافة بين مدينتين، حينما حملوا راياتهم وشعارات 11فبراير السلمية كان الشباب يلتحقون بالمسيرة حتى وصلت العاصمة، ليرتقي عدداً من الشباب شهداء على طريق الثورة.. استقبلهم النظام يومها بالذخيرة الحية لتنعش المسيرة ساحات الثورة في ميادين الاعتصام السلمي لتزداد وهجاً وانبلاجاً.

عاش الرفيق رائد – ذلك الرائد الذي لا يكذب أهله- قائداً بين زملاء وأصدقاء ورفاق وشركاء الثورة، وفي محيطه الثائر دوماً حشد كل إمكانات مجتمعه لدعم ساحة الحرية بتعز.

كانت مديرية المعافر دوماً سباقة إلى اجتراح الفعل الثوري بفضل هؤلاء الشباب المجهولين الذين انتصبوا للقضية كحملة لمشعلها الذي لا ينضب.

لم يهادن القبح يوماً، ولم يذعن.. عاش كما لو عاد هذا المساء ليستريح من عناء الشوط.

ربما كنت آخر الأصدقاء الذين عاش الرفيق رائد ينتج عنهم، ولهم أفكاره المدنية النقية.. مسافة زمن قصيرة، وساعة بقرب الحبيب قضيتها.. قرأت في وجوه أصدقائه لهفة، حرقة، وجع يدمي الروح، والمرض يسترسل، يتمدد، ينهش دواخل رائد.. هو لا يشكي مواجعه، ولا يقبل الاستسلام، يرفض هكذا منطق، عاش يربي الأمل، يدافع عن الفكرة النقية، ويدفع بالشباب إلى غمار المستقبل، كان يؤسس لمدينة مترامية، سباق إلى فعل الخير، يرمم، يضمد، يرتق كثير الشقوق التي تصيب من حوله.. كان واحداً من الناس لا أكثر، عاش كما لو سيعيش فكرة في خيالات رفاقه، وجميع من اقتربوا منه، كان قريباً من الناس، لم أنجز معه ما يستحق الحديث عنه، لحسن حظ العابر أنني اقتفيت أثره حين لحنت في صوته ذات لقاء كما لو يتحدث بصوتنا جميعاً، حاولت الصمت، كان ضجيج حولي يتعالى، يهمس بهدوء عن أشياء لم نقلها بعد.. يقرأ بصوت صوفي قانت، يعزف عن الدنيا، وقد زهد فيها باكراً..

عانى المرض، ولم يهزمه بقدر ما هزم الكثير من الأمراض التي تفتك بالمجتمع.

أنتج رائد كثيراً من الشباب، ورعى فيهم الغد، جعله ذلك المشتل الوارف.. تكاد السطور تنهمر فيضاً من مطر كاد يروي بلا انقطاع..

عاش، ولم يمت من مثل هذا الممطر عاش..

دون اسمه في سجل الخالدين حين انحاز باكراً لقضية وطنه، لم يكن إلا ذلك العاشق والمدينة تلك الحبيبة.

امتطى السماء، وترك كل هذه الفراغات تحتشد حولنا تثير السؤال: لماذا تعجلت الرحيل؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى