آخر الأخبار

  صوّرْ بيتنا.. السيول ولا بقّت لنا حاجة

  • مرت السيول فوق منزلهم الصغير، في جلعة بمديرية رضوم الساحلية في محافظة شبوة، ودمرته

الطفل زكي:

  • أساعد الصيادين وأسحب قواربهم وأقوم بغيرها من الأعمال، فيعطونني سمكة أو اثنتين

  • لم تأتنا مساعدات المنظمات، ولم يأتنا أحد بشيء، غير كيس من العدس قالو لنا إنه مقدم من الهلال الأحمر اليمني

شبوة- “الشارع”- صابر السليس:

يحاول الطفل زكي الكودن، بأيادٍ ناعمة وعود طري، أن يوفر له ولأخوته الصغار ما يسدون به جوعهم.

يذهب كل يوم إلى شاطئ البحر ليساعد الصيادين، ويقوم بأعمال لا يحتملها جسمه الصغير، كسحب قوارب الصيد إلى الشاطئ، وغيرها من المهام التي يحتاجها الصيادون، آملاً أن يجد مقابل مساعدته لهم نقوداً تكفي لتوفير وجبة واحدة تكفي أسرته ذل التسول ومد أياديهم لطلب المساعدة.

الطفل زكي سالم محمد الكودن، البالغ من العمر 12 سنة، هو أكبر أفراد العائلة، وأخ لثلاثة أطفال، توفي والدهم قبل سنتين برصاصات انطلقت من فوهة سلاح أحد أقاربه، ليترك خلفه أربعة أطفال ووالدتهم يواجهون مصيرهم، في وضع لا يستطيع الرجال التصرف فيه والعيش بدون عوز أو نكد، فما بالك بأم فجعت برحيل زوجها، وأطفال صُدموا برحيل والدهم، وهم لا يملكون ما يؤمّنون به قوت يومهم، ناهيك عن تأمين مستقبلهم.

  بيوت عنكبوتية

يسكن الطفل زكي وإخوته مع والدتهم في منطقة جلعة، بمديرية رضوم الساحلية، في محافظة شبوة، في منزل جدرانه أشجار يغطيها الطين، وسقفه من سعف النخيل، بسبب الوضع المادي الذي تعيشه العائلة، وفي ظل ظروف صعبة تعيشها بلادنا برمتها.

 معاناة مستمرة

لم تنته معاناة أسرة الطفل زكي إلى هنا فقط، فقد تفاقمت المعاناة حين هطلت الأمطار

آثار دمار لأحد المنازل

الغزيرة على منطقة جلعة قبل شهور، وكان مجرى السيول يمر فوق منزلهم الصغير الذي يتوسط عدداً من منازل أبناء المنطقة، التي صارت إلى ما صار إليه منزل عائلة الطفل زكي، حيث دمرت تلك السيول منزلهم، وجعلته حطاماً فوق رؤوسهم، ولم يجدوا مناصاً إلا أن يهربوا شاردين من الموت بمعية من شرد من أبناء المنطقة، تاركين خلفهم كل ما يملكون من فرش وأوانٍ منزلية وملابس واحتياجات كثيرة.

صحيفة “الشارع” زارت منطقة جلعة بعد نكبة السيول، وتجول مندوبها بين ركام البيوت التي جُرفت، والمصالح التي تعطلت، والمواطنون يبحلقون بأعينهم يريدون المساعدة ظناً منهم بأننا منظمة إنسانية أتت لمساعدتهم.

الطفل زكي كان من بين المواطنين ويشير إلى منزلهم المحطم متحدثاً: “صوّر منزلنا”، راجياً إعادة منزلهم إلى ما كان عليه فقط لا غير، ومستطرداً بلهجة المنطقة: “السيول ولا بقّت لنا حاجة”.

وقفنا على ركام منزل عائلة الطفل زكي، وعرفنا من أحد كبار المنطقة أن زكي أكبر أفراد العائلة، وأن والدهم قد توفي منذ سنتين، وأن الأسرة تعيش في وضع مأساوي بدون معيل يعيلهم ويهتم لأمرهم، فما كان أمامنا إلا أن نبحر مع تلك العائلة ومعاناتها.

وبنظرة مفعمة بالأسى والحزن العميق يقف الطفل زكي أمام منزلهم المدمر، يرى ما حصل، ولكنه غير مدرك للحل، وكأني بي أرى عقله غير مستوعب للأمر، بسبب حداثة سنه، وعند سؤالنا له عن كيف يتدبرون أمورهم، قال لـ “الشارع”: “أنا أخرج كل يوم أساعد الصيادين، وأسحب معهم قوارب الصيد، وأقوم بغيرها من الأعمال، فيعطونني سمكة أو اثنتين إن كان السمك كبيراً، وإن كان صغيراً فما تيسر منه”، وذلك بمثابة أجرة له مقابل ما يقوم به معهم من مساعدة، ومن ثم يعود زكي مشياً على قدمية، حاملاً أسماكه، طالباً من الله الرزق الحلال، فيبيع الأسماك في السوق أو على أحد جيرانهم بمبالغ زهيدة لا تتجاوز 2000 ريال يمني، وبذلك يوفر لأسرته ما تيسر من الغذاء.

وبعد تنهيدة طويلة قال زكي: “لم تأتنا مساعدات المنظمات، ولم يأتنا أحد بشيء، غير كيس من العدس قالو لنا إنها مقدمة من الهلال الأحمر اليمني”، وما يفعل بالعدس مواطن ساوى السيل منزله بالأرض، وجرف كل احتياجاته، وتركه في العراء لا ملبس ولا مأكل، ولا حتى فرش يرتاحون عليه من قسوة الحياة أثناء نومهم.

غياب تام للمنظمات

وعن المنظمات المتواجدة على أراضي البلاد، وما الذي قدمته من مساعدات وإغاثات

أحمد كزيم عضو لجنة حصر الأضرار

لأهالي منطقة جلعة بعد نكبة السيول التي تعرضوا لها، قال أحمد كزيم، أحد أعضاء لجنة حصر الأضرار في منطقة جلعة: “كان من المفترض أن تهرع المنظمات إلى أهالي منطقة جلعة بعد النكبة التي أصابتهم، لا سيما وأنها حلت بهم كارثة طبيعية تحتاج الوقوف إلى جانبهم، بعد تدمير منازلهم وتهجيرهم وجرف كل احتياجاتهم، ولكن مع الأسف لم يحدث ذلك، سوى سلال من العدس تم تقديمها من الهلال الأحمر اليمني فقط لا غير”.

وقال كزيم: “فيما بعد قدم الهلال الأحمر الإماراتي سلال غذائية، إلا أن تلك السلال تم رفضها لأسباب عديدة أهمها أن عدد السلال لم يغطِ عدد الأسر المنكوبة، حيث بلغ عدد الأسر المنكوبة التي تحتاج الإغاثة (480) أسرة، بينما عدد السلال المقدمة من الهلال الأحمر الإماراتي عددها (201) سلة فقط”.

وأضاف: “وكذلك لم تكن مكونات السلة الغذائية المقدمة مناسبة، فمكوناتها قليلة جداً، ولا تكفي حتى أن تُقدم لفرد واحد”، موضحاً أن السبب الأهم في رفض الإغاثة هو “عدم وجود تاريخ انتهاء أو صلاحية على مكونات السلة، مما جعلنا مضطرين إلى رفضها، وطلبنا منهم أن يعيدوا النظر في ذلك”.

وعند سؤالنا له عن دور السلطة والعمل الذي قامت به كونه ضمن لجنة حصر الأضرار وله تواصل مع الجهات المعنية، قال أحمد كزيم، في تصريح سابق لصحيفة “الشارع”: “محافظ المحافظة شكل لجنة وفرقاً هندسية بتنسيق مع السلطة المحلية في المديرية، وقاموا بالنزول إلى المنطقة لعمل تحويلات وسدود للسيول للعودة بها إلى مجراها السابق، بدلاً عن  مجراها الجديد الذي شقته السيول أثناء إعصار تشابالا قبل سنوات، والذي يصب باتجاه منازل المواطنين”.

وقال كزيم في حديثه: “كان من المفترض أن تقوم السلطات بحل هذه المشكلة وتحويل

مطبخ أسرة تحت شجرة

مجرى السيول بعد انتهاء إعصار تشابالا مباشرة، إلا أن ذلك لم يحدث، وربما في ذلك الوقت كانت السلطة غائبة عكس الآن، ونحن نطمح في هذا الوقت بأن يقوم المحافظ بن عديو بما لم يقم به سابقوه ويجنب أبناء منطقة جلعة الدمار والخراب الذي يدرك المنطقة مع أول قطرة مطر تنزل من السماء”.

وأضاف: “إننا عبر صحيفة الشارع الغراء، نطالب السلطة بالإسراع في تنفيذ العمل والبدء في عملية وضع السدود والتحويلات، لأن تأخير ذلك قد يكلف أبناء المنطقة ثمن أكبر من سابقيه، لاسيما وأن المناخ ممطر في معظم الأحيان هذه الأيام، وكذلك نطالب الجهات المانحة وكل المنظمات أن تنظر لمنطقة جلعة بعين الشفقة إن لم يكن هناك اعتبار وأن تمد يد العون للمواطنين المنكوبين، حيث أن المنطقة تعرضت من قبل ومازالت تتعرض لدمار شامل قد يجبر المواطنين على تركها”.

ومازال الطفل زكي وإخوته ووالدتهم يعيشون في العراء على سواحل البحر العربي في منطقة جلعة بمديرية رضوم، لا يملكون منزلاً ولا ملابس ولا حتى أواني منزلية يطبخون فيها طعامهم، فقد أخذت السيول كل ما يملكون، وتركتهم يواجهون مصيرهم دون معين أو معيل في بناء حياتهم من الصفر، فهل من أيادٍ بيضاء تمتد لهم وتساعدهم لتخرجهم من مأساتهم؟ أم أن الشر قد وضع الخير في زنزناته ليبقى حبيس جدرانها؟!.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى