صنعاء المئوية التي تضيق على اليمنيين !!
حينما دخلها الإمام يحيي في نوفمبر 1918، وتسلَّم فيها جميع ما كان ملكاً لولاية اليمن من معدات ومدافع وأسلحة وذخائر مقابل ماله من أموال وديون، بصفته وريث الدولة العثمانية، كانت صنعاء لم تزل تحتفظ بقيمتها الرمزية كعاصمة، عمل العثمانيون على مدِّها ببعض مظاهر التمدن “مجالس شعبية ومستشفى وأسواق ومدارس صنائع مطبعة وسلك ومكاتب تعليم”، لكنها رويداً رويداً بدأت بالانكماش والانغلاق، ومظاهر التمدن القليلة بدأت بالتآكل، إما برفضها من قبل عقلية الحكم المتشددة بعدائها لمظاهر الحياة العصرية، أو بعدم تطويرها وصيانتها، لأسباب تتصل ببخله وشحه.
استمر في حكمه لثلث قرن تقريباً، وتحديداً ( ثلاثين عاماً)، وحينما خلفه نجله (أحمد )، أمسك بالسلطة من مدينة تعز لقرابة خمسة عشر سنة، لكن صنعاء مع انفجار ثورة سبتمبر، بدأت تتقبل انفتاحاً جديداً على داخلها اليمني ومحيطها الإقليمي بفعل المتغيرات الجديدة ، إذ ستستقبل ألوف الشبان القادمين من الأرياف ومدينة عدن للدفاع عن حلمهم ، ولن تخذلهم هذه المرة، كما فعلت بمجموعة الفدائيين، الذين وفدوا إليها من عدن في 1948، للدفاع عن الحركة الدستورية. وستستقبل جيشاً مصرياً للدفاع عن ثورتها، وخبراء من بلدان مختلفة يسابقون الوقت لإعادة دمجها في العصر، من خلال تحديث إدارتها وتصميم مشاريعها التنموية.
خلال خمسة أعوام – سبتمبر 62 ونوفمبر67- عاشت صنعاء حالة مختلفة في سباقها هذا، لكنها في ذات الوقت كانت تعيش حالة كاشفة من اللاتوازن … توق في داخلها لعملية التحول والتمدن والاندماج، ومحيط قبلي صلب يريد إبقائها حاضنة لمنزعه المحافظ المغلق العصبوي المُسيطِر. لهذا حين أكمل المحيط القبلي حصاره الخانق عليها من جميع الاتجاهات والمنافذ، بعد خروج الجيش المصري من اليمن ، بغية إسقاطها وإعادة الملكية الإمامية إليها مطلع العام 68، كان لابد أن تجد من ينتصر لحلمها الجديد، فوجدته ليس في الخارج الساند، بل في كوكبة من الشبان من كل أرجاء اليمن، ذادوا عنها ودافعوا عن حلمها، فكان الانتصار بيد هؤلاء الذين لم يخذلوها، بعد أن غادرها الرئيس الإرياني وكبار ضباط الجيش وقادته، ولكنهم حينما عادوا لقطف ثمار الانتصار الكبير، عملوا بكل الوسائل لتفكيك هذه الكتلة الثورية اليمنية الحية، بدواعٍ مناطقية وطائفية صرفة، ابتدأت في مدينة الحديدة في مارس، وانتهت في صنعاء في أغسطس 1968، ممهدين الطريق لمصالحة سياسية واقتسام السلطة برعاية سعودية، بعيداً عن رموز المشروع الجمهوري الصريح، الذين حسبوا على مصر. هذه الخطوة أعادت صنعاء كعاصمة، وبقية مناطق الجمهورية العربية اليمنية، إلى المساحة الرمادية التي حاولت حركة ” 13 يونيو التصحيحية”، بعد سبع من السنين بقيادة الرئيس الحمدي، إخراجها من هذه الحالة، لكن قوة التكتل المحافظ الصلب الموالي للسعودية، أحبط هذا المشروع بتصفية رمزه الكبير الحمدي في 11 أكتوبر1977.
خلال ثلث القرن الثالث بين 1978 و2011، وهي فترة حكم (علي عبد الله صالح)، أعيدت صياغة وهندسة صنعاء، بوصفها مركزاً أبدياً للحكم، لتتوسع وتنمو وتلتمس من حداثة الوسائل أكثر من غيرها، وعلى حساب مدن وحواضر مهمة مثل (عدن) درة البلاد.
كان بريق صنعاء يسطع ويجذب إليها سكان المناطق اليمنية الفقيرة، في موجات هجرة داخلية غير منظمة، ترتب عليها ضغط على الخدمات الشحيحة، واتساع رقعة العشوائيات وأحزمة الصفيح.. فكان مقابل المدينة الجاذبة يتكشف ريف طارد، وحوافٍ حضرية تتأكل.
ولأن الفساد كان، ولم يزل، أهم سمات هذا النظام، فقد أفضى، خلال سنوات قليلة، إلى إنتاج هوَّة مهولة بين طبقتين صريحتين: الأولى مستأثرة صغيرة متشكلة من نخبة الحكم- عسكر ووجهات قبلية ودينية وكبار الموظفين- متشابكة المصالح مع الرأسمال الطفيلي، الذي يتاجر بكل شيء، والثانية طبقة منهوبة كبيرة فقيرة كثيرة العدد والتكوين، تزداد قاعدتها الاجتماعية اتساعاً وفقراً بمرور الوقت وتغوُّل الفساد.
الفساد الذي تغلغل في بنية المجتمع ووعيه أصبح ورماً مزمناً وعصياً، وقاد النظام إلى انفجاره من الداخل وانقسامه رأسياً على حساب ثورة فبراير2011، وعلى حوافه، وفي كثير من محطات عمقه، تشكلت تحالفات داخل البنية التاريخية للحكم في الشمال، أدى إلى بروز قوى جديدة داخل المكون الزيدي بصيغته (الهاشمية الإمامية )، استفادت من كل التناقضات في الداخل والإقليم، لتصير سلطة حكم جديدة منذ خريف 2015. سلطة غشومة، تخلصت من كل حلفائها بذات مسلك الثورة الخمينية. سلطة تعيد إنتاج ذات المفاهيم الانعزالية، التي أسست لها سلطة الإمامة في اليمن المعاصر، منذ قرن – أي منذ دخول الإمام يحيى صنعاء- ولن يكون الاستحواذ على الوظيفة العامة والموارد، بإصدارها لقانون الزكاة بتبعاته التميزية العنصرية، هو آخر ثلمة تضعها في جسد الهوية اليمنية.
صنعاء تضيق على اليمنيين، حتى وإن بدت للبعض أكثر تسامحاً وأمناً، قياساً بمحيطها من المدن في الجنوب والشرق والغرب، لأن العقلية التي تديرها لا ترى في التمدن والتنوع والتعايش سوى التفسخ، لا ينسجم مع مفاهيم طبقة الحرب والجباية التي تؤسس لها لإدامة حكمها، وقبل ذلك لا يتوافق مع المنزع التمييزي الذي تسلكه في تقسيم اليمنيين إلى سادة وعبيد.