مقالات رأي
لماذا قال الرئيس الغشمي: “هل محمد خميس يتعرض ليحيى منصور بعد اللقاء بي؟! والله لأقطم رقبته وأقطعه من النص”

ـ القيادي الاشتراكي يحيى منصور أبو أصبع يسرد تفاصيل لقاء جمعه بالغشمي
-
عبدالوارث عبدالكريم والرئيس الغشمي (4)
يحيى منصور أبو أصبع:
بعد استشهاد الرئيس إبراهيم الحمدي بشهرين تجددت المشاكل في مناطق مختلفة.
في إب خرجت حملة عسكرية على منطقة “الرَّبَادِي” [مسقط رأس الكاتب] لإلقاء القبض عليَّ ومن معي من الرفاق بأي طريقة مقتولاً أو مأسوراً، وإذا تعذّر هدفهم هذا فيتم إلقاء القبض على جميع “العُدُوْل” و”العُقَّال” والمشايخ، وهذا ما تم، حيث بلغ عدد المساجين من هؤلاء المواطنين أكثر من 160 شخصاً. والمبررات لدى سلطات إب الأمنية والعسكرية أن يحيى منصور يريد احتلال “جبل التَّعْكَر” والتمركز فيه باسم الجبهة الوطنية الديمقراطية!
اختفيت مع جميع المطلوبين من الرفاق، حسب العادة في مواجهة مثل هذه الحملات العسكرية منذ 1972، والتحرك بالوسائل الشعبية السلمية، ومنها إشاعة أنني في صنعاء وغير موجود في المنطقة تماماً. وقد أرسلت الحملة مجموعة من الجنود للتمركز في قمة “جبل التَّعْكَر” لتأمينه وحماية مدينة إب من أي مخاطر. استمرت الحملة العسكرية أسابيع “خِطَاط” على المواطنين. إلا أن الناس في المنطقة، في “الرَّبَادِي”، وكافة المناطق التابعة لمديرية جِبلة، في حالة تماسك وثبات وإصرار على قلب رجل واحد، وتحت يد القبضة الناعمة لمنظمة الحزب الديمقراطي الثوري اليمني، والتي لم تستخدم السلاح في مواجهة أية قوى مضادة محلية أو حملات السلطة العسكرية. وكنت وأسرتي المبادرين للانسحاب من بيوتنا وتركها خاوية، ليحل بها جنود وأفراد الحملة العسكرية. طبعاً كانت المنطقة، وإب كلها، في حالة استياء وغليان جراء جريمة اغتيال الرئيس إبراهيم الحمدي، الذي حظي بمحبة كاسحة في محافظة إب وغيرها، وكانت منظمة الحزب الديمقراطي في ذروة صعودها وتوسعها وتماسكها، والتي تعودت على مثل هذه الحملات العسكرية في ظروف أقسى وأصعب، وعلى مدى خمس سنوات منذ اختفائي أول مرة، في أكتوبر 1972 وحتى أبريل 1977.
وساطة محمد الغشمي والطلوع إلى صنعاء
تحرك الإخوان في صنعاء، أخي أحمد منصور، وأحمد قاسم دماج، وزيد مطيع دماج، ومعهم الصديق والأخ الوفي الأستاذ عبدالحميد الحدي، لدى المسؤولين، ولم يكن أحد منهم قادراً على أي عمل، لأن الأمور كلها في يد الرئيس الغشمي. تحرك الإخوان إلى “ضُلاع همدان” [قرية الغشمي] لمقابلة الشيخ محمد حسين الغشمي، الشقيق الأكبر للرئيس أحمد حسين الغشمي، وهو على معرفة وطيدة بأخي أحمد منصور، وهي معرفة قديمة من سجن حجة عام 1944، حيث سُجِنَ هو وجدي عبدالحميد أبو اصبع في وقت واحد، وخرجا في وقت واحد، بعد أن قضيا ثلاث سنوات في السجن. لهذا تحمّس الشيخ محمد الغشمي، واتصل بالرئيس في نفس الوقت، ومما قال لأخيه الرئيس: “سوف أوصِل أنا يحيى منصور بوجهي”. ثم قال لأحمد منصور، ومن معه: “أريد يحيى منصور اليوم، أو غداً، لمقابلة الرئيس”. ولأن الشيخ محمد حاسس بمشاعر الناس من انعدام الثقة بأخيه الرئيس نحو ضيوفه، قال لأحمد منصور، ومن معه: “اطمئنوا. الأخ يحيى منصور فاهم واخبروه برسالتي، وأنا واثق أنه لن يتأخر عليَّ، لأن الرئيس مصِرّ على عدم رفع الحملة العسكرية، أو إطلاق المساجين إلا بوصول الشيخ يحيى أبو أصبع”.
وصلتني رسالة من أحمد منصور، عبدالله الوصابي، زيد مطيع دماج، عبدالحفيظ بهران، أحمد قاسم دماج، وتركو لي الخيرة وتقدير الموقف، فهم لا يثقون بأحد هذه الأيام. كان عبدالحفيظ قد تحرك والتقى عبدالوارث عبدالكريم ووضعه في الصورة، وطلب رأيه بموضوع وصولي إلى الرئيس، لأن القضية فيها مجازفة خطيرة. حسم الأمر عبدالوارث، وقال: “يطلع صنعاء، والرئيس في مثل هذه الظروف، ولاعتبارات قبلية، لن يفرط بالأخ يحيى.. مهما كانت المجازفة خطيرة”. وكتب إليَّ رسالة من سطر واحد، تقول الرسالة: “الرفيق باسم (اسمي الحركي) عَجِّل وصولك إلى صنعاء على وجه السرعة وأنا في انتظارك”. التوقيع.. “أبو هشام”.
وصلت الرسالتان في وقت متقارب. وفي الواقع كُنتُ أنا وعبد الوارث نغرف من منبع واحد وتتطابق أفكارنا وتوقعاتنا.
وصلتُ، في اليوم التالي، بعد العصر، إلى صنعاء؛ مع الحذر من النقاط الأمنية التي كانت منتشرة بكثرة في إب. التقيت عبدالحفيظ؛ قال: “اِذهب على الفور.. عبدالوارث في انتظارك، وهذا حسن الخولاني سيوصلك إليه”. التقيت عبدالوارث، تطابقت تحليلاتنا واستنتاجاتنا، وخلاصتها أن الرئيس لن يفرط بي، وخاصة أن أخوه الشيخ محمد في الصورة.
نصحني عبدالوارث بالتماسك ورباطة الجأش عند لقاء الرئيس. قال: “لا تكون حادثة الحمدي في تفكيرك عند مقابلة الغشمي، ولا تخرج منك الكلمات إلا رصينة هادئة محسوبة، ولا تفارقك الابتسامة. أما توقعات الإخوان المتشائمة فلها ما يبررها، فحالة الخوف والذعر تشمل الجميع بعد فاجعة إبراهيم الحمدي. وحدد مطالبك بنقاط موجزة برفع الحملة، وإطلاق السجناء من سجن الزَّاجِر في إب، وسجن جِبلة”.
ذهب الأخ أحمد منصور في الحال لإبلاغ الشيخ محمد الغشمي بوصولي. قال له: “أخبر الأخ يحيى بأنه محل ترحيب مني ومن الرئيس، فأنا صديق وفي لجدكم عبدالحميد أبو أصبع من سجن حجة، فقد كان لا يبخل عليَّ (فعلاً جدي كان ميسور الحال ومن الأغنياء الكبار على مستوى المنطقة)”. وفي مساء نفس اليوم، التقينا عند أختي نورية، التي أصرت على نزولي عندها في منزل أحمد قاسم دماج. كنت “مُخَزِّن” ونشيط وعلى استعداد للاستمرار بهذا الوضع وبدون نوم لثلاثة أيام.
تواجد، إلى جانب أحمد قاسم، زيد مطيع، وأحمد منصور، وعبدالله الوصابي، وبهران.
وقال لي أحمد منصور: “عبدالحميد الحدي كان يريدك هذا المساء ويستضيفك في منزله، وسيتحرك في الصباح من أجل يوصلك بنفسه إلى عند الرئيس، وهو مطمئن لا يوجد عنده ذرة قلق عليك”.
عبدالحميد الحدي وصمود مناضلينا البواسل
وعن عبدالحميد الحدي لا بد من الإشارة إلى العلاقات الخاصة التي تربطنا به، وعلى الخصوص بينه وبين أحمد منصور، فالصداقة والعلاقات بينهما قوية ومتينة للغاية، وكانا يمثلان، مع مجموعة من أعضاء مجلس الشورى المنتخب عام 1970، أمثال زيد مطيع
