مقالات رأي

العزومة في بيت الغشمي واللقاء به في القيادة

عن عبدالوارث عبدالكريم والرئيس الغشمي (8)

عدت إلى صنعاء وأخبرني عبدالحفيظ بهران: “عبدالوارث عبدالكريم، ومحمد سالم الشيباني، يريدان اللقاء بك قبل ذهابك إلى الرئيس”. والتقيت عبدالوارث، وقال إن “محمد الشيباني ذهب مع آخرين يعالجوا مشكلة عبدالله عبدالعالم، وسلاح المظلات، فقد بدأت تظهر أزمة كبيرة لأن الطرفين يمسكان السلاح، ونحن نريد تهدئة الأوضاع، لأن سلاح المظلات تحت سيطرة رفاقنا في معظمه، ونريد تجنيبه ويلات الصراع، فيكفي الضربات المتواصلة بهذا السلاح خلال العشر السنوات الماضية، ووجود المظلات في غاية الأهمية لخططنا القادمة”. قُلتُ له: “وهل لنا مخططات عسكرية قادمة؟”. أجاب: “سنبلغك في حينه”.

عبدالله عبدالعالم

أضاف عبدالوارث عبدالكريم: “عليك اللقاء بالرئيس عند استيفاء الأسبوع، حسب طلبه، وأرى أن تركز على بعض النقاط، ومنها: “قُلّ للرئيس إذا المراد أن أتمكن من التأثير على الإخوان في الجنوب، وفي قيادة الجبهة القومية، والجبهة الوطنية، فلا بد من أن تحقق لي بعض المطالب حتى يلمسوا أن لي تأثيراً وفعالية لدى الرئيس الغشمي”.

وواصل عبدالوارث أموراً كثيرة وختمها: “لا توعد الرئيس بأشياء لا تقدر على الوفاء بها، ثم اختم حديثك مع الرئيس بالقول: يا فخامة الرئيس ما هو حدود طرحي للقضايا التي طلبتها مني، ومع مَن مِن القيادات حق الجبهة القومية، والجبهة الوطنية، وما هي المساحة المتاحة لتحركي حتى لا أقع في الخطأ؟”. وختم عبدالوارث حديثه: “أرجو أن ذاكرتك تحفظ كل ما يتحدث به الرئيس”.

في اليوم التالي، اتصلت بمكتب الرئيس، قالوا: “سوف نتصل بك”. بعد ساعتين اتصل الرئيس، قال لي: “قد أنت في صنعاء؟”. قُلتُ له: “نعم”. قال: “غداً تعال إلى قرية ضُلَاع.. الغداء هناك.. معنا ضيوف”.

كان أخي أحمد منصور بجانبي فطَبَزَنِي من أجل “العزومة”. قُلتُ للرئيس: “آتي لوحدي، أو مع أخي أحمد منصور، لأن معه سيارة؟”. قال: “أهلاً وسهلاً هو صاحبي مثلما كان صاحب الحمدي، وهو صاحب الناس كلهم”. ذهبنا إلى منزل أحمد قاسم دماج، وجدنا عنده الأخ يوسف الشحاري، والأخ عبدالله الصيقل. دخلت على أختي نورية، وأخبرتها أنني غداً في ضيافة الرئيس الغشمي في “ضُلَاع همدان”. صاحت أُختي: “لا، لا تذهب للغداء، كفاية الغداء حق الحمدي”. فسمعها يوسف الشحاري، وقَرَّح ضحكة مجلجلة، وتبعه الآخرون بالضحك، وصاح: “لا تقلقي، يا أم هاني، كلنا مدعوون، وكلنا إلى حتفنا سائرون، وفي ضُلَاع طائرون. حتى زُوجِك، وجئنا لإقناعه، وهو رافض”. قالت نورية: “لمو [لماذا] قد حَبّ يجمعكم كلكم”. عَلَّق عبدالله الصيقل: “مثلما جمع محمد علي باشا المماليك في ضيافة غداء”. وواصل يوسف الشحاري الحديث مع أختي أم هاني متسائلاً: “أمانة على من افتجعت أكثر؛ على أخيك لما غامر والتقى الغشمي، أو على زُوجِك لما جاءت الأخبار بأنه قُتِل في صعدة، عندما ذهب لقتال الملكيين مع أصحابه أهل برط؟”. قالت: “لَمَّا كان أحمد قاسم في صعدة ما كناش نحصل على الأخبار إلا بعد أيام.. اليوم يجزع أخي من عندي واحنا في قلق وتوتر في نفس اللحظة”.

وفعلاً في الستينات، أيام الحرب مع الملكيين، ذهب أحمد قاسم دماج إلى صعدة، والتي كانت قد سقطت بيد الملكيين، مع أهالي “بَرَط” لاسترجاع صعدة، فأصيب بطلقة نارية ألحقت به جروحاً، فاضطر إلى العودة إلى صنعاء للعلاج، وبعد مغادرته صعدة بأيام تحاصر أصحابنا في “قلعة عكوان”، شمال شرق صعدة، أربعين يوماً.

عبدالسلام مقبل

المهم عرفنا أن الرئيس عامل ضيافة كبيرة للشخصيات السياسية والأدبية والثقافية ورجال الدولة على شرف وفد الأدباء العرب برئاسة أدونيس. ذهب الكثير من المدعوين، وتغيب آخرون، ومنهم الأخ أحمد قاسم دماج بحجة أن “مالوش نفس لرؤية النفاق”. حاول الشحاري، وزيد مطيع.. فَتَرَكَ الجميع وخرج من البيت. قالت لهم أختي: “ما فيش فايدة اللي برأسه ما يتغير..”.

ذهبنا للغداء، وعند وصولنا رأيت الأستاذ والصديق عبدالحميد الحدي، قال لي: “ها، أمورك سابرة، على ما يرام.. حافظ على العلاقة مع الرئيس، ولا تصدق بعض المَدَالِيز الذين تعودوا على الغَاغَة، والقتل والقتال”. ومشينا إلى باحة الديوان الكبير الجديد. رأينا الشاعر عبدالله البردوني، وعثمان أبو ماهر، ومحمد يحيى الشرفي، كلهم من الشعراء المعروفين، وكان معهم الشيخ محمد يحيى الرويشان. وذكرت اغتيال الشهيد إسماعيل الكبسي، عضو اللجنة المركزية للحزب الديمقراطي الثوري اليمني، وكانت الأخبار قد أفادت أن المحافظ الرويشان هو وراء العملية، وأخبار تنفي ضلوعه، وجاء مجموعة من المشايخ يسلمون على البردوني، منهم عبدالوهاب سنان، شيخ “أرحب”، ويحيى راجح بن سعد، من “بني ميمون” (“عيال سُرِيح”)، والضلعي، وعبدالولي القيري، من “اليمانيتين- خولان”، وكلهم أصدقاء ومتابعين لقضيتي، فانفردت بالشيخ عبدالولي القيري، وأخبرته عن إسماعيل الكبسي لأنهم من منطقة واحدة، لأن “الكبس”، قرية إسماعيل، جزء من “اليمانيتين”، وهو مطلع على العملية، وقُلتُ له: “أريد أعرف دور الأخ الشيخ ناجي الرويشان”. فقال لي: “الشيخ المرحوم  ناجي الرويشان أكد لي أنه ليس له علاقة على الإطلاق، وإنما أجهزة المخابرات اغتالوا الكبسي، لأنهم، كما تعلم، قلقون جداً من نشاطه الحزبي وعلاقته بالجنوب.. أعرف أنك زَوَّجْتَهُ أختك، وقد حرصنا على احترام ذهابها وإيابها، بعد ما عرفنا أنها من بيت أبو أُصبع، وعند مغادرتها الكبس سهلنا مرور الشيخ وازع أبو أصبع، الذي وصل لإعادتها إلى البلاد، بعد محاولة من المخابرات لعرقلة  مسيره”.

اتجهت للسلام على الدكتور عبدالعزيز المقالح، وكان معه القاضي عبدالسلام صبرة، والشاعر علي بن علي صبرة، وزيد مطيع دماج، وصالح الأشول، وأحمد الرحومي، ومحمد عبدالله الفسيل. رَحَّب الحاضرون بالجهود المبذولة لإنهاء مشكلة الحملة العسكرية، وتأميني من المطاردة. قال الفسيل: “أنا ويحيى أبو أصبع لا نصلح إلا للمعارضة لو يعطونا أكبر وزارة با نتركها ونخرج نعارضها”.

زيد مطيع دماج

أخذني صالح الأشول، ومعه الرحومي، يشكون توقف سكرتارية الجبهة عن النشاط المنتظم، وقالوا: “كل التعويل على الحزب الديمقراطي، أخبر محمد الشيباني أن يُفَعِّل بقية الفصائل (فصائل اليسار)، وحتى ننتظم أكثر من أي وقت”. قال أحمد الرحومي: “يظهر أن هناك أزمة في عمران بين الرئيس وبين قائد اللواء الرابع مجاهد القهالي، وهناك وساطة لحل المشكلة، والغشمي مصمم على استبعاد جماعة الحمدي من الجيش، وأيضاً مع عبدالله عبدالعالم، عضو مجلس القيادة، لأن الرئيس قلق من وجود هذه الوحدات داخل صنعاء وجوارها”. أحمد الرحومي، ومحمد الخاوي، كانت علاقتهما بالرئيس الحمدي سيئة جداً، وكان قد أوقفهما، وهما على علاقة بحزب البعث، وينظرون للغشمي بأنه انتصر لهما.

فجأة، جاء للسلام عليَّ علي العتمي، وأحمد عبدالرحيم، نائبي محمد خميس [في الجهاز المركزي للأمن الوطني]. تصافحنا. قال العتمي: “أنت، يا شيخ يحيى، قُرصَك بين العسل هذه الأيام”، ثم أخذني على جنب، وقال: “أرجو أن تسمع مني وبسرية كاملة، لدينا تعليمات بمتابعة الناصريين والحركيين (الحزب الديمقراطي)، وكل اليساريين، بصورة قوية.. حَذِّر محمد الشيباني أن يأخذ حذره، أما عبدالوارث فهو أحمر عين”. قُلتُ له: “وماذا عن عبدالله عبدالعالم، ومجاهد القهالي؟”. قال: “لا بد من القضاء عليهما بأي طريقة، لأنهما ماسكين وحدات عسكرية خطيرة”.

وأخيراً، جاءني الشيخ أحمد عبدالرحمن الغولي، أحد كبار مشايخ “عِيَال سُرِيح”، قال: “كُن حذراً، ولا تصدق الغشمي ولو سجد لك على الماء.. يتحرك الآن لإبعاد مجاهد القهالي واستبداله بقائد موالٍ له، لا يريدون لبكيل، أو أي قبيلة منها، أن تكون فاعلة في الساحة، ووراء الموضوع [قبيلة] حَاشِد، يستغلون مخاوف الغشمي، وهات يا تشنيع ببكيل”. هذا الرجل، “الغولي” وقبيلته، على علاقة بالقوى الوطنية، ووالده من شهداء حركة الثلايا في عام 1955م.

وجاء الغداء، ثم المقيل. كان الحديث مرتب، وتولى إدارته حسين المقدمي، واللوزي، وعبدالله حمران. وكان الرئيس، طوال الوقت، مستمعاً وصامتاً، ولم يتحرك من متكئه. تشعبت الأحاديث والنقاشات والمشاركات، عن الحريات العامة والديمقراطية، ودور الأدب والفن في نهضة الشعوب، وعن انتفاضة الخبز في مصر، والأنظمة الاستبدادية ودورها في تأخير الشعوب عن التقدم، وعن القضية الفلسطينية، وأن الحركات والتنظيمات، التي تلجأ إلى العنف، تفعل ذلك كرد على عنف الأنظمة، والمفروض أن يكون هناك سلطة ومعارضة، وأن الغرب لم ينهض إلا بإعلاء كلمة القضاء والقانون.

استمر النقاش حتى الساعة الخامسة والنصف، وقبل المغرب بدأ الضيوف بالتحرك، وخرجت معهم، وبالصدفة التقيت عبدالسلام مقبل، وزير الشؤون الاجتماعية (ناصري)، قال: “كويس أنك عالجت المشكلة، كنا عند أخذك من يدك من قبل الرئيس، ودخل بك إلى الغرفة الداخلية يائسين من عودتك، وكان الأصنج قد علق بقوله: “ورور”.. يعني ذهب وإلى غير رجعة، فقلنا ربما عنده معلومات، ولهذا قلقنا”. (عبدالسلام كان موجوداً أثناء استقبال الرئيس لي في بيته، وقد ذكرته في حلقة سابقة). المهم قال لي عبدالسلام: “أريد أشوف محمد الشيباني على وجه السرعة، الوضع صعب”. ثم هَمِّيت بطلوع سيارة زيد مطيع، وإذا بشخص يُسَلِّم عليِّ، ويقول: “أنا عامر، أو عمر، الضلاعي، من مكتب الرئيس، با اتصل بك الصباح إلى بيت أخيك أحمد”.

في السيارة، قال زيد: “زيارة الأدباء العرب كانت مقررة من أيام الحمدي، والجماعة أرادوا أن يعطوا انطباعاً أنهم ليسوا فقط قبائل متخلفين وجهلة، إنما أرادوا إعطاء صورة عن نظام الغشمي بالانفتاح على كل جديد، وهذه خطط عبدالله الأصنج”. وأضاف: “من كان يتابع الغشمي وهو مُرَكِّز ومستمع، ويكتب بين الفينة والفنية في دفتر أمامه، يقول: الله أكبر، الرجل يستوعب هذا الكلام الذي لا يفهمه الكثيرون من  المتعلمين”. الواقع أن الحملة على الغشمي كانت واسعة النطاق ولدى مختلف الفئات والمناطق.

ذهبت للقاء عبدالوارث، أو الشيباني، ولم أجد أحداً إلا صباح اليوم الثاني. جاءني اتصال، وأنا في منزل أحمد منصور، أن الرئيس يريدني “الساعة 11 قبل الظهر، يوم غدٍ في القيادة العامة”.

دخلت على الرئيس في مكتبه. كان التعب بادياً عليه، قُلتُ له: “يظهر عليك الإرهاق”. قال: “ما نمت إلا ساعتين الصباح”. قُلتُ له: “وما الذي يشغلك؟!، أنت يا رئيس في بلد كلها مشاكل لا تعد ولا تحصى، وخاصة على الرئاسة، فلا داعي أبداً لأن تقلق وترهق أعصابك وتتعب دماغك والمشاكل هي هي.. عليك أن تأخذ القسط الوافي من الراحة والنوم حتى تستطيع مواصلة المسؤولية الهائلة الملقاة على رأسك”.

أحمد الغشمي

قال: “والله أنك صادق، لكن أشتي أخلص من بعض المشاكل القائمة، وهي لا يمكن تأخيرها والتهاون معها”. قُلتُ له: “كلمني قد الثقة بيننا قائمة، يمكن أن أفيدك برأي”. قال: “أولاً؛ عبدالله عبد العالم، هذا ما درينا ما يشتي، يبكي واصل! عاد محمد سيف ثابت والأصنج خرجوا من عندي، وجالسين معه طوال الليل، يتفقوا على أمور، وبعد ساعة يختلف. يقول إنهم أصحابه، وبعد قليل يقول لهم إنهم قبضوا ثمنه من الغشمي! ولكن، يا أخ يحيى، بيده سلاح حاسم وقوي، وهو سلاح المظلات، وهل تعرف أن معظم المظلات من حزبكم، ومن الناصريين؟”. قُلتُ له: “أي حزب؟!”. قال: “الحركيين (الحزب الديمقراطي)”. أجبت: “والله، يا أخ الرئيس، أن معلوماتي عن القطاع العسكري ضعيفة، لأن مسؤوليتي في الجانب المدني”. وأضاف: “وعاد هناك في عمران مجاهد القهالي، ومعهم نَصًّار”. قُلتُ له: “من نَصَّار؟!”. قال: “هذا من عندي، من همدان..”. ثم تأتيه تلفونات مهمة يضطر يرد عليها، ثم خرج مرتين لمقابلات خاصة، وعاد.

رأيت أنها فرصة، حتى لا أحسم الأمور معه، وأبتعد عن أي تكليفات محرجة. قُلتُ له: “يا أخ الرئيس، أشوف أنك مشغول، والحديث بيننا يشتي وقت، وأرى أن نلتقي يوم آخر”. قال: “وهو كذلك، بعد يومين أو ثلاثة، لأن عملك هو مهم جداً”. وأضاف: “خذ مصاريف، وأجلس في صنعاء”. حاولت اعتذر له عن أخذ المصاريف (بطريقتنا المثالية الخَجْفَا). قال لي: “لا تخلني اتهمك أنك تستلم من دولة أجنبية”. قُلتُ له: “لا، والله ظروفي صعبة جداً، وإنما هي التربية على النزاهة. على كل حال أرجو أن يكون المبلغ محترماً”. دعا “الضُّلاعي”، وغمز له، وقال: “معك سيارة؟”. قُلتُ له: “لا”. قال لـ “الضُّلاعي”: “وَصِّله إلى حيث يريد”.

شفت الفلوس، قُلتُ: “كم حَوُّل الرئيس؟”. قال: “خمسين ألف” (مليان شوالة). كلمت الإخوان على موضوع الفلوس، وحدث لقاء اليوم الثاني على الفطور، وجاء مقترح بتوزيع الفلوس على المجموعة التي عايشت وتعبت وعانت من مشكلتي، وهات يا مقترحات.. كم لي أنا، وكم لهم. حَسَمَ الأمر زيد مطيع؛ قال: “الفلوس توضع في تصرف عبدالوارث عبدالكريم، والأخ يحيى، فظروفهما قاسية والأمراض محلقة عليهما أما نحن فظروفنا أفضل”، ووافق الجميع على المقترح، وعند لقاء عبدالوارث عبدالكريم قَسَمَ المبلغ نصفين؛ نصف لي شخصياً، ونصف للحزب. ونصيبي هو المبلغ الذي أكملت به بيت “جِبلة” في “رأس العقبة”، وكان قد أسسه وقطع شوطاً فيه الوالد الشيخ محمد بن لطف الهبوب، جد الزوجة، “بنت السقاف”، من حساب مخلفها من بعد أبيها.

يتبع..

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى