عن عبدالوارث عبدالكريم والرئيس الغشمي (10)
خرجنا من “التخزينة” [في منزل عبدالحفيظ بهران، بحضور عبدالوارث عبدالكريم وآخرين] برأي هو تأجيل البرنامج السياسي للرئيس الغشمي، إلى ما بعد انتهاء مشكلة المظلات، كون الرئيس منغمساً في المشكلة حتى أذنيه، ولا يمكن أن يلتفت إلى أمور أخرى. طلب مني عبدالوارث مقابلته بعد أن أجلس مع يحيى المتوكل، لأنه يعتقد أن المتوكل يعرف كل ما يدور في الكواليس وتقديراته للأمور جيدة، وهو قريب من القوى الوطنية الحديثة، وبالذات تعاطفه مع الحزب الديمقراطي ومع اليسار.
ذهبنا إلى منزل يحيى المتوكل، والبيت كان في طور الإنشاء، وليس فيه جاهز إلا غرفتين وحمام، وهو الكائن في منطقة الكميم جوار بيت علي عبدالله صالح اليوم. قال المتوكل، إن “وضع قوات المظلات في خطر، وهم يريدون تكرار ضربها، كما حدث في أغسطس 1968م، إلا أن بعض الحسابات أوجدت تخوفاً عند الأجهزة، من امتداد المستجدات العسكرية إلى أماكن أخرى جوار صنعاء، والوضع الجديد برئاسة الغشمي، لا يريد الدخول في مغامرة قد تكلفهم الكثير، وخاصة وأن الوضع الشعبي والجماهيري ساخط على الوضع، وغاضب على مقتل الحمدي، والانقسام في المظلات حاصل بين القول بذهاب عبد العالم، مع عدد كافٍ من المرافقين، وبقاء قوات المظلات، ومن يرى التحرك بصورة جماعية، عبد العالم والمظلات والأسلحة، إلى تعز، وأعتقد أن الرأي الخبيث والذي قد يُطَبَّق هو الموافقة على خروج قائد المظلات، وكل لواء المظلات، إلى تعز”.
ويواصل المتوكل: “وفي تعز، سوف لن يسمحوا له بالبقاء، أو الدخول إلى المدينة، وسيذهبون به إلى الحجرية، وهناك يواجهونه في حاضنة اجتماعية مدنية، لا تنشد القتال ولا تربطها بالقبيلة والقبيلة رابط. تعز مجتمع مدني حديث ضد العنف والسلاح، ونصيحتي أن تَجِدُّوا في بناء الحزب الديمقراطي، فهو المعول عليه، مع القوى الحديثة من فصائل اليسار، لبناء الدولة اليمنية المركزية، دولة النظام والقانون، وعَقِّلُوا مجانين حملة السلاح، وتفجير الأوضاع عسكرياً هنا وهناك، فهذا ميدان النظام الحاكم وأمنياته حتى تضطرب مخطط البناء الحزبي والتنظيمي والسياسي بصورة راسخة وشاملة في ظروف الاضطرابات”.
ذهبتُ إلى عبدالوارث عبدالكريم، وضعته في صورة حديث يحيى المتوكل، قال عبدالوارث: “هذا ما خوفني وحذرت الإخوان في المظلات منه، وقُلتُ لهم إن السلطة لن تسمح لهم بدخول مدينة تعز، على الرحب والسعة، وما قاله المتوكل، حول خط الطريق إلى الحجرية (التربة)، هو الأرجح، وهناك في الحجرية، ستنقطع الإمدادات والمعاشات، وستتعدد القرارات في قيادة المظلات، نتيجة لحسابات الناصريين والديمقراطيين (الحزب الديمقراطي)، والشكوك التي تطوقهم من كل جانب، كما أن الإخوان في الجنوب، لن يحسنوا التصرفات مع هذه القوة القادمة، وسيعمل كل جناح في الجنوب على تجييرها لحسابه، وهكذا تكتمل فصول الكارثة، كما حصل في عمران”. وحول هذا الموضوع، سألت المزيد عن أحداث عمران، أشار عبدالوارث، إلى تمكن السلطة، وأجهزة استخباراتها، من إفشال العلاقات التي كانت وطيدة أيام الحمدي وبعد استشهاده، بين عبدالله عبدالعالم وقوات المظلات، وبين مجاهد القهالي، وقوات اللواء الأول مشاة، المرابط في عمران.
…
وقد كان لمحمد سالم الشيباني، تقييم لما جرى في عمران، ومفاده أن سوء التنسيق، وقدرة الأجهزة الاستخباراتية على زرع الشكوك، وبذر الريبة بين الطرفين (مجاهد والعالم)، قد مكن صنعاء من القضاء على خطر القهالي، وقواته، التي كانت تمثل تهديداً خطيراً لصنعاء، لا سيما في ظل التفاف قبلي واسع النطاق مع مجاهد وقواته، من منطلق، أن القضاء على هذا الوجود في عمران، يصب في مصلحة قبيلة حَاشِد، وإضعاف إضافي لقبيلة بَكِيل (بحسب المنطق القبلي).
ويضيف محمد الشيباني، أن “وساطة شخصيات بكيلية وازنة، لمعالجة موضوع عمران، وإنهاء ما أسمته السلطة بالتمرد العسكري لمجاهد القهالي، وكان أبرز هذه الشخصيات، الشيخ عبدالله بن ناجي دارس، وعبدالله محسن ثوابه ومحمد بن يحيى الرويشان، وآخرون، دور مهم في حسم المشكلة لصالح النظام، ويضيف عبدالوارث عبدالكريم، عطفاً على محمد الشيباني، أن “مجاهد القهالي، اعتبر التوقيع من قبل عبدالله عبدالعالم، عضو مجلس القيادة، على قرار إحالة مجاهد القهالي، إلى محكمة عسكرية، كمتمرد على الدولة، واعتبر هذا التوقيع ليس فقط خذلاناً له، بل طعنة في الظهر من شخص على شخص. كان الاثنان من أوثق القادة قرباً من الرئيس إبراهيم الحمدي، بل أنهما من تربيته وتلامذته، وأعتقد أن الرفيق محمد سالم الشيباني، هو من يملك مفاتيح المعلومات، عن ما جرى في اللواء الأول مشاة، وقائده، مجاهد القهالي، أو قوات المظلات، وقائدها عبدالله عبدالعالم، باعتباره ليس فقط مسؤولاً حزبياً وسياسياً عن الجهتين، وإنما لاهتماماته ومتابعاته وإلمامه بكافة الظروف والملابسات والخلافات في الوضع السياسي العام في تلك الفترة”. ونتمنى أن تأتي الفرصة لتقييم ما جرى بصورة شاملة، كما أن الأخ مجاهد القهالي، أدام الله في حياته، يمتلك التفاصيل الكاملة، عن ما جرى في ذلك التاريخ.
بعد يومين، أو ثلاث من هذه اللقاءات، جاءت الأخبار، أن عبدالله عبدالعالم والمظلات، اتجهوا صوب تعز، بسلاحهم الثقيل، حسب البعض، وسلاحهم المتوسط، حسب البعض الآخر، وكانت صنعاء في ذروة الهرج والمرج، والقِيْل والقَال، عن معركة في ذمار، وقِيْل في إب، وفي تعز، وأخيراً لم يمض ذلك اليوم إلا والأخبار تفيد بوصول قوات المظلات إلى “الحُجَرِيِّة” – التُرْبَة، “وكفى الله المؤمنين شر القتال”، ولم تمض أيام قليلة وإلا والسلطات تحشد عسكرياً وقبلياً وجماهيرياً، وتوظيف وجهاء تعز وقادتها، نحو حل المشكلة، للحفاظ على الأمن والاستقرار لتعز كلها، كما يزعمون، وأنه “يستحيل السماح ببقاء هذه البؤرة العسكرية الخطيرة في الحُجَرِيِّة، لأن ذلك سيأتي بالنظام الجنوبي الاشتراكي (الشيوعي) إلى تعز..”.
في صنعاء، لم تكن هناك أحاديث، إلا عن “المظلات” و”الحُجَرِيِّة”، والوضع الذي قد يتفجر في أي لحظة، وحشودات قائد لواء تعز، الرائد علي عبدالله صالح.
…
التقيت الأخ محمد سالم الشيباني، قال لي أنه “مُكَلَّف من جميع القوى في صنعاء، ومن منظمة الحزب الديمقراطي، بالذهاب فوراً إلى الحُجَرِيِّة، للعمل على تدارك الأمور، والحيلولة دون تفجر الأوضاع”، وقد تم اختياره فعلاً، من قيادة الجبهة الوطنية الديمقراطية، ومن التجمع الوطني، برئاسة أحمد جابر عفيف، من أجل تلك المهمة، وقد شرح لي الوضع، الأستاذ محمد عبدالرحمن الرباعي، ونحن في زيارته، أنا وعبدالقادر هاشم، أن الشيباني “هو من تتوفر فيه الإمكانية للقيام بمهمة نزع فتيل الانفجار، لأن منظمة الحزب والناصريين في تعز، وفي سلاح المظلات، هما الأكثر تأثيراً في مواجهة النظام وأجهزته”، وأضاف الرباعي: “لقد سمعت أحاديث من قريبين من النظام، أنهم يتشوقون بلهفة، لتفجير الوضع في تعز حتى يوجهون ضربات ساحقة وماحقة لتعز، التي كانت سبباً في نشر الأفكار الهدامة، وإشاعة الحزبية، وحولت النظام في عدن إلى بؤرة معادية لصنعاء، ويتمنون إعادة تعز إلى الوضع القبلي، مثلما هو الحال في حاشد وبكيل”، وأضاف معلقاً: “المهم، جُنَان.. الحقد على تعز فاق كل منطق”، وقال إن مسؤولاً كبيراً، وشخصية مشيخية كبيرة، اتصل به وطلب منه “عدم تشجيع التوجه لتهدئة خطط ضرب تعز”، وقال له: “علينا أن نتذكر 1968، وأسلحة المظلات والصاعقة والمدفعية والمشاة، التي حاولت قيام نظام شيوعي ملحد في صنعاء، وكل هذه الوحدات وقادتها من تعز”، وعَلَّق عبدالقادر هاشم، بالقول: “لا ينبغي أن نظل ساكتين.. على الأقل نصدر بياناً، نطالب فيه بمنع تفجير الوضع، وترك الفرصة للمساعي السلمية وجهود وجهاء تعز، تأخذ حقها من الوقت.. ثم لماذا الاستعجال؟! لم يعد أحد في صنعاء يهدد الوضع، فلماذا العجلة..؟!”.
يتبع..