مقالات رأي

زيارة حمود قطينة إلى منزله وإبلاغه أن الحزب الديمقراطي ينوي القيام بانقلاب عسكري ضد الغشمي

عن عبد الوارث عبدالكريم والرئيس الغشمي (13)

سألت أحمد منصور عن حمود قطينة أشياء كثيرة، ما جعل أحمد يسأل: “أيش هذا البحث كله، وإلا في نيه لعمل شيء؟! رجاءً، إذا هناك شيء خبروني من أجل أخرج من صنعاء، ما عاد بي طافة على السجون وعذاباتها”. أكدت له عدم وجود شيء، ولا أخفي عليه شيئاً، وإنما عندي مسح لكافة الشخصيات المهمة، عسكرية ومدنية، من باب العلم بالأمور. شرح لي كثيراً عن حمود قطينة، وصداقته مع الحمدي، وأنه غير راضٍ على الوضع، ويسر له أن الغشمي متريث بعض الوقت، ولكنه سيتخلص من جميع الضباط والقادة الذين عملوا مع إبراهيم الحمدي، إلا أن أخاه الشيخ محمد قطينة مع الوضع لعلاقته بالبعث، وبمجاهد أبو شوارب، وكان ضد عهد الحمدي. سألته على صيغة استنتاج: “إذاً الرغبة متوفرة لدى حمود قطينة لعمل شيء؟”. قال: “لو وجد دعماً عسكرياً ومدنياً لن يتأخر، لأنه يعتبر نفسه أكثر كفاءة وقدرة وثقافة من الغشمي”.

عبدالوارث عبدالكريم

ذهبت إلى بيت حمود قطينة حسب الوقت المحدد. في لحظة وصولي حوش البيت، وصل الشيخ حمود محمد الصبري، شيخ “الحَيْمَة”، وعضو مجلس الشعب التأسيسي.. تسالمنا وتعانقنا. ثم دخلنا الديوان، وجاء حمود ومعه الفطور.. فطرنا وكان الحديث حول قضية قبلية يخوض فيها الشيخ الصبري، ويريد دعم ومساندة قطينة، لأن القبائل تقع مناطقهم تحت نفوذ قوات الاحتياط، وخرجنا معاً. أبدى الصبري استعداده لتوصيلي بسيارته.. فهمس بأذني حمود قطينة: “تعال غداً الساعة 6 صباحاً”.. وفي سيارة الصبري أخذنا الحديث إلى الأحزاب في الساحة الوطنية، وإلى حركة القوميين العرب، ثم إلى الحزب الديمقراطي، وقال إن “أحداث أغسطس كانت خطة ملكية سعودية بواسطة الجمهوريين لتصفية الثورة، وعودة الملكيين”، وقال: “لولا أولئك الضباط فأن صنعاء سقطت بيد الملكيين في حصار السبعين”، وذكر أسماء بعض “الضباط الأبطال”، حسب تسميته.. ذكر عبدالرقيب عبدالوهاب، وعبدالرقيب الحربي، وحمود ناجي سعيد، ومحمد صالح فرحان، وأحمد عبدالوهاب الآنسي، وعبدالله العلفي، وأحمد علي حسين، ويحيى مدكور، ويحيى الظرافي، والصالحي، والمولد.. وعلي مثنى جبران.. أصحاب وادي بنا، وعبدالسلام الدميني، وسلطان القرشي، ومحمد عبدالسلام منصور، وحميد العذري، وجار الله عمر، فأنا أعرفهم وأحترمهم وكنت متعاوناً معهم، وقد استضفت بعضهم أيام الحصار، ومنهم عمر الجاوي، وعلي مهدي الشنواح، ومالك الإرياني.

أخذنا الحديث إلى عبدالوارث عبدالكريم من الشيخ الصبري.. قال: “هل تعرف أن حزبكم، الحزب الديمقراطي، ينشط عندي في الحَيْمَة، وبني مَطَر وحَرَاز، وأنا أشجعهم، وقد خرج عبدالوارث عبدالكريم إلى هذه المناطق في زيارات حزبية، وكانت الأخبار تأتيني، وأقول لهم: هذا رجل وطني ليس منه خوف. وأنا كنت أعرف عبدالوارث لفترات طويلة، وقد شغل منصب نائب مدير الأمن الوطني، الذي كان يرأسه محمد المسيبي، وبيني وبين المسيبي علاقة نسب.. وكانت لدي قضايا كثيرة مرتبطة بالأمن الوطني، وكان عبدالوارث عبدالكريم أفضل من يتعاون ويساعد ويتابع، فأنا أكن له كل الاحترام.. أمانه إذا لقيته، وسوف تلتقيه فأنتم في حزب واحد، سَلِّم عليه، وقله بيتي وحالي ومالي رهن حاجته وتصرفه، ونبه عليه بالحذر الشديد، فإذا حدث له مكروه ستكون خسارة وطنية كبيرة..”. المهم تحدث عن عبدالوارث ما يقرب من نصف ساعة، وكان مستعداً أن يواصل الحديث، إلا أنني استأذنته وقد وجه لي “عزومة” اتفقنا فيما بعد [عليها]..

كلمت عبدالوارث عن حمود الصبري، قال: “هذا قريب طوال الوقت من الحركيين، ومن الحزب، ومن البعث، وأنا كنت دائماً مُرَكِّز عليه، وأحترمه جداً، وفعلاً لي نشاط حزبي في مناطق بني مطر والحيمتين وحراز”، وذكر بعض الرفاق مثل المشايخ (اليوم) يحيى غوبر، ومحمد سوار، والقاضي، وقد نسيت الأسماء الأخرى، وهؤلاء ما زالوا موجودين وشخصيات مؤثرة بإمكانهم أن يدلوا بشهادتهم. يحيى غوبر كان محافظ الضالع والجوف، وكانت سمعته عطرة ورائعة، ومحمد سوار ظل فترة مسؤول الحرس الخاص للرئيس علي عبدالله صالح، وهو اليوم عضو مجلس النواب، وقد تحدثت معه عن عبدالوارث، وكثيراً ما أناديه “يا رفيق”..

وأعود إلى الشيخ حمود الصبري، الذي أصبح الشيخ رقم اثنين، أو ثلاثة بعد الشيخ عبدالله بن حسين الأحمر، والشيخ أمين بن حسن أبو راس، بل كان قد وصل إلى مكانة منافسة ومتفوقة على عبدالله بن حسين، وحظي بنفوذ وشعبية قبائل طوق صنعاء، ووسط “بَكِيل”، ويدعمه الشيخ سنان أبو لحوم، والشيخ ناجي عبدالعزيز الشايف، والشيخ عبدالله دارس، بعد أن توارى النقيب أمين بن حسن أبو راس بسبب المرض والكِبَرْ.

وقد روى لي الشيخ يحيى العذري، أطال الله في عمره، وهو صديق عزيز وعلاقتي به أكثر من أخوية، وأنا على علاقة متينة به من قبل الوحدة وما بعد الوحدة، وكانت تجمعنا علاقات واجتماعات أسبوعية وأحياناً يومية، وثالثنا الأخ العزيز اللواء أحمد عبدالرحمن قرحش، الضابط القيادي في تنظيم الضباط الأحرار، ومن أبطال ثورة سبتمبر ومن أبرز المدافعين عن الثورة والنظام الجمهوري.. وظلينا الثلاثة لعام كامل ونحن في ساحة التغيير، بعد ثورة 11 فبراير، وقد غادرا، أحدهم إلى القاهرة، والآخر إلى الأردن بعد 2015م، ومن حظي النكد عشت أنا (على حد تعبير مطهر الإرياني في “البالة”) في صنعاء، ولم أغادرها أبداً، إلا مرة واحدة إلى عدن في تشييع جنازة الراحل الكبير علي صالح عباد مقبل، الأمين العام الأسبق للحزب الاشتراكي، وعدت إلى صنعاء، وكما يقول المثل “نار صنعاء ولا جنة الرياض”، فصنعاء هي المكان الأفضل والأحسن إلى قلبي من كل عواصم الدنيا.

أعود إلى شهادة يحيى عبدالله العذري حول اغتيال الشيخ حمود محمد الصبري في منزله، وهو مخزن مع عباد الله، في دولة علي عبدالله صالح، ويعتقد أن شعبية الصبري واتساع نفوذه وسط قبائل طوق صنعاء قد عجل بزواله، كما هو حال الشيخ أحمد عبدربه العواضي بعد أن كاد نفوذه، وسطوته، وعلاقته بالجنوب، كاد أن يعلو ويرتفع على جميع الشخصيات الأخرى.. الرحمة على الصبري والعواضي.

ذهبت إلى بيت حمود قطينة الساعة السادسة والنصف مع طلوع الشمس.. كان في انتظاري.. غَلَّق الأبواب والنوافذ، وفتح مسجلة. قال إن صوتها يشوش أي تنصت.. يعني وكأنه يعرف أنني جئت لأمر جلل.. قال: “هات ما عندك”. دخلت في الموضوع مباشرة، قُلتُ له: “طَلَّعُونِي من إب، وكَلَّفَنِي عبدالوارث عبدالكريم الاتصال بك، وإبلاغك أن الحزب الديمقراطي، وحلفاء له، ينوون القيام بانقلاب عسكري، ولديهم قناعة وقرار أن تتزعم الانقلاب، وتكون رئيس البلاد المقبل..”، وتوقفت. قال: “وكيف صحته عبدالوارث، أعرف ان عنده قرحة في المعدة، وأطباؤه وأطبائي شيء واحد؟”. قُلتُ له: “هو هذه الأيام في صحة جيدة”. قال: “وأين محمد الشيباني هذه الأيام؟”. قُلتُ له: “بعد أحداث الحجرية ذهب عدن، أو أنه في تعز”. قال: “رأسه مطلوب بأي صورة، وقد لفقوا له تهماً كاذبة أن له ضلع في قتل رجالات تعز”. ثم أضاف: “أنا عندي سفر على رأس وفد عسكري إلى موسكو يوم الثلاثاء..”. سألته: “كم مدة الزيارة”، قال: “ثلاثة أيام، سأحاول أن أعود بعد انتهاء الزيارة الرسمية، كنت ناوي أطول أسبوع أبعد عن جو اليمن، لكن ما دام وأنتم عندكم عمل فهو أهم.. بَلِّغ عبدالوارث أنني أريد أن أراه قبل سفري يوم الاثنين، في وقت متأخر بعد منتصف الليل، وأنا با أجعل أحد حراستي في انتظاره من بعد منتصف الليل”. كنا في يوم السبت.. أبلغت عبدالوارث، قال لي: “هل أبلغت الرئيس أنك في صنعاء؟”، وأضاف: “كرر الاتصال حتى يفهم أنك مشغول به فقط”.

يوم الثلاثاء، يوم سفر حمود قطينة، أخذني أحمد منصور لزيارة الشيخ علي ناصر شويط، الشخصية الوطنية المعروفة، وخاصة في “شَرعب” وصعدة، وهو قائد أداء السلام، ولم يبعده الحمدي من موقعه لأنه صاحب مواقف عظيمة تميزه عن المشايخ الآخرين، وهو مناضل سبتمبري وزميل كفاح لأحمد منصور.. وإذا بالأخ أحمد يفاتحني أن حمود قطينة يسأل عني، ويبحث في كل شاردة وواردة عن يحيى منصور. وأضاف: “أيش القصة، أنت تبحث عنه، وهو يبحث عنك وخاصة هذه الأيام؟!”. قُلتُ له: “هل قال لك أني محل شك أو ماذا؟ أنا لم أره من يوم أخذني إلى بيت الغشمي”. قال: “قد سألته لماذا مهتم بالأخ يحيى، فلم أسمع منه شيئاً”. ارتحت أنا أنه لا يوجد ما يقلق..

“متى شفته؟”. قال: “أمس الاثنين”.

من بيت علي شويط، اتصلت إلى مكتب الرئيس، وكلمني المكتب، قال: “تعال بكرة إلى القيادة العامة، الساعة التاسعة صباحاً”. أعطاني علي شويط مسدساً، فقد رآني لا أحمل سوى جنبية، وقال: “هذه جزء من القضاء لوالدك، فقد كنا، أنا وحزام الشعبي وعلي أبو لحوم وعبدالله ذيبان وحميد ردمان، نجلس عنده في الربادي لأسابيع، وهو يقول للناس أننا من بَرَط، من ذو محمد، أولاد عمه، وكنا مُكَلَّفِين من حركة الأحرار بالتفجيرات في بيوت الدولة الحكومية المتوكلية في محافظة إب على وجه الخصوص..”. وتساءل عن عمي فيصل، وعمي وازع، “الذين كان أبوك يركن عليهما بمتطلباتنا، والسهر علينا في كل المرات التي ترددنا على بيتكم في الربادي”. وأضاف: “وكان أعمامك الاثنان مطلعين ومستعدين للمشاركة في التفجيرات، التي كنا نقوم بها في مختلف مديريات إب ضد النظام الإمامي.. كان عمك فيصل يُخَرِّج منا الكلام بكفاءة نادرة، كان يَمُزَّنا مثل اللِّيمَة”.

وتحدث علي شويط عن “وفاء قبائلكم”، وذكر بإعزاز الشيخ عبدالعزيز الصلاحي – “صاحب عدن جود” (“صُهْبَان”). قال: “كانت العملية صعبة للغاية في بيت منير في مدينة إب، وهو بيت محمد حسن المتوكل، عامل إب (مدير عام).. اشتبكنا مع الحراسة، وكنت أنا وحزام الشعيبي مُكَلَّفِين بها، ووجود جنود آخرين لم نحسب حسابهم، وتقاتلنا معهم بالسلاح الأبيض، وتمكن حزام الشعبي من نقلي بعد إصابتي بطلقة من بندق موزر في الحوض، وما زالت تؤلمني، وسوف تلازمني مدى الحياة، حملني حزام الشعبي على ظهره إلى بيت أحمد حسن البربري، في الجبل الذي فوق مدينة إب، وفي اليوم الثاني، وخشية التفتيش في الأماكن القريبة من المدينة، نقلني المناضل حزام الشعبي والبربري، على ظهريهما وفوق الحمار أحياناً، إلى عدن جود، مديرية السياني، بيت عبدالعزيز الصلاحي، وقد انسحب البربري حتى لا يراه الشيخ عبدالعزيز، والذي كان يحب الإمام، ومن المتشيعين للإمامة، كما أنه كان أغنى مشايخ وملاك المنطقة. ودقدق الباب حزام الشعبي، والوقت قريب الفجر، فتح عبدالعزيز الباب، ووجد حزام الشعبي، وقال له: فعلت المصيبة في إب، في بيت الدولة، وذلحين جئت عندي يا بن الشعبي.. كانت الأخبار قد شاعت والفاعلين معروفين.. جوب عليه حزام: والله ما هو أنا الذي عملت التفجير في إب، وإنما هو هذا الشخص، وأشار إليَّ وأنا راقد في الأرض. قال له: هذا من؟ قال له: “علي ناصر شويط، من بني صريم حاشد”.

يتبع..

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى