لاشك من أن للعمل السري إيجابياته كما له أيضاً سلبياته, كذلك هو العمل العلني.
من إيجابيات العمل السري مثلاً, أن عضو التنظيم السياسي كان يتمتع بمستوى ثقافي أفضل, وذلك نتيجة للبرامج التثقيفية الممنهجة التي كان يخضع لها, إلى جانب ما عرف عنهم من التحصين الأخلاقي والحفاظ على السرية، والحرص الشديد على الآخر, ناهيكم عن كون اعتبار العضو فدائياً حقيقياً, إذ يمكن له أن يتعرض للملاحقة والاعتقال, وجميعنا يعرف ما كان يتعرض له المعتقل من وسائل تعذيب وحياة معيشية تفتقر لأبسط مقومات الحياة البشرية كواحدة من عقوبات السجن. ليس هذا فحسب، بل والتصفية الجسدية أيضاً، كما طال الكثيرين وتحديداً تنظيمات اليسار كما هو معروف.
غير أن سلبية العمل السري، في اعتقادي، تتمثل في كونه تستر على سلوكيات ونقاط ضعف الكثيرين من تلك القيادات السياسية, التي كنا ننظر لها باعتبارها نماذج غير عادية ولا يمكن لها أن تتكرر.
لكن وأثناء العمل العلني، والذي ارتبط بتحقيق الوحدة المغدورة, ظهرت بعض القيادات على حقيقتها.. فقد ظهر الانتهازي، وظهر قليل المعرفة والثقافة, كما رأينا وعايشنا أولئك الذين بدوا أشبه بالأطفال وغير قادرين على بناء العلاقات التي ترتقي لمصاف مواقعهم وقيمة العمل الوطني الذي يمثلونه.
كم عايشنا – وما زلنا – في العمل العلني من جعانن وصغار قدموا العمل السياسي الوطني بطريقة لا تليق به، وبما قاد إلى عزوف الكثيرين عن الالتحاق بالأحزاب والتنظيمات السياسية, بل ومغادرة بعضهم مدعمين بوجهات نظر وتصور سيئ عن هذا الوسط والعمل السياسي عموماً, ما أدى في النهاية إلى هذا الغياب الحزبي وتأثيره المفترض على الحياة العامة والمستقبل الوطني للبلاد… وبما ترتب عليه من تسيد لمشاريع ما قبل الدولة وانتشار للجماعات والقوى المتخلفة, وإيصالنا إلى ما نحن عليه من أوضاع لم تكن بالحسبان.