مقالات رأي

عند محاصرة الأمن للمستشفى واعتقال عبدالوارث منه وهو مريض

  • عن عبدالوارث عبدالكريم والرئيس الغشمي (16)

أخبرني الدكتور محمد قاسم الثور أن العملية [الجراحية التي أجريت لعبدالوارث عبدالكريم في مستشفى الكويت كانت] ناجحة، وتحت مسؤولية الرفاق من الأطباء، وأغلب أطباء المستشفى، والعاملين في المستشفى، رفاق من الحزب الديمقراطي الثوري. وأضاف: “تَسَرَّب الخبر من طبيب بعثي اكتشف العملية بالصدفة، ويظهر أنه نقل المعلومات إلى قيادة البعث، والمعروف عن هذا الطبيب أنه محترم وخدوم وعلاقتنا به جيدة”.

عبدالوارث عبدالكريم

وأضاف: “والظاهر أن هذا الطبيب نقل المعلومات عن عبدالوارث لقيادة البعث (كنا قد ترجيناه ألا يخبر أحداً على الإطلاق)”. سألته: “هل لديكم خطة لإنقاذه؟”. قال: “لا زال يحتاج أسبوعاً، أو أكثر، لأن العملية صعبة، حيث تم بتر نصف المعدة، وأيضاً لديه متاعب صحية أخرى. كما أن الأمن الوطني قد سَكَّن معه في الغرفة أكثر من عشرة أفراد شرطة عسكرية، وغيرها، وكذا في الغرف المجاورة، وباحة المستشفى، ناهيك عن الأطقم المحيطة بالمستشفى من كل الجهات. لقد تم تحويل المستشفى إلى ثكنة عسكرية”. وأضاف: “الاحتمال الراجح أننا معرضون للاعتقالات، فالأمن يبحث عن الذين قاموا بالإسعاف، ومن أجرى العملية، ولماذا التستر على كل ذلك، كما أن التحقيقات لم تتوقف مع إدارة المستشفى”.

تناقشنا عن العمل لمعالجة الوضع الصعب، فاقترح عبدالحفيظ بهران طرح الموضوع مع رئيس الجمهورية. اتصلت بمكتب الرئيس، وطلبت المقابلة العاجلة. قابلت الرئيس، وطرحت عليه الوضع المزري في مستشفى الكويت. قاطعني الرئيس قائلاً: “كنت أظن أن معك أخبار عن المهمة التي عليك مع الجنوبيين!”. قُلتُ له: “هذه واحدة من المداخل الكبيرة والمؤثرة، إذا عالجت المشكلة”. قال: “كيف؟!”. قُلتُ له: “أولاً، لا نريد أحداً في الشمال، أو في الجنوب، يتصور أنك في رعب وخوف حتى من مجرد شخص مريض وحالته خطيرة لا يقدر على الحركة، يحاصر ويتم احتلال المستشفى.. ولو فرضنا وأن هذا الرجل (عبدالوارث) خطير على النظام، ويهدد الوضع العام، ألا توجد وسائل وأساليب أخرى تؤدي نفس الغرض، وتحفظ سمعة الدولة وهيبتها، التي تشوهت وتزعزت من تحويل مستشفى إلى ثكنة عسكرية؟!”. قال: “كيف؟”. قُلتُ له: “مثلاً، بالإمكان المجيء بعدة أشخاص من الأمن، أو الجيش، ورقودهم في المستشفى على أنهم أمراض يراقبون ويحرسون ويحاصرون بدون ضجة ولا بهذلة ولا تشويه سمعة الدولة التي هي سمعة الرئيس”. عَلَّق الرئيس بالموافقة على رأيي، وأضاف: “أيوه حتى يُرَقِّدوا ضباط في غرفته على أنهم أمراض، ويتعرفوا على أصحابه”. قُلتُ للرئيس: “يفترض أن تتصرف كرئيس دولة يحكمها النظام والقانون، والعرف القبلي، وكذلك الأجهزة الأمنية التي بتصرفها هذا تريد أن تظهرك بأنك رئيس عصابة”. سأل الرئيس: “من هو عبدالوارث هذا، حتى تقوم الدنيا عليه؛ هل هو خطير فعلاً، أكثر من المعلومات التي لدينا؟!”. قُلتُ له: “أبداً، وربماً هي الغيرة والمنافسة بين أصحاب المهنة الواحدة لأنه من الأمن الوطني.. حتى المعلومات التي لديكم فيها مبالغة”. سأل الرئيس: “كيف علاقتك به، ومن متى تعرفه؟”. قُلتُ له: “من أيام دراستنا في تعز، بعد الثورة، وسفره إلى مصر للدراسة في كلية الشرطة، وعاد بعد التخرج وانتسب في الداخلية، ولم تنقطع علاقتي به وخرجت من مخبئي أنا وهو بقرار من الرئيس الحمدي”. عَلَّق الرئيس: “أعرف هذا، المهم هو صاحبك ويسمع كلامك وتقدر تمسكه”. قُلتُ للرئيس: “في قبضة يدي هكذا، كما أنه ضد الأعمال العسكرية ويناهض أعمال العنف، ويدعو إلى العمل السياسي السلمي، حتى أن له سنوات كثيرة لم يذهب إلى عدن لخلافات شديدة مع قيادة الجبهة والحزب حول أمور كثيرة”. عَلَّق الرئيس مرة أخرى، وقال: “حتى حول حرب التحرير الشعبية؟”. قُلتُ: “نعم”. قال الرئيس: “المهم، هو صاحبك وبيدك.. أنا أعمل له ما تريد”. قُلتُ له: “ترفع الحراسات وكل مظاهر عسكرة المستشفى، وما فيش مانع إذا الأمن لديه احتياطاته السرية غير المكشوفة، وأوعدك حين يتماثل للشفاء سوف أوصله إليك”. حسم الرئيس الأمر، وقال: “خلاص، روح شوفه للمستشفى وطمنه.. هل سيتعاون معك في المهمات التي عليك مع الجنوبيين؟”. قُلتُ له: “نعم، بكل تأكيد”. وأضاف الرئيس: “يقولون أن مركزه الحزبي كبير”. قُلتُ له: “هو عضو مكتب سياسي”. قال: “وأنت؟”. قُلتُ له: “أقل منه (عضو لجنه مركزيه)”. قال: “إذاً، يعرف أسرار الجبهة القومية والجبهة الوطنية أكثر منك”. قُلتُ: “نعم، كلامك يا أخ الرئيس صحيح”. رَدَّ: “إذاً، هذا جيد لعملك، وعلى مسؤوليتك.. اذهب إليه بسيارتي الآن، وأخبرهم بأوامري برفع كل الحراسات فوراً”.

تحركت بسيارة الرئيس. وصلت ساحة المستشفى، وكان علي العتمي، نائب محمد خميس في جهاز الأمن الوطني، في الساحة، وبمجرد رؤيته لسيارة الرئيس نط (قفز) نحو السيارة، ورآني داخلها. أصيب بالذهول، وقال: “أنت يا شيخ يحيى فوق سيارة الرئيس!” (أعرف علي العتمي جيداً فقد كان مسؤول الأمن الوطني في أوائل السبعينات في إب وكنا في ذروة نشاطنا الحزبي والوطني والشعبي)، ونَزَلَ بي حِبَّاب وبِوَّاس. مسكت بيد علي العتمي، واتجهنا صوب غرفة المريض المحاصر، والمناضل الكبير والعظيم، عبدالوارث عبدالكريم مغلس. أثناء السير، قُلتُ لـ “العتمي”: “لماذا كل هذا الجيش والأمن على شخص لا يقدر على الحركة، وفي غيبوبة؟!”. قال: “هذا محمد خميس، وأحمد عبدالرحيم، وزاد جاء حميد الصاحب يقول إن الحزب الديمقراطي با يهجم بقوات عسكرية على المستشفى لإنقاذ عبدالوارث، ويقولون إنه أخطر شخص على الدولة وعلى النظام”! وصلنا غرفة عبدالوارث عبدالكريم. يا إلهي منظر يستحيل أن نتصوره.. مريض فوق السرير في زاوية من الغرفة فوقه المُغَذِّيات وأجهزة الأكسجين، ولا ترى من وجهه إلا عينيه. أكثر من ثمانية أو عشرة جنود وضباط بملابسهم العسكرية وأسلحتهم، والبعض نائماً، وآخرين يتعاطون القات، والسجائر تملأ المكان. فراشهم ومتاكيهم على الأرض. كل من دخل من الأطباء والممرضين والممرضات، يخضع للاستجواب! فعلاً، منظر يمثل الهمجية البدائية بكل عنفوانها. وقفت أمام سرير عبدالوارث رابط الجأش، منتصب القامة، وتحدثت له بالصوت العالي، وعلى طريقة إلقاء الخطب الرنانة، حتى يسمع من في الغرفة، ومن خارجها، وأذكر كلماتي، وكأنها اليوم: “يا عبدالوارث، أنا قادم إليك من عند فخامة رئيس الجمهورية، المقدم أحمد حسين الغشمي، وهو يُسَلِّم عليك، ويقول لك إن ما جرى من سوء تصرف من الأجهزة الأمنية لن يتكرر معك، أو مع غيرك، في المستقبل، وما جرى من تصرفات من الأجهزة الأمنية داخل حرم المستشفى تشويه لسمعة الدولة، وإضعاف لهيبتها، وضد النظام والقانون، ونحن دولة ولسنا عصابة.. ويقول لك الرئيس عند شفائك سوف يراك، ويَجْبُر بخاطرك”. وسلمت عليه، وكان غير قادر على تحريك يديه. وعلى الفور، وبنفس اللحظة، أصدر علي العتمي أمراً بانسحاب العساكر، ونادى على مسؤولي المستشفى بتنظيف الغرفة، وفرشها طبياً بالصابون والمطهرات، وكانت السجائر، وأعقاب السجائر، في أرض الغرفة ورائحتها تزكم الأنوف.

أمسك عبدالوارث بيدي على خفيف، وبعد مغادرة الجنود، تنفس والابتسامات على محياه، رغم الأنابيب في فمه وأنفه. لقد كتموا أنفاسه لأربع وعشرين ساعة. دخل الأطباء، وإدارة المستشفى، فرحين مستبشرين وكلهم نظر نحو عبدالوارث، ويُسَلِّمون عليَّ. كنت أزوره يومياً. قال لي عبدالوارث: “انفجار القرحة بهذه الصورة بسبب مغادرة قطينة صنعاء، وإخراج الوحدات العسكرية من صنعاء”. حاولت أن أهدئ من روعه، وقُلتُ له إن المهم الآن هو صحته. قال لي: “عليك بحسن الخولاني وهو سيدلك على أحد المساعدين لي، وهو قاسم أحمد سلام، لا تلجأ إليه إلا للضرورة القصوى، فقطاعنا العسكري والأمني في غاية السرية”. وأضاف: “يصعب على الأجهزة الأمنية الوصول إليه فقط إلا في حالة واحدة (الاختراق)، أو الصدفة، كما حدث مع الطبيب البعثي، الذي كشف أمري لقيادته، وهي بدورها أبلغت الأجهزة، لأن البعثيين يعتقدون أن نظام الغشمي قريب منهم جداً، أو هو نظامهم بعد زوال نظام الحمدي، الذي كان على خلاف شديد مع البعث”.

وفي زيارة أخرى للمستشفى، أخبرني عبدالوارث أن أحاول الاتصال بحمود قطينة في الخارج، حيث عُيِّن ملحقاً عسكرياً في إحدى السفارات اليمنية، وأطلب منه عدم الحديث عما كان بيننا بصورة نهائية وقاطعة، وأن ينسى الموضوع من الأساس كأنه لم يكن. وقال: “للأسف، لم يسعفنا الوقت لوضعك في صورة ما دار بيني وبين حمود قطينة، وإن شاء الله بعد خروجي من المستشفى سوف أحدثك بأمور أخرى مهمة، هذا إذا لم يقم جهاز الأمن الوطني بأخذي مرة أخرى”.

كان عبدالوارث لا تغيب عنه أسوأ الاحتمالات، وهذه هي نبوءة عبدالوارث عبدالكريم وقد تحققت بمجرد تحسن صحته. خلال الأيام التالية، هجم الأمن على المستشفى وخطف عبدالوارث عبدالكريم. وبهذا الخطف سبق الأمن منظمة الحزب بيوم واحد، حيث كان قد اتخذ قرار بإخراج عبدالوارث من المستشفى بصورة سرية تجنباً لأي احتمال سيء.

وَقَعَ خبر اعتقال عبدالوارث وقع الصاعقة على منظمة الحزب الديمقراطي، وفصائل اليسار، وعلى الجبهة الوطنية الديمقراطية. ضَرَبْتُ كفاً بكف، وقَلَّبتها أخماس في أسداس؛ ما الذي جرى، وما الدافع الذي جعل الرئيس يقدم على هذه الخطوة الخطيرة، بعد الاتفاق معه، والتزامي له بإحضار عبدالوارث له حينما يتماثل للشفاء، وهل يعني هذا أن أجهزة السلطة قدّمت أدلة للرئيس على خطورة عبدالوارث والحزب الذي يمثله؟! هل ستلاحقنا لعنة فكرة الانقلاب العسكري، نحن في الحزب واليسار، وأنا شخصياً؟

نصحني أحمد قاسم دماج أن أزور يحيى محمد المتوكل، “أنا رأيته قبل أسبوع، وقال إنه يُحَضِّر نفسه للسفر، فإذا التقيت به سوف تجد عنده الخبر اليقين، فليس هناك من يعرف ويتابع الاستخبارات العسكرية والأمنية، ويعلم بجميع تحركاتها، مثل السفير يحيى المتوكل، بالإضافة أن الرجل في أعماق نفسه مع القوى الوطنية والديمقراطية”. أيد مقترح أحمد قاسم عبدالحفيظ بهران ومحمد قاسم الثور.

حاولت الاتصال بمكتب الرئيس مراراً، إلا أن الرد يقول: “سوف نخبر الرئيس ونتصل بك”.

وصلت بيت يحيى المتوكل، وكان معه حسين الدفعي، وعلي الحيمي، وعبدالله حسين المؤيد، وحسين شرف الكبسي، وسعيد محمد الحكيمي، ويحيى البشاري، وكل هؤلاء (عدا الأخيرين) من تنظيم الضباط الأحرار، ولديهم عِلم بخطف عبدالوارث من المستشفى قبل استكمال العلاج، وأظهر البعض تخوفهم على مصير عبدالوارث الذي يعرفه الجميع. كما أن الضباط المذكورين وطنيون، أو محسوبون على اليسار، وكلهم يتوقعون نهاية قريبة للوضع، والجميع يصب جام غضبه على المملكة السعودية، التي تقف وراء الكوارث والويلات التي تلحق بالشعب اليمني. وتفرد حسين الدفعي بالقول إن “السعودية تعمل على أن يحكم اليمن العرائف والعُكْفَة والخباطا الأُمِيِّين، بعد السلال والإرياني والحمدي”. انفردت بيحيى المتوكل، وسألته أن ينورني، ومن معي، بالمعلومات الدقيقة، وتَفَهَّم قصدي أن الحزب هو من أرسلني إليه. أعرب، أولاً، عن تخوفه على عبدالوارث، فالرجل خسارة كبيرة لا تعوض، ثم شرح لي الأوضاع، وقال: “لدى الأجهزة الاستخباراتية، وخاصة الأمن الوطني، تكهنات وتوقعات (وليس دلائل قاطعة) أن عبدالوارث يريد القيام بانقلاب عسكري للاستيلاء على السلطة، وأن سجنه يقطع الشك باليقين، لأن أحداً في الحزب الديمقراطي لا يقدم على أي تحركات ما دام عبدالوارث عبدالكريم في قبضتهم”.

سألت المتوكل: “هل لديهم معلومات أو تسجيلات مؤكدة حول هذا الانقلاب المزعوم، وعن القوى والأشخاص والإمكانيات؟”. أجاب: “أبداً، قد ناقشتهم، والمهمين منهم، وكلهم يؤكدون أن هذه الإجراءات استباقية، وخاصة على عبدالوارث عبدالكريم”. قُلتُ له: “إذا رأيت الرئيس الغشمي، وأطالبه بإطلاق عبدالوارث، كيف ترى طرحي معه للموضوع؛ هل أكون قوياً في نفي التهم الخطيرة على عبدالوارث وعلى الحزب؟”. قال: “نعم، وبدون أي تلكؤ، وتطالبه العودة للتفاهم الذي جرى بينكم حين رفع الحصار على المستشفى، ومنع الأمن الوطني من عبدالوارث، وأكد للرئيس بنوع من الثقة أن تقارير الأجهزة الاستخباراتية ما فيها شيء من الحقائق الأكيدة، وإنما هي عادة الأجهزة أن تشعر الحاكم بنشاطها وفعاليتها، وحرصها الشديد على النظام بغية زيادة ميزانيتها، وجعل النظام ورئيس النظام يستندون عليها، وبالتالي يترك لهم الحبل على الغارب للفتك بالقوى الوطنية الجديدة”.

يتبع..

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى