مقالات رأي

تفاصيل لقاء جمع الغشمي بممثلي الجبهة الوطنية

عن عبد الوارث عبدالكريم والرئيس الغشمي (18)

جاء اتصال من مكتب الرئيس، وحدد فيه موعد اللقاء بالجبهة الوطنية في القصر الجمهوري، الساعة 11 صباحاً. أهم ما طُرِحَ في هذا اللقاء، هو استفسار صالح الأشول عن عبدالوارث عبدالكريم، وقال إنه من المفروض أن يترك حتى يتمم علاجه، وقد أيده أحمد الرحومي بقوة، بل وطالب بإطلاق سراحه، وقال إن العملية التي أجراها تحتاج إلى ستة أشهر من العناية والرعاية والهدوء. وقد تحدث الرئيس عن العلاقة مع عدن، وأنه تلقى رسالة من الرئيس سالم ربيع علي، ومحتواها جيد ومبشر بتحسن الأوضاع بين الشطرين، وأنه رد علي سالمين برسالة أفضل، وتجاهل الرد أو الحديث عن عبدالوارث عبدالكريم.

أحمد الغشمي

عَلَّق عبدالقادر هاشم: “وإذا حييتم بتحية فردوا بأحسن منها”، وتحدث الجميع مباركين ومؤيدين التقارب والتفاهم والتواصل بين صنعاء وعدن، كما أثار “الرحومي” سؤال عن موقف الرئيس من عودة المشايخ إلى صنعاء، فقال الرئيس: “هؤلاء المشايخ اختلفوا مع الحمدي، وخرجوا مناطقهم، بين قبائلهم، وقد تواصلت معهم أكثر من مرة، وجاءني مبعوثون ووسطاء، وقد قلت للجميع إني لا أمانع عودتهم إلى صنعاء كمواطنين ومشايخ معززين مكرمين في بيوتهم، وجميعهم معهم بيوت في صنعاء.. إذا اقتنعوا بهذا فأهلاً وسهلاً، أما يريدون العودة إلى ما كان الوضع أيام الإرياني، وأول عهد الحمدي؛ تقاسم بالوزارات، وتقاسم بالمحافظات، ومنافسة الدولة والتدخل بكل صغيرة وكبيرة، فأنا لن أسمح بعودة هذه الأوضاع، أنا هنا رئيس للدولة، منتخب من مجلس الشعب التأسيسي، وأنا صاحب القرار في الدولة، فالعهود الماضية، أثبتت أن تقاسم الدولة هو خرابها، وضعفها وعجزها عن عمل خطط أو نهضة أو تطوير”، سأله “الرحومي”: “شفنا الشيخ مجاهد أبو شوارب خارج من القصر، ماذا لديه؟”، قال الرئيس: “نعم، مجاهد عاد وموجود في صنعاء، والمشايخ يكلفونه الاتصال بالرئيس، والأخ مجاهد مقتنع بوجهة نظري، وقد حملته رسالة جوابية بهذا المعنى، مع العلم أن عوائلهم وأبناءهم قد عادوا جميعاً إلى صنعاء”.

وتساءل عبدالقادر هاشم: “وما هو موقف السعودية، التي تدعم حكم المشايخ؟”، أجاب الرئيس: “إلى الآن، لم يتكلموا عن المشايخ”، قال عبد الرحمن مهيوب: “عليهم بالراحة والاستمتاع بما معهم، ويتركون الفرصة للشباب من أبناء القبائل”، رَدَّ عليه صالح الأشول، بالقول: “لشباب، اليمن كلها، وليس لشباب القبائل فقط”.

وتساءلت أنا، عن زيارة الوفد السعودي إلى “خَمِرْ”، برئاسة رشاد فرعون، تم لقائه، بعد “خَمِرْ”، بالرئيس، وأضاف صالح الأشول: “لقد لاحظنا كثرة الوفود السعودية خلال الشهور الماضية، وفي مختلف الأوساط الحكومية السعودية، وأيضاً التحركات النشطة لصالح الهديان، وكل هذا يُعَبِّر على إصرار السعودية التدخل في كل شاردة وواردة، ونحن على ثقة أن فخامة الرئيس سيعرف كيف يصد هذه الضغوطات، ويحافظ على سيادة البلد”، أجاب الرئيس: زيارة بعض الوفود السعودية إلى “خَمِرْ”، “تتم بعد الإذن من الرئيس، وأما التدخل في كل شئون البلاد، فأنا أريد منكم المقارنة بين عهدي وعهد الحمدي، الذي قدم تنازلات كثيرة، واستجاب لمطالب السعودية أكثر من أي وقت، أما أنا فتعالوا واطلعوا على الملفات والمحاضر، وستجدون أنني لم أستسلم لمطالب وضغوط السعودية، ولن أسمح بما يمس سيادة البلاد، وأما توقيت عودة المشايخ، فإن موافقتهم على أن رئيس الدولة هو صاحب القرار، ولا ينازعه أحد، فصنعاء ترحب بالجميع، وفي أي وقت، وقد يتم هذا في أي لحظة”.

لاحظنا كلنا، أن الحديث عن السعودية ونشاطها، يجعل الرئيس ينقبض، ويرد بصوت مرتفع ونبرة حادة، ودائماً يحشر عهد الحمدي في هذا المجال، وبهذا يريد الرئيس القول إنه لا يقبل وصفه برجل السعودية، قلت لصالح الأشول، كتابةً: “الخطير في الأمر، هو إشاعة اتساع المذهب الوهابي، وهنا مكمن الخطر على البلاد بأسرها”، التقف الحديث أحمد الرحومي، وتكلم بتوسع (علاقته بالرئيس جيدة)، ومما قاله: “لقد أقدمتم على إصدار قانون التعليم الديني عام 1974م، وهو التعليم الوهابي، الذي لو شاع واتسع، فسوف يمزق الوحدة الوطنية في اليمن، وسوف يؤسس لحروب دينية طائفية لن تبق من اليمن إلا الدمار والتمزق.. نحن عندنا مذهبان: الزيدي والشافعي، متعايشين بتفاهم وسلام عبر التاريخ..”، وأخذ الحديث عبدالقادر هاشم، أن الهيئة العلمية للمعاهد العلمية، سيجعلون منها وزارة تربية وتعليم أخرى، لما في حوزتها من الإمكانيات المادية التي لا تتوفر عند التربية والتعليم، وسيستغلون الآن المساجد ومدارس تحفيظ القرآن. عَلَّق الرئيس قائلاً: “أنهم يستغلون نشاط الجبهة الوطنية، وأعمال التخريب والتَّلغِيم والقتل، التي تحدث في الوسطى وشرعب وريمة وعتمة وغيرها، وكذلك الإعلام والدعاية في أجهزة عدن، ضد الدين، ونشر الأفكار الهدامة، وهذا ما يبررون به نشاطهم، لقد قابلت القاضي يحيى لطف الفسيل، وعبدالمجيد الزنداني، وعمر أحمد سيف، الأسبوع الماضي، وأدوشوا رأسي لأكثر من ساعتين، ويركزون على أن الدفاع عن الإسلام والعقيدة والقرآن في وجه الهجوم الشيوعي الكاسح، والمدعوم من الدول الشيوعية في العالم، من أقدس المقدسات، وقد رفضت السماح لهم بإلقاء المحاضرات في المعسكرات التي في العاصمة”.

قال عبدالرحمن مهيوب: “الآن عندهم تنظيم عسكري غير معلن، لكنه يمارس نشاطه الإعلامي والدعائي والعسكري في كل مكان، باسم الدفاع عن الإسلام”. وسأل الرئيس: “ما هو هذا التنظيم؟”. جَوُّب صالح الأشول: “الجبهة الإسلامية”. قال الرئيس: “هي هذه جبهتهم الجبهة الإسلامية لمواجهة الجبهة الوطنية المسلحة”، وأضاف: “هيا عَقِّلُوا أصحابكم يتركوا السلاح، ويوقفوا القتل، ويتم دخول الدولة إلى كل المناطق في الوسطى، وغيرها، ونحن سنوقف نشاط رجال الدين وجبهتهم الإسلامية، والتي لم أسمع بهذا الاسم إلا نادراً”، أضاف عبدالرحمن مهيوب: “يا فخامة الرئيس، إن رجال الدين الوهابيين ينشطون داخل المعسكرات، في إب وتعز وعمران وحجة بالمحاضرات، ومحو الأمية، وبالتالي تجنيد أفراد المعسكرات إلى تنظيمهم العسكري، الجبهة الإسلامية، وهذا ما يجب على الرئيس وقفه ومنعه”. حسم الرئيس النقاش بقوله: “لا تُكَثِّرُوا الهَدْرَة.. تحركوا وأوقفوا أصحاب عدن، والجبهة الوطنية، من الأعمال العدوانية والتخريبية، وتلغيم الطرقات وآبار المياه، وأنا ألتزم بوقف أي نشاط للتيار الديني والوهابي، وبدون هذا أنتم تريدون الجمهورية اليمنية لقمة سائغة للجنوب”، وأنهى حديثه: “لقد أكثرتم الكلام اليوم مثلما علماء الدين! أمانة أن القاضي يحيى الفسيل، يخرب مدينة بخطاباته المدوشة”، وقام من مقعده، وانصرفنا، إلا صالح الأشول وأحمد الرحومي، انفردا بالرئيس، برهة من الوقت، وقد قالا لنا أنهما طلبا من الرئيس إطلاق المعتقلين، ومنهم عبدالوارث عبدالكريم، وأن الرئيس جوب عليهم، بأنه قد تفاهم بهذا الخصوص مع الأخ يحيى أبو أُصبع.

وانحزنا إلى ظل شجرة، في حوش القصر، يقودنا أحمد الرحومي، وتحدث عن عبدالوارث عبدالكريم، الذي عمل معه في ثلاث لجان بقيادة الرحومي، وعبدالوارث يمثل جهاز الأمن الوطني: “كان عبدالوارث، محل تقدير واهتمام أعضاء اللجان لقدراته وكفاءته في صياغة المحاضر والتقارير والقرارات والمعالجات بصورة مدهشة وسريعة، مع صياغتها بطريقة تأخذ في حساباتها كل الظروف والملابسات في تلك الفترة الزمنية، وعلاقتنا لا تنقطع.. كان يفاجئني بزيارة إلى بيتي أثناء اختفائه ومطاردته، والعجيب أنه يأتي وأنا موجود مع أنني كثير الحركة ليلاً ونهاراً، وقد سألته مرة: كيف تعرف أنني في البيت، هل تراقبني؟! أجاب: أبداً إنما القلوب عند بعضها، وقُلتُ له مرة: ألا تشك بعلاقتي بالبعث أنني آذيك؟ جَوُّب أنه لم يتسرب إلى عقلي أدنى شك، فأنت، في نظري وفي نظر الوطن والتاريخ، أحمد بن أحمد الرحومي، أحد أهم رموز سبتمبر العظيم”، وختم: “لقد أسرني عبدالوارث، بكل جوارحي”، وقال صالح الأشول إن: “عبدالوارث خسارة على الوطن، وعلى الحركة الوطنية الديمقراطية، خسارة لا تعوض.. إذا لم تطلق حريته”.

كانت الساعة تشير إلى الواحدة بعد الظهر، وإذا بالشيخ أحمد علي المطري، قادم من المكاتب الخارجية للقصر، وبعد السلام، وَجَّه دعوة لنا للغداء، فقال له السفير صالح الأشول (كان قد صدر قرار بتعيينه سفيراً في موسكو): “وهل الغداء كاف لنا كلنا؟”، قال: “يا صالح، الخير واجد”، توجهنا إلى منزل الشيخ المطري، في “الصَّافِية”، وقد سبقنا الشيخ نعمان قائد بن راجح، والمقدم أحمد بن سعد، من “عبيدة”- مأرب، والشيخ علي ناصر طريق، والأستاذ عبدالسلام خالد كرمان (والد توكل كرمان)، والشيخ محمد حسن دماج، وعرفنا منهم أن الشيخ سنان أبو لحوم، قد دخل صنعاء، بعد نجاح مساعيهم، هم وغيرهم، ووصل بيته بدون موكب من السيارات والحراسات، فالشيخ سنان لا يحب هذه المظاهر، التي تقلق السلطات. وسألنا عن الشيخ عبدالله [بن حسين الأحمر]، قالوا: “سيكون في صنعاء اليوم أو غداً”، وأن المشايخ مجاهد أبو شوارب، وعلي حميد جليدان، وعبده كامل، ومشلي القايفي، سوف يرافقونه، بتوجيه رئاسي.

وفي المقيل، جرى الحديث حول دور السعودية الفاعل في الأحداث، وفي تقريب المسافات بين الرئيس والمشايخ، بل أن بعضهم تحدث عن رشاد فرعون،  وعلي بامسلم، وهما آخر وفد سعودي ما زالوا في صنعاء لأكثر من أسبوع، وقال آخرون إن وزارة الدفاع اليمنية، أصبحت مقراً لصالح الهديان، الملحق العسكري السعودي. وتحدث الرائد عبدالهادي البهلولي (من بني بهلول وقد التحق بالجبهة الوطنية في عدن، وكان على علاقة قوية بمجاهد القهالي، وله ميول ناصرية) ضد الهيمنة السعودية، وتدخلها في كل صغيرة وكبيرة، وأنها تسعى على الدوام لجعل النظام في اليمن “ملكي بقبعة جمهورية”، وأن رجال الثورة والجمهورية..

يتبع..

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى