عندما أراد الشيخ القوسي منع مرور الطائرات في سماء قبيلة بَكِيل
عن عبدالوارث عبدالكريم والرئيس الغشمي (20)
سأعود بالقراء الكرام بضعة شهور إلى الخلف لوضعهم في صورة زيارة عبدالوارث عبدالكريم للشيخ أمين بن حسن أبو راس، قبل أن أنتقل إلى تفاصيل الانفجار العظيم في القيادة العامة الذي أودى بحياة الرئيس الغشمي، وما تبعه من انفجار مماثل في عدن.
كنّا في منزل أحمد قاسم دماج، أنا وعبدالوارث عبدالكريم مغلس، فقال لنا أحمد قاسم إن النقيب أمين بن حسن أبو راس مريض، ووضعه الصحي صعب، فاقترح عبدالوارث أن نسجل زيارة له، فهو يعرفه حق المعرفة، وتربطه علاقات من التعاون في قضايا كثيرة حين كان نائب رئيس جهاز الأمن الوطني (الأمن السياسي لاحقاً)، كما أن لديه بعض الأوراق الخاصة بالنقيب أمين حول القضايا التي كان يتدخل فيها ويعالجها بين القبائل، وشجع أحمد قاسم دماج هذه المبادرة من عبدالوارث لما لها من أهمية في العلاقات الاجتماعية، وخاصة في المجتمعات القبلية. وأضاف أحمد قاسم أنه يُقَدِّر عالياً المساعي والجهود التي يبذلها عبدالوارث عبدالكريم لخلق العلاقات والصداقات في أوساط هذه البيئات والمناخات لأنها تساعد على الاختلاط والفهم والإدراك للعادات والتقاليد والأعراف، وهذا كله يساعد النشطاء والمحترفين للعمل السياسي والحزبي.
قال عبدالوارث: “أنا مهتم جداً بالعمل وسط القبائل، وقد استفدنا من أحداث 23 و24 أغسطس 1968، حين كان اليسار بوجه عام بعيداً عن المجتمعات القبلية وتأثيراتها الحاسمة في الأحداث، فلولا وقوف القبائل بقادتها من المشايخ لاستطعنا حسم الأمور بأقصر الطرق وبأقل التكاليف، ولهذا أنا أنشط سياسياً وحزبياً، في السنوات الأخيرة، ووفق برنامج عمل وجدول أعمال لا أحيد عنه ولا أهمله، للعمل والنشاط وسط المجتمعات القبلية في بني مَطَر والحَيْمَتِين وحَرَاز وبني الحارث وعِيَال سُرِيح، وقد تزوجت من عِيَال سريح، وهذا سَهَّل لي الحركة وسط هذه المناخات الاجتماعية”. وواصل عبدالوارث الحديث: “وقد كلف الأخ يحيى منصور أبو أُصبع، ومنذ تواجده في صنعاء، للنشاط السياسي والتنظيمي في مناطق بَرَط وسُفْيَان والجوف وصعدة، وفى أي منطقة يستطيع النشاط فيها، لإنشاء فروع للحزب الديمقراطي الثوري اليمني..”.
واتفقنا على يوم غد لزيارة “أبو راس”، وعلى أحمد قاسم الترتيب، ودعوة بعض الإخوان.
ذهبنا لزيارة الشيخ أمين بن حسن أبو راس في منزله في “البُونِية”، قريب من قصر البشائر. وجدنا عنده الشيخ محمد محسن أبو راس الحوري، والشيخ علي بن محمد أبو راس، والد النقيب صخر بن علي بن محمد أبو راس، والشيخ عبده إسماعيل أحمر الشعر، شيخ خميس آل صلاح، والشيخ عبدالله محسن ثوابة، شيخ خميس ذو زيد، والقاضي يحيى الجنيد، والتاجر عبدالوهاب بن أحمد ثابت، وكلاهما من “ذِي السُّفَال”، والشيخ الفاشق، والفتيني، من الحديدة، والشيخ عبدالولي الذهب، من البيضاء، والشيخ صالح هندي دغسان، شيخ “آل عَمَّار”- صعدة. وبمجرد وصولنا استأذن الكثير من الحاضرين وانصرفوا، لإفساح المجال للوَصَّالة، وكنت قد وصلت مع الإخوان أحمد قاسم دماج، وأحمد منصور أبو أصبع، وزيد مطيع دماج. أمرني النقيب أمين بن حسن أبو راس أن أباشر الضيوف. كان يتعامل معي أنني أحد أبنائه، كما أنني أعرف عائلته معرفة أسرية، فزوجته هي بنت النقيب محمد بن أحمد الصلاحي، من “ذي أشرق”، والذي عاش في حالة صراع مع الإمام يحيى، وهذه المرأة مثالية ومكافحة طوال السنوات الصعبة التي عاشها النقيب أمين بن حسن (مصطلح النقيب هو أكبر من مصطلح الشيخ وهو خاص ببعض قبائل بكيل فقط مثل قبائل ذو محمد وذو حسين ونِهْم وخولان العالية أو خولان الطِّيَال). وتبعنا بالوصول عبدالوارث عبدالكريم، ومعه أحد الضباط (رفيق) يعرف النقيب أمين أبو راس في معارك الدفاع عن الثورة والجمهورية في “سُفْيَان” وصعدة، ففرح به أبو راس، وشكر عبدالوارث على وصوله مع هذا الضابط، وعانقه بحرارة، وللأسف الشديد نسيت اسمه، إلا أن منطقته هي “زُرَاجْة” في “الحَدَاء” (كان تواجد الحزب الديمقراطي قوياً وواسعاً في أوساط أبناء الحداء وخاصة آل القوسي “بني قوس”).
وبعد لحظات، وصل عبدالحفيظ بهران مع ناجي علي الأشول، أحد قيادة تنظيم الضباط الأحرار (عضو مجلس قيادة التنظيم)، وقال إنه التقى عبدالحفيظ في حوش البيت، وكان هو من فاتح الحديث بسؤال وجهه إلى النقيب أمين وعبدالحافظ بهران حول البرقية التي بعثاها صبيحة ثورة 26 سبتمبر 1962 باسم اللواء الأخضر (محافظة إب)، وكانت أول برقية تأييد من الشعب اليمني لقيام الجمهورية، وإعلان الثورة.. قال لهما: “كيف بعثتم البرقية بتلك السرعة، ومعروف أن النقيب أمين بن حسن أبو راس يعيش في الحوري – مديرية ذي السُّفَال، أم أنه كان موجوداً في إب، وقد شكلت هذه البرقية دفعاً معنوياً هائلاً للثورة، حيث انهالت بعدها برقيات التأييد والمناصرة؟”.
وجه أبو راس الجواب على عبدالحفيظ بهران، الذي أفاد أنه عَلِمَ بوجود أبو راس في “الخان” (فندق بلغة هذه الأيام)، “فتحركت إليه وتداولنا الأخبار، كان كل منا معه راديو مفتوح على إذاعة صنعاء، فاتفقنا على المغامرة، وبعثنا برقية تأييد ومساندة باسم لواء إب، من منطلق أن البرقية سوف تشكل دعماً للثوار وفاتحة لبرقيات أخرى من مختلف المناطق والمواطنين، وتم صياغة البرقية ومضمونها:
“الأخوة أعضاء مجلس الثورة، الأخوة في إذاعة صنعاء وإذاعة الجمهورية العربية اليمنية.. تحية الثورة والجمهورية والنصر المبين – بإذن الله تعالى – على النظام الإمامي الملكي المُبَاد، وإننا باسم أبناء لواء إب نعلن تأييدنا ودعمنا ووقوفنا مع الثورة والجمهورية، التي قامت على أنقاض النظام الملكي الكهنوتي، من أجل إنقاد الشعب اليمني من الظلم والطغيان والفقر والمرض والأمية.. ونحن شباب إب، وجميع المواطنين، على استعداد لحمل السلاح دفاعاً عن الجمهورية ضد أي محاولات أو تدخلات ضد النظام الجمهوري”. التوقيع أمين بن حسن أبو راس، عبدالحفيظ بهران.
ثم قال النقيب أمين أبو راس أنه التقى عبدالوارث عبدالكريم، مع عدة لجان للداخلية والأمن الوطني، وكان أول لقاء به حين كان محافظاً للحديدة، ثم التقاه مرات عديدة، “وكان نعم الرجل، وكنت إذا احتجت شيئاً من الأمن الوطني كان عبدالوارث واحداً من الذين أستعين بهم”.
وتحدث عبدالوارث عن أحد المواقف الحرجة التي رافقته في حياته، حين كُلِّف من جهاز الأمن الوطني، مع آخرين، بالذهاب إلى “رَيْدَة”- “عِيَال سُرِيح”- محافظة عمران اليوم، وذلك لمتابعة وتقصي نشاط تحركات الشيخ مطيع دماج، وذلك في نهاية عام 1968، وكان هذا التجمع ضد حكومة انقلاب 5 نوفمبر 1967. قال: “وصلت إلى قناعة برفض هذه المهمة، لأنها تعني العمل مع القوى الرجعية الماسكة بزمام الأمور، خاصة بعد أحداث أغسطس، وتصفية الوحدات العسكرية الجديدة (المضلات والصاعقة والمدفعية وغيرها من القوى المدنية)، وامتلاء المعتقلات بالقوى الوطنية والتقدمية، التي تناهض وتقاوم نظام 5 نوفمبر وانقلابه على المبادئ والأهداف الثورية للنظام الجمهوري، ولم يكن هناك أحد من معاريف مطيع دماج حتى أستطلع الأوضاع من خلاله، فأحمد قاسم دماج كان في السجن بعد أحداث 23 و24 أغسطس 1968، وأحمد منصور أبو أصبع مشرد، ولا أعرف أين هو، وعبدالله الوصابي في سجن الزَّاجِر في إب.. فلم يكن أمامي إلا النقيب أمين أبو راس فلجأت إليه في هذا البيت، وقد نصحني بالعمل بالتكليف، وقال لي: أنت أفضل من الآخرين، على الأقل تقدم تقارير غير تحريضية، كما يفعل زملاؤك الحاقدين على الثوار، وعلى الجمهوريين الحقيقيين. وقد انتقلنا إلى منطقة ريدة متنكرين بملابسنا، كان النقيب أمين أبو راس قد أعطاني بعض الأسماء من جبل عِيال يَزِيد، ومن بني ميمون، لأستعين بهم، ولا مانع أن أنقل لهم تحيات وسلام النقيب كعلامة على العلاقة، وأهم من التقيت به في ريدة هو الشيخ عبدالله محمد القوسي، الجمهوري التقدمي الذي كان لا يتحرك إلا وصورة جمال عبدالناصر في صدره، وكان متحمساً لإسقاط نظام انقلاب 5 نوفمبر، والانتقام لأبطال السبعين اليوم الذين دافعوا عن الثورة والجمهورية، وسحلتهم وقتلتهم ومثلت بهم القوى الرجعية وبدعم وتوجيه وتخطيط من السعودية، وقد سهل هذا اللقاء بالشيخ القوسي بعض الرفاق من آل القوسي (الحداء)، الذي كان لحزبنا نصيبٌ كبيرٌ في أوساطهم من الخريجين العسكريين والمدنيين”.
وأضاف عبدالوارث: “ودخلت بمناقشة حامية مع الشيخ عبدالله القوسي (هو والد اللواء محمد عبدالله القوسي)، ونصحته بعدم الدخول إلى صنعاء، حيث أخبرني أنه يحمل إنذاراً للحكومة العميلة والرجعية، حسب تعبيره، إنذار من أبناء بكيل بمنع مرور الطائرات العابرة للأجواء فوق سماء بَكِيل. وقُلتُ له إن هذا الإنذار في حد ذاته إعلان حرب، وفوق ذلك تريد أن تحمله أنت إلى صنعاء وتقرأه في ميدان التحرير؟! قال الشيخ القوسي: قد حاول أن يثنيني الشيخ مطيع، ومنصر حكم والضلعي، وحتى صاحبكم عبدالله صالح عبده، وهم يرون أن يتولى المهمة أشخاص آخرون، إلا أنني أصريت على أن أتولى بنفسي هذه المسؤولية الوطنية الثورية”.
يتبع..